تقارير ودراسات

اغتيال غزة السياسي: تهوّر نتنياهو وتداعياته على دعم إسرائيل

يوم الأربعاء، أعلنت قوات الدفاع الإسرائيلية أنها ستستدعي ستين ألف جندي احتياطي في إطار خطة حكومية تهدف إلى السيطرة على مدينة غزة. وإذا نُفذت هذه الخطة، فستُمثل تصعيدًا كبيرًا في الصراع، يحمل في طياته تكاليف استراتيجية وسياسية قد تكون غير قابلة للتراجع على صعيد تحالفات إسرائيل وسمعتها الدولية.

هذه الخطة دفَع بها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مدعومًا بأكثر الحكومات يمينيةً في تاريخ إسرائيل، في الذكرى العشرين لقرار رئيس الوزراء الراحل أريئيل شارون بالانسحاب من غزة. ففي أغسطس 2005 قال شارون: «لا يمكن التمسك بغزة إلى الأبد. يعيش هناك أكثر من مليون فلسطيني، يزداد عددهم مع كل جيل. إنهم يقيمون في مخيمات مزدحمة، في فقر وبؤس، وفي بؤر متزايدة من الكراهية، دون أي أفق للأمل».

كانت كلمات شارون نبوئية. فخلال العقدين الماضيين تضاعف عدد سكان غزة، وبلغت مستويات الفقر حدًا كارثيًا حتى قبل الحرب الحالية. وجاءت سيطرة حركة حماس على القطاع في يونيو 2007 لتؤجج الكراهية تجاه إسرائيل، وبلغت ذروتها في 7 أكتوبر 2023 عندما قتلت الحركة 1200 إسرائيلي وأخذت 251 رهينة، يُعتقد أن عشرين منهم ما زالوا على قيد الحياة.

منذ ذلك التاريخ، شعر معظم الإسرائيليين أن حياتهم مجمّدة في الزمن، مكبّلة بحرب بلا هدف عسكري واقعي. الأغلبية الساحقة تريد إنهاء الحرب، لا الاستمرار فيها استنادًا إلى وهم “النصر الكامل”. وكما قال الجنرال المتقاعد عاموس يادلين، الرئيس الأسبق للاستخبارات العسكرية: «لم يكن النصر الكامل هدفًا واقعيًا قط، وهو ليس طريقًا إلى النجاح الاستراتيجي». وأضاف: «العقيدة الأمنية الإسرائيلية تفترض انتصارات سريعة تُترجم إلى مكاسب سياسية؛ أما حرب غزة فهي عكس ذلك».

إذا أقدم نتنياهو على تنفيذ خطته بالاستيلاء على مدينة غزة وربما التوسع لاحقًا، فقد يحقق مكسبًا سياسيًّا قصير الأمد. لكن الثمن سيكون فادحًا: خسائر إضافية في الأرواح بين الجنود وربما الرهائن، الغرق في مستنقع عسكري، واستنزاف متزايد للدعم الدولي، بما في ذلك في الولايات المتحدة.

تراجع الدعم الأمريكي

في الخامس من أغسطس، حذّر رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت من تدهور مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة، قائلاً إن إسرائيل تُنظر إليها بشكل متزايد كـ”دولة منبوذة”.

الدعم الأمريكي كان يتراجع منذ سنوات، لكن حرب غزة سرّعت هذا التدهور، خاصة في أوساط الشباب من مختلف الاتجاهات السياسية. ووفقًا لمركز بيو للأبحاث، فإن 53% من الأمريكيين لديهم رأي سلبي تجاه إسرائيل، بزيادة 11 نقطة مئوية منذ مارس 2022. بين الديمقراطيين، النسبة أعلى بكثير (69%) مقابل 37% فقط بين الجمهوريين. حتى بين الجمهوريين الشباب (18–49 عامًا)، وصلت السلبية إلى 50%، بزيادة 15 نقطة عن عام 2022.

كما أن بعض رموز حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” (MAGA) أبدوا تشككهم. فالنائبة مارجوري تايلور غرين وصفت حرب غزة بأنها “إبادة جماعية”، وبدأ الانقسام يظهر حتى بين المسيحيين الإنجيليين الذين لطالما عُدّوا قاعدة دعم ثابتة لإسرائيل، حيث تقلّ أولوية إسرائيل في نظر الأجيال الأصغر.

هذا الانخفاض في الدعم الجمهوري يتقاطع مع معارضة ديمقراطية قوية لزيادة المساعدات العسكرية لإسرائيل. ووفقًا لاستطلاع كوينيبياك، يرى 63% من الديمقراطيين أن الولايات المتحدة تدعم إسرائيل “أكثر مما ينبغي”، ويشاطرهم الرأي 47% من المستقلين.

خسائر في الشرعية الدولية

إذا بدا أن الدعم الأمريكي لا يزال قائمًا نسبيًّا، فإن الصورة العالمية أكثر قتامة. فبحسب مركز بيو، لا توجد أي دولة في الأمريكتين أو أوروبا أو آسيا لديها غالبية إيجابية تجاه إسرائيل، فيما تبقى مواقف الشعوب العربية شديدة السلبية.

الزخم نحو “التطبيع العربي” الذي كانت تقوده السعودية قد انعكس تمامًا. ففي المغرب، تراجعت نسبة المؤيدين للتطبيع من 31% عام 2021 إلى 13% فقط عام 2024. أما في الأردن، فالنسبة بالكاد تتجاوز 5%. وأي عملية عسكرية جديدة في غزة ستؤجل حتمًا أي أمل في إعادة فتح مسار التطبيع.

كما أن الاعتراف الدولي المتزايد بالدولة الفلسطينية – من بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا – يعكس عزلة إسرائيلية متصاعدة. هذه القرارات، رغم أنها رمزية أكثر منها عملية، تحمل رسالة واضحة: الحلفاء التقليديون باتوا يبتعدون عن القدس. ألمانيا أوقفت مبيعات السلاح، والسعودية وصفت نية السيطرة على غزة بأنها “تطهير عرقي”.

أسطورة “الدفاع الذاتي المطلق”

لطالما تمسكت إسرائيل بعقيدة “الاعتماد على الذات” في الدفاع. لكن الحقيقة أن أمنها كان دائمًا مدعومًا من حلفائها. ففي مواجهاتها مع إيران عامي 2024، شاركت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والأردن في حماية أجوائها. وفي حرب الأيام الاثني عشر، أنفقت واشنطن مئات الملايين من الدولارات لحماية إسرائيل، وأعادت توجيه حاملة الطائرات نيميتز، بل واستخدمت قاذفات استراتيجية لقصف مواقع إيرانية.

لكن إذا واصل نتنياهو الإصرار على أن إسرائيل “ستدافع عن نفسها وحدها”، فقد يجد مناخًا سياسيًّا في واشنطن، سواء لدى بعض الجمهوريين الشعبويين أو الديمقراطيين التقدميين، يقبل بفكرة تقليص أو حتى إنهاء الدعم الأمريكي. ذلك سيكون تحولًا جذريًا يهدد الأمن الإسرائيلي ويغير طبيعة التحالف الأمريكي الإسرائيلي.

ما الذي ينبغي فعله؟

للتصحيح، تحتاج إسرائيل إلى ثلاثة مسارات رئيسة:

  1. وقف التوسع العسكري: الامتناع عن الاستيلاء على مدينة غزة أو أي أراضٍ إضافية. فإذا نُفذت الخطة، يجب أن تُبادر أي حكومة لاحقة إلى الانسحاب سريعًا.
  2. استعادة الدعم الحزبي الأمريكي الثنائي: إعادة بناء الجسور مع الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، وعدم الارتهان لحزب واحد.
  3. إعادة بناء التحالفات بهدوء: التركيز على ما تقدمه إسرائيل للعالم في مجالات التكنولوجيا، الزراعة، المياه، والصحة، كمدخل لإحياء الشراكات الدولية.

خلاصة

إسرائيل عند مفترق طرق. إن المضي في عملية السيطرة على غزة سيزيد عزلة الدولة على المستويين السياسي والاقتصادي، مقابل مكاسب عسكرية تكتيكية محدودة وغير واقعية. وعلى المدى الطويل، فإن الإصرار على التفرّد سيجعل إسرائيل أقل أمنًا، لا أكثر.

نشر في Atlantic council

جوناثان بانيكوف بتاريخ 21 أغسطس 2025

 

المصدر:

https://www.atlanticcouncil.org/blogs/new-atlanticist/israels-gaza-city-operation-will-only-worsen-its-global-isolation/?utm_source=google&utm_medium=cpc&utm_term=&utm_campaign=23010665491&gad_source=1&gad_campaignid=23006670716&gbraid=0AAAAACZjuN7Xg2ojD7kIC5CjKhwQdl1rm

زر الذهاب إلى الأعلى