اغتيال تشارلي كيرك وأزمة العنف السياسي

حضر نحو ثلاثة آلاف شخص فعالية Turning Point USA التي تحدث فيها تشارلي كيرك يوم الأربعاء، في ساحة خضراء مفتوحة بجامعة يوتا فالي. إن ضخامة الحشد، في صباح يوم دراسي بضواحي بروفو، حتى لو حضر بعضهم بدافع الاحتجاج، تمثل دليلاً إضافيًّا على أن كيرك، عبر حملته الممتدة لسنوات لإلهام تحول يميني متشدد بين المراهقين والشباب في العشرينيات، قد نجح في بناء حركة جماهيرية ضخمة.
تخلل الحدث جزء للأسئلة والأجوبة؛ سأل أحد الحاضرين عن عدد الأمريكيين المتحوّلين جنسيًّا الذين نفّذوا عمليات إطلاق نار جماعي في العقد الأخير، فأجاب كيرك: «عدد كبير جدًّا»، ثم سأله شخص آخر: «هل تعرف عدد منفذي إطلاق النار الجماعي في أمريكا خلال السنوات العشر الماضية؟» فأجاب كيرك: «هل نحسب حوادث عنف العصابات أم لا؟»
بعد لحظات، ووفق مقاطع الفيديو، دوّى صوت طلقة واحدة، فاهتزّ جسد كيرك ثم انهار مترهلاً. التفتت رؤوس الحضور؛ بدا أن شخصاً ما أطلق النار من موقع مرتفع على بعد نحو 150 ياردة. سرعان ما أعلن متحدث باسم كيرك وفاته. كان عمره 31 عاماً، وترك وراءه زوجة وطفلين صغيرين. وقد أمر الرئيس ترامب، حليفه المقرب، بتنكيس الأعلام حتى مساء الأحد.
صدى سياسي ورهبة عامة
كان موت كيرك وحشيًّا ومأساويًّا، وأحدث التأثير الذي يسعى إليه الإرهابيون عادةً: نشر الذعر السياسي. ففي أعقاب جريمة قتل ذات صدى سياسي، تسود فترة من القلق العصبي، إذ يترقب الجمهور أخباراً عن هوية الجاني ودوافعه المحتملة، ويتهيأ لموجة من الاتهامات المتبادلة. غير أن هذه المعلومات غالباً ما تأتي ضبابية.
لدينا إدراك واضح نسبياً لدوافع بعض أعمال العنف السياسي السابقة، مثل دوافع لويجي مانيون (المتهم بقتل المدير التنفيذي لشركة UnitedHealthcare)، أو جيمس فيلدز (الذي دهس متظاهرين في شارلوتسفيل وقتل شابة). لكن محاولات فهم دوافع آخرين مثل توماس كروكس (الذي حاول اغتيال ترامب في بتلر، بنسلفانيا)، أو كودي بالمير (المتهم بمهاجمة مكتب الحاكم جوش شابيرو بزجاجة حارقة)، أو حتى فانس بولتر (ناشط مناهض للإجهاض يُزعم أنه قتل مشرعة من ولاية مينيسوتا وزوجها)، سرعان ما تتعثر في متاهة مرضهم العقلي الواضح أو تناقضاتهم الجوهرية.
كما أن روبن ويستمان، المتهمة بإطلاق النار على طفلين في كنيسة كاثوليكية بمينيابوليس الشهر الماضي، كتبت على أسلحتها شعارات مثل: «اقتل دونالد ترامب»، و«غازوا اليهود»، و«ستة ملايين لم تكن كافية»، وأعلنت تعاطفها مع منفذ مجزرة ساندي هوك. كانت دوافعها متنافرة وشخصية إلى حد يمنع نسبتها بسهولة إلى معسكر حزبي محدد.
العنف السياسي بوصفه عدوى
إذا كانت الدوافع ملتبسة، فإن أثر هذه الأعمال على الحياة السياسية أوضح. فور انتشار خبر مقتل كيرك، كتب تومي فيتور، المسؤول السابق في إدارة أوباما، على منصات التواصل: «العنف السياسي شرّ لا يمكن تبريره. إنه سرطان سيتغذى على نفسه وينتشر». وإذا كان العنف «معدياً»، فذلك لأنه يولد أنماطاً من الخوف والذعر مع كل حادثة جديدة.
شهدت الأعوام الأخيرة حوادث عديدة غذّت هذا الشعور: في 2022، توجّه رجل مسلح إلى منزل القاضي بريت كافانو؛ وفي العام ذاته اقتحم آخر منزل نانسي بيلوسي واعتدى على زوجها بمطرقة. كما ارتفعت تهديدات العنف ضد أعضاء الكونغرس بشكل ملحوظ. تقول السيناتور الجمهورية ليزا موركوفسكي: «أشعر غالباً بالقلق الشديد عند التعبير عن رأيي؛ لأن الانتقام أمر واقعي». أما النائب الديمقراطي غريغ لاندسمان، فاعترف للصحافة أنه أثناء كل حملة انتخابية تراوده صورة مقتله ممدداً على الأرض.
ردود الأفعال الرسمية
السياسيون يملكون خيار التحكم في كيفية استجابتهم. في خطابه من المكتب البيضاوي مساء الأربعاء، وجّه ترامب الاتهامات إلى «اليسار المتطرف»، قائلاً إنهم شبّهوا «أمريكيين رائعين مثل تشارلي كيرك بالنازيين وأسوأ مجرمي العالم»، متوعداً بملاحقة المنظمات التي «تموّل وتدعم» هذا العنف.
وعلى عكس باراك أوباما الذي غنّى Amazing Grace في جنازة ضحايا كنيسة تشارلستون عام 2015، لم يُقدّم ترامب أي إشارة إلى وحدة وطنية، بل حصر خطاب التعاطف في أنصاره. المثير أن ترامب نفسه، في بداية الأسبوع، روّج لحملة مداهمات جديدة في شيكاغو عبر منشور يستعير مشهداً من فيلم Apocalypse Now مع العبارة: «أحب رائحة الترحيل في الصباح». بدا أن هذا الخطاب العدواني، مقروناً بجريمة اغتيال كيرك، يحوّل «حرب الثقافة» إلى واقع دموي آني.
عنف متجذر وخوف متفشٍ
المشاهد المصورة لاغتيال كيرك كانت مرعبة: رأسه يتدلى، والدم يتدفق من عنقه. في مؤتمر صحفي لاحق، قال رئيس شرطة الجامعة-الذي لم يكن لديه سوى ستة ضباط لحماية ثلاثة آلاف شخص-: «حاولنا تغطية كل الاحتمالات، لكننا لم ننجح اليوم». من الصعب إلقاء اللوم عليه؛ إذ إن وفرة السلاح وسهولة الحصول عليه جعلت حماية الأرواح مهمة شبه مستحيلة.
لقد غدا تهديد العنف السياسي متأصلاً إلى درجة جعلت شعور انعدام الثقة والخطر، الذي ارتبط بحركة ترامب، ينتشر على نطاق أوسع في البلاد. ففي يوتا، عندما سقط كيرك، ارتمى المئات على الأرض في دوائر متتالية، مشهدٌ جسّد حرفيًّا عدوى الخوف وهي تتمدد بين الناس.
