العلاقة الخاصة بين تركيا وتنظيم الدولة الإسلامية

في 29 يونيو/ حزيران 2014، ظهر أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، في تسجيل مصور وهو يلقي كلمة في جامع النوري بالموصل، العراق. وأعلن نفسه خليفة أو حاكماً مطلقاً ملهماً من الله للدولة الإسلامية.
انبثق تنظيم داعش من رماد تنظيم القاعدة في العراق، جامعاً جهاديين سوريين أطلق سراحهم نظام الأسد، وأعضاء سابقين في جيش صدام حسين في العراق، ومقاتلين من العشائر السنية من أنحاء ريف العراق. في سوريا، انضم داعش إلى جماعات جهادية أخرى في قتال الأسد. مع تزايد انتصاراته الميدانية، انفصل داعش عن القاعدة معلناً قيام دولة إسلامية في شرق سوريا وشمال العراق، عاصمتها الرقة في سوريا.
بالنسبة إلى إدارة أوباما، كان التحدي الرئيسي واضحاً: إضعاف داعش والقضاء على التهديد الإرهابي الذي يشكله. أما بالنسبة إلى أنقرة، فقد ظل العدو بشار الأسد. اعتبر أردوغان نظام الأسد – وليس داعش – التهديد الأكبر للاستقرار الإقليمي، ما أدى إلى موقف تركيا المتساهل تجاه الجهاديين.
رأى أردوغان أن داعش قد يكون متطرفاً، لكنه أداة فعالة لإسقاط نظام الأسد. وتم التقليل من خطر رد فعله العنيف.
كانت تركيا قد أقامت علاقات وثيقة مع فرع تنظيم القاعدة في سوريا، جبهة النصرة. سمحت تركيا لمقاتلي النصرة بشن هجمات من الأراضي التركية، بما في ذلك من محافظة هاتاي، في ربيع عام 2014. اعترفت النصرة لاحقاً بأن تركيا قد أسدت لها “معروفاً كبيراً”. وعلى عكس الجيش السوري الحر، الذي دعمته أنقرة في وقت ما، لكنه سرعان ما انهار بسبب الفساد والصراعات الداخلية، كانت النصرة فعالة، وقادرة على الاستيلاء على الأراضي، بما في ذلك أجزاء من حلب.
بحلول منتصف عام 2014، أصبحت تركيا مركز تجنيد ونقطة عبور لداعش. تشير التقديرات إلى أن ما بين 600 و1000 مواطن تركي قد انضموا إلى الخلافة. وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن داعش عرض على المجندين الأتراك 150 دولاراً أمريكيًّا يوميًّا للقتال. كما أفادت مجلتا نيوزويك وحرييت بحملات تجنيد لداعش في الأحياء الحضرية المحافظة في تركيا. في عام 2013، قُدر عدد المقاتلين الأجانب الذين انضموا إلى الخلافة عبر تركيا إلى سوريا بنحو 30 ألف مقاتل، حتى أن بريت ماكغورك، المبعوث الأمريكي الخاص للتحالف الدولي لهزيمة داعش، زعم أن تركيا آوت الخليفة أبو بكر البغدادي.
في يناير/ كانون الثاني 2014، شبه الرئيس أوباما تنظيم داعش بفريق كرة سلة جامعي. لكن تركيا كانت تعدّ داعش أداة مفيدة محتملة. عندما حاصر داعش مدينة كوباني الحدودية ذات الأغلبية الكردية في سبتمبر/ أيلول 2014، وقف الجيش التركي متفرجاً. فقط عندما هدد عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون (الذي كان آنذاك في مفاوضات سلام مع أنقرة)، بوقف المحادثات، سمحت تركيا على مضض لحفنة من المقاتلين الأكراد بالعبور إلى سوريا والمساعدة على الدفاع عن المدينة.
كان لتورط تركيا مع داعش دوافع اقتصادية أيضاً. فبعد سيطرته على حقول النفط السورية، باع داعش النفط المهرب لمشترين أتراك. نقل وسطاء النفط الخام عبر الحدود، بينما غضت السلطات التركية الطرف عنهم. وفقاً للتقديرات، باع داعش نفطاً بقيمة تتراوح ما بين مليون ومليوني دولار يوميًّا لمهربين أتراك، مع أنه هرب أيضاً كميات أقل إلى إيران عبر شمال العراق.
أشار حسين علاوي، من معهد الطاقة العراقي، إلى أن داعش يهرب “حوالي 210 شاحنات صهريج نفط إلى تركيا وأماكن أخرى يوميًّا”. وأكد النائب التركي علي أديب أوغلو (من حزب الشعب الجمهوري المعارض) في يونيو/ حزيران 2014: “إن النفط الذي استولى عليه تنظيم داعش من المناطق التي احتلها هذا العام، والذي تبلغ قيمته 800 مليون دولار، يباع في تركيا… إنهم ينقلون النفط إلى تركيا ويحولونه إلى نقد”.
كان هناك أيضاً احتكاكات عرضية بين تركيا وداعش. في يونيو/ حزيران 2014، اقتحم داعش القنصلية التركية في الموصل، واحتجز 49 مواطناً تركيًّا رهائن. في حين زعمت وكالة الاستخبارات التركية أنها أنقذت الرهائن في عملية سرية، كشفت تقارير لاحقة عن صفقة تبادل أسرى، حيث تم تبادل 180 جهاديًّا بالرهائن. بعد الصفقة، صرح نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي، بن رودس، بأن إدارة أوباما تأمل “أن تلعب تركيا دوراً فاعلاً مع تحالفنا لمحاربة داعش”، لكن هذا الأمل لم يتحقق قط.
في الواقع، ذكرت مجلة نيوزويك أن مقاتلي داعش أقروا بـ “تعاونهم الكامل مع الأتراك”. امتد هذا التعاون ليشمل نقل الأسلحة. في يناير/ كانون الثاني 2014، أوقفت قوات الدرك التركية ثلاث شاحنات في ولاية أضنة تحمل صواريخ وذخائر ومتفجرات متجهة إلى سوريا. أما الطرف الآخر من الحدود، فكان تحت سيطرة داعش وجماعة أحرار الشام المتشددة.
أصرت الحكومة التركية على أن الشاحنات تابعة لجهاز المخابرات التركي وأنها كانت تحمل “مساعدات إنسانية” إلى التركمان في سوريا. لكن وثائق رسمية أظهرت خلاف ذلك. أكد أردوغان لاحقاً دور جهاز المخابرات التركي، لكنه لم يشر إلى محتويات الشاحنات. طُرد المدعون العامون ورجال الدرك الذين فتشوا الشاحنات، وحوكموا بتهمة كشف أسرار الدولة، وسُجنوا بتهم الإرهاب.
في النهاية، انكشفت مغامرة تركيا. لم يقتصر دور داعش على الحرب الأهلية السورية، بل تحول إلى تهديد إقليمي وعالمي. وهكذا، دُفنت تحت أنقاض الرقة أي مكاسب تكتيكية كانت تركيا تأمل في تحقيقها من خلال السماح بتدفق المقاتلين والأسلحة والأموال إلى داعش.
الكاتب: سنان سيدي
