المنعطف الخاطئ المميت في سوريا

إن محاولات أحمد الشرع للانفراد بالسلطة وتجاهل الأقليات في سوريا تؤدي إلى زعزعة استقرار البلاد.
يبدو أن سوريا التي مزقتها الحرب على وشك التفكك مجدداً. فالفصائل المتمردة المختلفة، التي لا يجمعها سوى كراهيتها للرئيس المخلوع بشار الأسد، تنظر الآن إلى بعضها البعض ليس كحلفاء، بل من خلال منظار البندقية.
كان لدى الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، طموحات لتوحيد بلاده عندما سيطر على العاصمة دمشق في ديسمبر/ كانون الأول 2024، إلا أنه سلك طريقاً خاطئاً بمحاباته وتركيزه السلطة في يده. وعلى الرغم من جهوده، تستهدف الجماعات المسلحة بعضها البعض – والمدنيين أيضاً – انتقاماً للاختلافات الدينية والعرقية. يعمل الشرع على توحيد هذه الجماعات في جيش واحد، لكن المحادثات مع أحد أكبر الفصائل، قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقيادة الأكراد، قد انهارت.
تسيطر قوات سوريا الديمقراطية على 30% من الأراضي السورية، وخاصة في الشمال الشرقي. دمشق بحاجة ماسة إلى هذه المنطقة من سوريا. فهي تضم حقول نفط رئيسية، وسجوناً ومعسكرات تحتجز آلاف مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وعائلاتهم، الذين لا يرغب أحد في إطلاق سراحهم.
أدى اتفاق بوساطة أمريكية في 10 مارس/ آذار بين حكومة الشرع والأكراد إلى تبادل أسرى وانسحاب بعض القوات، إلا أن أي تكامل أكبر قد فشل. في 9 أغسطس/ آب، أُلغي مؤتمر باريس الذي كان من المفترض أن يعيد الأمور إلى نصابها. لكن حكومة الشرع هي التي لم تفِ بالتزاماتها. فمنذ مارس/ آذار، عزز الشرع سيطرته على جميع أركان الحكم من خلال دستور مؤقت دون استشارة الأكراد أو تلبية مطالبهم بإقرار حقوقهم الثقافية وتمكينهم من المشاركة السياسية.
كما فشل الشرع في معالجة المخاوف الأمنية الجوهرية للأكراد، بما في ذلك التهديد من تركيا ومن داخل صفوف الجيش السوري الرسمي. تعتبر تركيا وحدات حماية الشعب، المكون الرئيسي لقوات سوريا الديمقراطية، امتداداً لحزب العمال الكردستاني (بي كي كي). تعدّ تركيا حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية، وتقول إنها لن تتسامح مع وجوده على طول حدودها.
في الداخل السوري، يخشى الأكراد جيش الشرع، الذي تورطت عناصره في مجازر بحق المدنيين، بمن فيهم أفراد من الأقليات كالعلويين والدروز. وكما صرح المسؤول الكردي مراد قريلان، فإن “أسلحة قوات سوريا الديمقراطية ضمانة لسلامة المجتمعات المحلية في سوريا، ومنع تكرار ما حدث في الساحل والسويداء”.
يطالب الأكراد الآن بـ”سلطة إدارية وأمنية في شمال شرق سوريا وسيطرة محلية كاملة على هذه المناطق”. علاوة على ذلك، تسعى قوات سوريا الديمقراطية إلى الحفاظ على هيكلها العسكري واستقلاليتها، حتى مع دمج مقاتليها البالغ عددهم 100 ألف مقاتل في القوات المسلحة السورية الجديدة. تريد العمل تحت مسماها القديم ـ قوات سوريا الديمقراطية، والبقاء في المناطق التي تسيطر عليها بالفعل في شمال شرقي سوريا.
رفض الشرع جميع هذه المطالب، مؤكداً أن شمال شرق سوريا يجب أن يكون تحت سيطرة الحكومة المركزية، وأصر على اندماج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش كأفراد، وليس ككتلة عسكرية منفصلة. في المقابل، سمح للميليشيات السنية بالانضمام إلى الجيش ككتلات، بل وصل الأمر إلى السماح للحزب الإسلامي التركستاني، التابع لتنظيم القاعدة، وهو فصيل مسلح من الأويغور، بالاندماج في الجيش ككتلة واحدة.
سيكون من الصعب على الشرع، الذي لا يزال وضعه غير مستقر، السماح للأكراد بالاندماج ككتلة واحدة في الجيش. فهو لا يريد قوة مسلحة كبيرة ومستقلة في سوريا. بالإضافة إلى ذلك، مهما كانت الصفقة التي يعرضها على الأكراد، فقد يضطر إلى عرضها أيضاً على العلويين والدروز وغيرهم من الأقليات. علاوة على ذلك، كلما زادت تنازلاته، ازداد ضعفه.
يعزز إحجام الشرع عن إبرام صفقة مع الأكراد موقف تركيا، التي تتمتع بنفوذ كبير في دمشق وتحتفظ بوكلاء لها داخل الجيش السوري. يضغط الأتراك على الشرع لعدم تقديم تنازلات للأكراد.
وفقاً لثلاثة مسؤولين إقليميين، ألغت دمشق محادثات باريس بعد وقت قصير من زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. أوضح المسؤولون أن أنقرة “مستاءة من استبعادها من المحادثات” وتخشى فقدان نفوذها إذا تفاوض الأكراد والحكومة السورية بشكل مستقل في باريس.
دمشق والأكراد على مسار تصادمي إذا استمرت تركيا في الضغط على الشرع. لطالما صورت أنقرة قوات سوريا الديمقراطية كتهديد لوحدة سوريا، وحذرت مراراً من أنها ستتدخل عسكرياً إذا “اتخذت [أية] جماعة خطوات تهدف إلى تقسيم سوريا”.
لحسن الحظ، لم تنخرط الحكومة السورية ولا الأكراد في عمل عسكري منسق حتى الآن. ومع ذلك، أفادت قوات سوريا الديمقراطية بوقوع بعض الاشتباكات بين القوات الحكومية وميليشياتها ما بين 2 و4 أغسطس/ آب، مما أسفر عن سقوط عدد من الضحايا.
تشكل تهديدات تركيا بالتدخل في سوريا تحدياً خطيراً لوحدة الدولة السورية الهشة. ينبغي على واشنطن ثني تركيا عن استخدام الخطاب التصعيدي ومنع الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية من التفاوض.
ينبغي على أمريكا أيضاً الضغط على تركيا لوقف مساعيها لإعادة إشعال الصراع مع قوات سوريا الديمقراطية، الأمر الذي لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار وعدم الاستقرار في سوريا. كما يجب على واشنطن تبني نهج متوازن، وحث دمشق على إعادة النظر في توجهها السياسي، والاعتراف بالمخاوف الكردية بشأن مركزية السلطة في ظل حكم الشرع.
الكاتب: أحمد شعراوي
https://nationalinterest.org/blog/middle-east-watch/syrias-deadly-wrong-turn
