تقارير ودراسات

التهديدات بقتل الأمريكيين واليهود حرية تعبير محمية في تركيا اليوم

في بادرة أخرى مثيرة للقلق من السلطة القضائية المسيسة بشكل متزايد في تركيا – التي يهيمن عليها الإسلاميون والقوميون اليمينيون المتطرفون – ألغت محكمة الاستئناف العليا في البلاد إدانة رجل تعهد علناً بقتل اليهود والأمريكيين والأكراد.

في حكم صدر في 24 مارس/ آذار، ألغت محكمة الاستئناف العليا (يارغيتاي) حكماً صادراً عن محكمة أدنى درجة كان قد أدان متهماً بالتحريض على الكراهية والعداء بموجب المادة 216 من قانون العقوبات التركي. وزعمت المحكمة العليا أن تعليقات المتهم الإلكترونية لا تشكل “خطراً واضحاً وشيكاً” على السلامة العامة، وتعتبر أمثلة على حرية التعبير.

تعود القضية إلى 10 يوليو/ تموز 2010، عندما نشر المتهم، الذي لم يُكشف عن هويته في حكم المحكمة، تعليقاً مثيراً للجدل في مقال إخباري اتهم فيه أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية بتأجيج التوترات العرقية في تركيا. وقد عبر صراحة عن نوايا عنيفة تجاه الأكراد والأمريكيين واليهود.

“لقد بلغتُ الآن مستوى أمتلك فيه القدرة – سواء أكانوا يدعمون حزب العمال الكردستاني المحظور أم لا – على مهاجمة جميع الأكراد من حولي بدافع نفسي انتقامي”، كما كتب. “أنا متأكد من أن العديد من الأتراك سيشعرون بنفس الشعور قريباً… ستجعلوننا نذبح جميع الأكراد القاطنين في مناطق إسطنبول. لكن اعلموا هذا: بعد أن نذبحهم، سيأتي دور اليهود والأمريكيين”.

وزعم أيضاً أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والموساد يراقبان التعليقات المنشورة على المقالات الاخبارية على الإنترنت، واتهم الدولتين بدعم إرهاب حزب العمال الكردستاني في تركيا، وأصدر تحذيراً مرعباً: “لا تنسوا، هناك العديد من رجال الأعمال اليهود في تركيا. تصرفوا وفقاً لذلك”.

أدانت محكمة كوجالي الجنائية الابتدائية الرجل عام 2012، وحكمت عليه بالسجن خمسة أشهر بموجب المادة 216. إلا أن الحكم عُلّق بموجب اتفاقية مراقبة قضائية. أُعيد فتح القضية عام 2016، عندما ارتكب المتهم جريمة أخرى خلال فترة مراقبته، مما دفع المحكمة إلى إعادة الحكم الأصلي عام 2019.

بعد سنوات من الجدل القانوني بين المحاكم الابتدائية والاستئنافية، ألغت محكمة الاستئناف العليا في نهاية المطاف الإدانة لأسباب إجرائية وموضوعية. وجادلت بأن المحكمة الابتدائية لم تثبت أن التعليقات تشكل تهديداً مباشراً وملموساً للنظام العام.

“للإدانة بموجب المادة 216، يجب إثبات أن أقوال المتهم قد تسببت في خطر واضح ومباشر على السلامة العامة، استناداً إلى وقائع ملموسة، ولا يوجد دليل أو استنتاج من هذا القبيل في هذه القضية” وفقاً لقرار المحكمة.

من المثير للدهشة أنه على الرغم من تهديد المشتبه به الصريح بقتل الأكراد واليهود والأمريكيين، رأت المحكمة العليا أن الأدلة غير كافية للإدانة. كما أشارت المحكمة إلى خطأ كتابي في الحكم الأصلي – إذ أُدرج تاريخ خاطئ – كمبرر إضافي لرفض القضية.

إن هذا الحكم، الذي يشكل سابقة قانونية، يرسل رسالة مخيفة عبر القضاء التركي: خطابات الكراهية والتهديدات بالعنف ضد اليهود والأمريكيين تحظى بالحماية بموجب الحق في حرية التعبير في تركيا اليوم.

في الواقع، يتماشى الحكم مع المناخ السياسي الذي عززته حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان الإسلاموية، والتي استخدمت في كثير من الأحيان الخطاب المعادي لأمريكا وإسرائيل لتحفيز المشاعر القومية والدينية.

في خطوة غير مسبوقة في التاريخ التركي الحديث، وصف الرئيس التركي إسرائيل بأنها تهديد للأمن القومي، مدعياً أنها تسعى لضم أراض تركية – دون تقديم أي دليل يبرر هذا التهديد المزعوم أو أهداف الحكومة الإسرائيلية التوسعية. كما وصف أردوغان حركة حماس – المصنفة منظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي – بأنها مقاومة بطولية لا تقاتل من أجل فلسطين فحسب، بل من أجل الأراضي التركية أيضاً.

لم يكن قرار محكمة الاستئناف العليا مفاجئاً، نظراً لتصاعد موجة معاداة السامية في تركيا، والتي تشجعها علناً الدائرة المقربة من أردوغان وحلفاؤه السياسيون من اليمين المتطرف. يتمتع حزب الحركة القومية، أقرب حلفاء أردوغان، بنفوذ كبير على القضاء وأجهزة إنفاذ القانون والمخابرات. ويلجأ الحزب باستمرار إلى نظريات مؤامرة لا أساس لها من الصحة تتعلق باليهود، ويتهم الولايات المتحدة وإسرائيل بالتآمر ضد تركيا.

إن التناقض صارخ بين تساهل القضاء في هذه القضية ومعاملته القاسية لمنتقدي أردوغان. في حين تُبرَّر التهديدات بالعنف الجماعي بذريعة حرية التعبير، فإن المعارضة السلمية أو انتقاد الحكومة غالباً ما تفضي إلى عقوبات سريعة ومشددة. وقد أيدت المحاكم التركية أحكاماً بإدانة صحفيين وأكاديميين وشخصيات معارضة لمجرد التعبير عن آراء مخالفة، حتى في غياب أي تحريض على العنف.

بين عامي 2014 و2017، قامت حكومة أردوغان بالتخلص من أكثر من 4000 قاض ومدع عام – أي ما يقارب 30٪ من إجمالي الجهاز القضائي آنذاك – ما حول النظام القضائي فعلياُ إلى أداة سياسية. ومنذ ذلك الحين، عينت الحكومة حوالي 15000 قاض ومدع عام جديد، جميعهم تقريباُ من الصفوف الأيديولوجية لحزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة أردوغان وحليفه اليميني المتطرف، حزب الحركة القومية، في مسعى شامل لتكديس القضاء التركي.

ومنذ ذلك الحين، استهدف نظام العدالة بشكل منهجي معارضي الحكومة، بينما حمى الإسلاميين والقوميين المتطرفين من الملاحقة القضائية.

إن قرار المحكمة العليا بإلغاء إدانة بالتحريض على العنف الذي يصل إلى حد الإبادة الجماعية يؤكد التآكل الخطير لسيادة القانون في تركيا، حيث أصبحت حرية التعبير محجوزة بشكل متزايد لأولئك الذين يحرضون على الكراهية، وليس لمن يقولون الحقيقة للسلطة.

المصدر: نورديك مونيتور

https://nordicmonitor.com/2025/07/in-todays-turkey-threats-to-kill-americans-and-jews-deemed-protected-free-speech/

زر الذهاب إلى الأعلى