تقارير ودراسات

لماذا لا يزال حزب الله الضعيف يشكل تحدياً للحكومة اللبنانية؟

عندما أعلنت الحكومة اللبنانية المدعومة من الغرب أن شبكة الهاتف الخاصة لحزب الله غير قانونية، كان الرد فوريًّا: استولى مسلحو الميليشيا الشيعية على شوارع بيروت، وأغلقوا الأحياء بالحواجز المشتعلة، وحاصروا المطار.

“القرار بمثابة إعلان حرب… على المقاومة وسلاحها لصالح أمريكا وإسرائيل”، هذا ما صرح به زعيم حزب الله آنذاك، حسن نصر الله، عام 2008. “من يحاول اعتقالنا، سنعتقله. من يطلق النار علينا، سنطلق النار عليه. اليد التي تُرفع علينا، سنقطعها”.

على مدى عقود من الحروب الداخلية والخارجية والاضطرابات السياسية في لبنان، كان حزب الله وترسانته القوية من المقاتلين المتمرسين والصواريخ والقذائف يشكلان عائقاً مستمرًّا أمام السلطة الحكومية في بيروت.

لكن الميليشيا المدعومة من إيران تواجه الآن حساباً سياسيًّا وعسكريًّا غير مسبوق.

ما الفرق اليوم؟ قرار حزب الله فتح “جبهة تضامن” لإطلاق الصواريخ على شمال إسرائيل، بعد أن شنت حماس هجومها في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والذي أدى إلى اندلاع الحرب في غزة.

بلغت المواجهات العنيفة بين حزب الله وإسرائيل ذروتها في الخريف الماضي بهجوم إسرائيلي مفاجئ أدى إلى القضاء على كبار القادة السياسيين والعسكريين للحزب – بمن فيهم حسن نصر الله – وتدمير معظم ترسانته، مخلفاً معاقل الشيعة في بيروت وجنوب وشرق لبنان في حالة دمار. يقول حزب الله إن 5000 من مقاتليه قتلوا وأصيب 13000 آخرون.

إن اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي يتطلب من حزب الله نزع سلاحه، ومن الجيش اللبناني السيطرة على جميع المناطق الحدودية، في مقابل انسحاب إسرائيل بالكامل من جنوب لبنان ووقف الهجمات ـ وهو ما لم يحدث حتى الآن.

تتعرض الحكومة اللبنانية الحالية، التي شُكلت في يناير/ كانون الثاني، لضغوط من الولايات المتحدة وإسرائيل للتعامل مع حزب الله. في الشهر الماضي، كلفت الجيش اللبناني رسميًّا بوضع خطة لنزع سلاح الحزب الشيعي بحلول نهاية العام. من المقرر أن يقدم الجيش خطته إلى مجلس الوزراء اللبناني يوم الجمعة 5 سبتمبر / أيلول. وقد أشار حزب الله إلى أن ذلك سيدفعه إلى تعليق تعاونه مع الجيش في جنوب لبنان.

في إطار مساعي حكومة بيروت لفرض احتكار الدولة للسلاح في لبنان، بدأت الفصائل الفلسطينية أيضاً عملية نزع سلاحها، على الرغم من أن المحللين يقولون إن النتائج حتى الآن لا تزيد عن كونها رمزية.

مع ذلك، كان رد فعل حزب الله – الذي لطالما اعتُبر، حتى القضاء عليه مؤخراً على يد إسرائيل، العضو الأقوى في تحالف “محور المقاومة” الإيراني – متواضعاً نسبيًّا. لم يكن هناك انتفاضات جماهيرية من قبل أنصار الحزب الشيعة، ولم يبذل الحزب نفسه أي جهد للاستقالة من الحكومة أو إسقاطها.

إذا كان قرار حظر الاتصالات لعام 2008 “بمثابة إعلان حرب”، فإن قرار الحكومة في أغسطس/ آب بنزع سلاح حزب الله “قرار أكبر بكثير”، كما يقول ديفيد وود، المحلل البارز في شؤون لبنان لدى مجموعة الأزمات الدولية.

يقول وود: “حتى الآن، أعرب حزب الله بوضوح شديد عن معارضته لهذا القرار [نزع السلاح]، لكنه لم يلجأ إلى التكتيكات السياسية، أو لنقل، التكتيكات غير القانونية التي استخدمها في الماضي، عندما لم تكن القرارات تسير في صالحه”.

وأضاف: “ربما يكون الاستنتاج الأكثر وضوحاً هو أن حزب الله لم يعد يتمتع بنفس القوة السياسية التي كان يتمتع بها بعد الصراع السابق مع إسرائيل في عام 2006”.

في ذلك العام، خاض حزب الله حرباً ضد إسرائيل استمرت 33 يوماً وأدت إلى تدمير معاقل الشيعة في بيروت وجنوب لبنان، لكنه خرج من تلك الحرب بدعم واسع النطاق من مختلف الطوائف.

مع ذلك، تراجعت شعبية حزب الله منذ ذروتها في حرب 2006. لطخت سيطرة الحزب على بيروت عام 2008 سمعة الميليشيا لنقضها وعودها بعدم استخدام سلاحها ضد مواطنيها. وتراجعت سمعة الحزب مجدداً بسبب تدخله في سوريا، إلى جانب إيران وروسيا، مما ضمن بقاء الديكتاتور بشار الأسد الذي مارس نظامه التعذيب والقتل على نطاق واسع.

في لبنان، ساعد حزب الله أيضاً على قمع الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية في عام 2019، عندما كانت الشوارع في جميع أنحاء البلاد مكتظة بأشخاص من جميع الطوائف يطالبون بإنهاء الفساد والحكم الطائفي.

بالنسبة إلى قاعدة حزب الله الشيعية، فإن قضية نزع السلاح “وجودية”، كما يقول مكرم رباح، الأستاذ المساعد للتاريخ في الجامعة الأمريكية في بيروت.

“إنهم يعلمون أنه بعد سنوات من ترهيب الفصائل اللبنانية الأخرى وقتل الناس وإذلالهم، فإن ساعة الحساب قد حانت، لذلك فهم غير مستعدين لنزع سلاحهم لأنهم لا يعرفون ما الذي سيحدث بعد ذلك”.

“أعتقد أن اللبنانيين لا يريدون معاقبتهم، لكن عليهم العودة إلى الواقع والتصرف كمواطنين عاديين. لقد استفادوا كثيراً من النظام الفاسد، لكن لا يمكنهم تجاوزه كلما عارضهم أو لم يعجبهم”.

ومع ذلك، من غير المرجح أن يقبل حزب الله بتسوية سهلة. فقد تعاون في تفكيك بعض بنيته التحتية العسكرية جنوب نهر الليطاني، كما ينص اتفاق الهدنة، وإن أفادت تقارير بأنه لم يبد مساهمة تذكر في تحديد مواقع مستودعات أسلحته وتدميرها. كما تردد في نزع سلاحه في أماكن أخرى، في مناطق تستهدفها الغارات الجوية الإسرائيلية بشكل شبه يومي.

قال الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، في 25 أغسطس/ آب: “لن نتخلى عن السلاح الذي يشرفنا ولا عن السلاح الذي يحمينا من عدونا”. وأضاف: “إذا استمرت هذه الحكومة بشكلها الحالي، فلا يمكن الوثوق بها في حماية سيادة لبنان”.

في حين نزعت الميليشيات الطائفية اللبنانية الأخرى سلاحها على مر السنين، احتفظ حزب الله بسلاحه، بحجة أن ذلك السلاح ضروري “للدفاع” عن لبنان وردع الهجمات الإسرائيلية.

كحافز لنزع السلاح، طرح المبعوث الأمريكي توم باراك مؤخراً إمكانية دعم إنشاء منطقة اقتصادية خاصة في جنوب لبنان لإفادة القاعدة الشيعية لحزب الله.

قال باراك الأسبوع الماضي: “لدينا 40 ألف شخص تدفع لهم إيران للقتال. ماذا ستفعلون بهم؟ هل ستأخذون سلاحهم وتقولون لهم: بالمناسبة، حظاً موفقاً في زراعة الزيتون؟”

في حين لم يُقدّم سوى تفاصيل قليلة عن هذه الفكرة، لا يوليها المحللون أهمية كبيرة، مشيرين إلى أن الولايات المتحدة أبدت عدم نيتها تقييد تحركات إسرائيل في لبنان.

يقول وود: “كلما طال أمد تأجيل عملية نزع السلاح، زادت احتمالات قيام إسرائيل بتوسيع هجماتها وتولي المهمة بنفسها، حتى أكثر مما تفعله الآن”.

ويقول رباح إن هناك سبباً آخر يجعل نزع السلاح مشكلة بالنسبة لحزب الله، وهو أن الميليشيا “استخدمت على الدوام كلمة “مقاومة” كمرادف لسلاحها”.

“لفترة طويلة، استخدموا ما أسموه “الثالوث الذهبي” – الجيش والشعب والمقاومة. والآن، فقد هذا “الثالوث الذهبي” المزعوم مصداقيته… قالت الحكومة: “لم يعد بإمكانكم السيطرة على الدولة”.

“الأهم من ذلك، فشل السلاح نفسه في ساحة المعركة. حزب الله هو من طالب بوقف إطلاق النار، وليس الإسرائيليين. كان الإسرائيليون مستعدين لذلك؛ لأنه لم يعد لديهم أهداف”.

قُتل أكثر من 3500 لبناني في غارات إسرائيلية خريف العام الماضي، وشُرد 1.2 مليون شخص. غزت إسرائيل الأراضي اللبنانية، ولا تزال تحتل خمسة مواقع في الجنوب، وتشن ضربات متكررة ضد ما تصفه بمحاولات حزب الله لإعادة تنظيم صفوفه وتسليح نفسه.

المصدر:

https://www.csmonitor.com/World/Middle-East/2025/0904/lebanon-government-control-hezbollah-disarmament-israel?cmpid=shared-twitter

زر الذهاب إلى الأعلى