تقارير ودراسات

لا ينبغي لأحد أن يتفاجأ بقتل المدنيين في سوريا

الصدمة والغضب ردّة فعل في محلّها، لكن لا أحد لديه العذر حقًّا ليتفاجأ بالمشاهد المروعة التي ظهرت في المنطقة الساحلية الغربية لسوريا في الأيام الأخيرة. يُعتقد الآن أن عدد القتلى المدنيين تجاوز 750 شخصاً، مع أكثر من ألف قتيل إجمالاً (مصادر علوية تُقدّر العدد أعلى بكثير). كما قُتل حوالي 125 عنصراً من قوات أمن نظام دمشق. تُظهر مقاطع فيديو، صوّر العديد منها الجناة، مدنيين يُعدَمون ميدانيًّا على يد مسلحين جهاديين؛ وإذلال رجال ونساء علويين سوريين؛ وهتافات “الله أكبر” التي لا مفر منها في المعارك الجهادية السنية.

تفاصيل الوضع مهمة (سنتناولها لاحقاً)، لكن بعض النقاط غير المحددة لا تقل أهمية. ما حدث للتو في غرب سوريا هو ما يحدث عندما يواجه المقاتلون الجهاديون السنة سكاناً مدنيين غير مسلمين مصنفين كأعداء. هذا ما فعله تنظيم الدولة الإسلامية بالسكان الإيزيديين في سهل نينوى في صيف عام 2014، وهو ما حدث لليهود الإسرائيليين قرب غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

إن كون الحكومات الغربية اختارت في الأشهر الأخيرة الاعتقاد بأن الحكام الإسلاميين الحاليين في دمشق موجودون بطريقة أو بأخرى، خارج الأنماط والممارسات المعروفة للمنظمات الجهادية السُنّية، لا ينبغي أن يحجب هذه الحقيقة البسيطة والرهيبة: قتل المدنيين عنصر متأصل في استراتيجية الحرب الجهادية السُنّية.

لقد أخبرني عدد من المصادر السورية في الأيام الأخيرة، أن النظام الإسلاموي الحالي في دمشق يكنّ كراهية خاصة للعلويين السوريين، الذين يشيرون إليهم عادة بالاسم المهين “النصيريين”.

في مقابلة عام 2015، قال الرئيس الفعلي الحالي لسوريا، أحمد الشرع، إنه للحصول على حماية النظام الإسلامي المستقبلي الذي يرغب هو ورفاقه في إقامته، لن يكفي العلويين السوريين التخلي عن دعمهم لآل الأسد، بل عليهم “تصحيح انحرافاتهم العقائدية واعتناق الإسلام”. بعد ذلك “سيصبحون إخواننا، وسنحميهم كما نحمي أنفسنا”. يجدر بنا أن نضع هذا التحذير المشؤوم في اعتبارنا عند النظر إلى أحداث الأيام الأخيرة.

العلويون طائفة انبثقت من المذهب الشيعي الاثني عشري في القرن التاسع، لكنها تبنت معتقداتٍ أدت إلى اعتبارها غير مسلمة في المذاهب السنية والشيعية السائدة. وقد خرج حافظ الأسد، والد بشار، وأقرب رفاقه من هذه الطائفة، ونتيجةً لذلك، سيطرت على سوريا طائفة علوية أساسية طوال نصف قرن من حكم الأسد.

لم يستفد أغلب العلويين من حكم آل الأسد إلا قليلاً. لكن سقوط الديكتاتور جعلهم في وضع هشّ للغاية. فعلى عكس الدروز والأكراد في سوريا، لا يمتلكون مؤسسات دفاعية. وعلى عكس مسيحيي البلاد، لا يحظون باهتمام ورعاية جهات في الغرب. خمسون عاماً من حكم الأسد كانت كافية لسلسلة طويلة من أعمال الإذلال والتجاهل الفردية ظلت راسخة في أذهان العديد من السنة السوريين كمبرر جيد للانتقام. كل هذا، إلى جانب الجهود الحثيثة التي بذلتها عناصر النظام السابق لحشد المقاومة ضد الحكومة الجديدة، أدى إلى أحداث الأيام الأخيرة.

فيما يتعلق بالتفاصيل، كان الوضع في غرب سوريا يتصاعد إلى هذه النقطة منذ فترة. وصفت لي “ت”، وهي امرأة سورية علوية تقيم الآن في أوربا وتنحدر من قرية في منطقة الغاب بمحافظة حماة، تصاعداً تدريجياً في التوترات بدأ فور سقوط نظام الأسد.

قالت لي: “موقف هذه الحكومة تجاه العلويين يتجاوز أيّ توجه سياسي. إنه موقف أيديولوجي متجذر في تفكيرهم”.

وتشرح “ت” أن الأسابيع التي سبقت الأحداث الأخيرة شهدت اعتقالات واسعة النطاق لأفراد من العلويين، فضلاً عن عمليات طرد من أماكن العمل، وأضافت: “لكن حتى ذلك الوقت لم يكن الأمر منهجيًّا”.

كانت شرارة المجزرة هجوم على قوات الأمن الموالية للنظام الجديد في منطقة جبلة بمحافظة اللاذقية في 6 مارس/ آذار قُتل على إثره ثلاثة عشر عنصراً. بعد ذلك، زحفت قوات ومسلحون موالون لدمشق على المنطقة الساحلية، وبدأت عمليات القتل. ويبدو أن ردّ الحكومة توزع على ثلاثة محاور: هجوم عنيف بالأسلحة الثقيلة على مناطق تُعدّ موالية لقوات المعارضة، وهجمات شنّها مسلحون جهاديون على أفراد اعتبروهم مرتبطين بقوات موالية للنظام السابق، وهجمات طائفية مباشرة على المدنيين العلويين، بمن فيهم النساء والأطفال.

في حين لم يتضح بعد المسؤول عن الحادثة التي وقعت في منطقة جبلة، يُرجّح أن تكون من تدبير عناصر موالية للنظام السابق. هناك أدلة قوية على تشكيل هيكل ناشئ يهدف إلى التمرد في غرب سوريا. وتؤكد أصوات مؤيدة للسلطات الحالية في دمشق أن هذا الهيكل يُدار من خارج سوريا، وتحديداً من قبل عناصر مرتبطة بإيران في العراق، ويرأسه العميد غيث دلة، وهو ضابط سابق في الفرقة الرابعة سيئة السمعة في نظام الأسد.

تبدو هذه الادعاءات معقولة. فقد تكبدت إيران خسائر فادحة جراء سقوط الأسد. ولا تزال طهران الأكثر مهارة في استخدام القوات العسكرية بالوكالة كأداة سياسية في الشرق الأوسط. وقد أعلنت جماعة تُطلق على نفسها اسم “جبهة المقاومة الإسلامية السورية”، وتصرح بولائها لإيران عن نفسها في وقت سابق من هذا الشهر. ولم يتضح بعد ما إذا كان لهذه الجماعة أيّ صلة بهجمات جبلة. وجود مثل هذه الجماعة لا يُفسر أو يُبرر بأيّ حال من الأحوال قتل المدنيين في الأيام الأخيرة. ولكن يجب أخذ ذلك في الاعتبار.

ما الذي يجب تعلّمه من كل هذا؟ أولاً، والأهم، أنه من الخطأ اعتبار هيئة تحرير الشام الحاكم الشرعي بلا منازع لسوريا، بل من الأفضل اعتبارها جماعة جهادية سنية تسيطر حالياً على دمشق، لكنها تواجه معارضة شرسة من جهات ومواقع مختلفة.

ثانياً، لم تتغير ممارسات المجموعة الحاكمة ومواقفها الواضحة تجاه غير السنة، بل لا تزال تُمثل الوسط الإسلاموي والجهادي الذي تنتمي إليه. وأخيراً، والأشد مأساوية بالنسبة لشعب سوريا بجميع طوائفه، أن الوضع السياسي والأمني في البلاد لم يُحسم بعد، ومن شبه المؤكد أن المزيد من الصراعات في الطريق.

 

الكاتب: جوناثان سباير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى