من مرشد روحي إلى فاعل سياسي: من هو الشيخ حكمت الهجري؟

بينما تعاني محافظة السويداء، جنوب سوريا، من اضطرابات وأزمات، يبرز اسم واحد بشكل كبير في عناوين الأخبار: الشيخ حكمت الهجري. بعد أن اقتصر دوره كمرجع روحي للدروز في سوريا، تحول الهجري، على مدى العقد الماضي، إلى أحد أكثر الفاعلين السياسيين إثارة للجدل في المشهد السياسي السوري بعد الأسد.
إن صعوده يرمز إلى تحول أوسع نطاقاً في سوريا، حيث أعاد الزعماء المحليون والطائفيون ـ الذين غالباً ما تم تهميشهم أو استقطابهم في ظل الاستبداد البعثي ـ تأكيد أنفسهم وسط انهيار الدولة وإعادة بناء السلطة المتنازع عليها.
ميراث معقد
ورث الهجري لقب شيخ العقل، أو الزعيم الديني الأكبر للدروز، في ظروف استثنائية عقب وفاة أخيه في حادث سيارة. على الرغم من أنه اعتُبر في البداية وريثاً متردداً، يشير مقربون منه إلى كان لديه منذ فترة طويلة طموحات لإحياء نفوذ هذا المنصب ـ الذي كان في يوم من الأيام منصباً مرموقاً يتمتع بنفوذ روحي وسياسي ـ إلى ما هو أبعد من المكانة الاحتفالية التي تهاوى إليها في ظل الحكم البعثي.
عزز نسبه هذا الطموح. فهو ينحدر من سلالة مرموقة من القادة الدينيين الدروز. أصبح جده، الشيخ إبراهيم الهجري، شخصية شبه أسطورية بين الدروز لقيادته المقاومة ضد الحاكم المصري إبراهيم باشا في القرن التاسع عشر. لاحقاً، برز الشيخ أحمد الهجري، الذي توفي عام 1953، كشخصية وطنية وازنة خلال الانتداب الفرنسي وبدايات الاستقلال، حيث استضاف في منزله قادةً وطنيين سوريين.
مع ذلك، بحلول الوقت الذي تولى فيه الشيخ حكمت منصبه، كانت الدولة السورية في عهد حافظ ثم بشار الأسد قد قلصت بشكل كبير استقلالية الزعامات الدينية والقبلية التقليدية. وكان من المتوقع أن يلتزم رجال الدين – بمن فيهم رجال الدين الدروز – بدور مشايخ السلطان (رجال دين النظام)، وغالباً ما كانوا يحصلون على سيارات حكومية ورواتب مقابل ولائهم السياسي.
انصاع الهجري في البداية لهذا القالب، ولكن، بحسب المقربين منه، فعل ذلك على مضض، مخفياً رغبة قديمة في التخلص من هذه التبعية واستعادة الأهمية السابقة التي كانت للمنصب.
من رمز إلى انفصالي؟
أتاحت ثورة عام 2011، وخاصة الاضطرابات في السويداء، فرصة للهجري. بحلول السنوات الأخيرة من حكم بشار الأسد، انضم الهجري إلى حركات المعارضة الشعبية في المحافظة، ولا سيما احتجاجات ساحة الكرامة، حيث اكتسب أتباعاً كشخصية روحية تدعو إلى المقاومة المدنية.
بعد سقوط الأسد أواخر عام 2024، أصبح منزل هجري مزاراً سياسياً يستقبل الوفود من جميع أنحاء سوريا. بدأ البعض يشبهونه بالسلطان الأطرش، الزعيم الدرزي الأسطوري لثورة 1925 السورية ضد الفرنسيين. لكن ما بدا وكأنه استعادة لصورة البطل القومي سرعان ما انحرف في اتجاه مختلف تماماً.
يجادل النقاد بأن لهجة الهجري السياسية المتزايدة – الداعية إلى دستور جديد، وديمقراطية علمانية، وحوار شامل – بدأت تبدو أقرب إلى مساومات طائفية منها إلى مطالب مدنية، وبأنه، بحديثه نيابة عن “الدروز” ككتلة واحدة، وضع طائفته، دون قصد، في مواجهة مباشرة مع الأغلبية السنية. وأصبح يُنظر إلى مطالبه، وإن كانت مبررة في بعض الأحيان، من منظور طائفي بدلاً من كونها مبادئ عامة.
الأسوأ من ذلك، كما يقول منتقدوه، هو تحوله من مرشد روحي إلى لاعب إقليمي. بدأ الهجري بالتواصل مع قوى أجنبية والحديث عن الدروز كقوة إقليمية متميزة. وحافظت دائرته على اتصالات غير رسمية مع جهات أمريكية ـ على ما يبدو من خلال قريبه خلدون الهجري المقيم في الولايات المتحدة – بالإضافة إلى اتصالات مع القيادة الدرزية في إسرائيل.
ظِل الشيخ موفق طريف
من أكثر جوانب دور الهجري إثارة للجدل علاقته بالشيخ موفق طريف، الزعيم الروحي للدروز في إسرائيل. على الرغم من أنهما لم يقرا علناً بوجود أي تواصل بينهما، يصف العديد من النشطاء في السويداء علاقتهما بأنها “سر مكشوف”. وقد ألمح الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط إلى ذلك في مقابلة حديثة، مشيراً إلى أن الهجري “متأثر” بطريف على المستوى الشخصي، وهو تصريح اعتبره الكثيرون شكلاً من أشكال “التهوين الدبلوماسي”.
يقال إن أعضاء الدائرة المقربة من الهجري يلتمسون “نصائح” طريف بشأن المواقف السياسية، خاصة فيما يتعلق بالجهات الفاعلة الدولية. ويتكهن محللون بأن طريف شجع الهجري على استغلال الضغط الإسرائيلي والأمريكي والأوروبي على دمشق لتحقيق مكاسب محلية للسويداء، وهي فكرة يراها كثيرون متهورة ومزعزعة للاستقرار، ويحذرون من أن مثل هذه المناورات قد تزيد من تمزيق النسيج الاجتماعي الهش في سوريا.
في الواقع، اتُهمت الحكومة السورية باللعب على كلا الجانبين في هذه الديناميكية: غضت الطرف عن الرسائل الإسرائيلية الموجهة للدروز في البداية، ثم استخدمتها لاحقاً لحشد الرأي العام ضد الهجري وتبرير عملياتها العسكرية. في الوقت نفسه، أفادت التقارير بأن الفصائل الموالية للحكومة شنت هجمات طائفية في مناطق درزية قرب دمشق، ما أعطى مصداقية لشكوك الهجري وعزز قاعدته.
مع ذلك، يعتقد البعض أن الأمور قد تتغير. يبدو أن كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل قد نأتا بنفسيهما عن خطاب الهجري المتصاعد في الأسابيع الأخيرة. ويقال إن الشيخ طريف تراجع هو الآخر عن دعم رجل الدين السوري. تثير هذه التطورات سؤالاً جوهرياً: على أي أساس واصل الهجري تصعيد مواجهته مع الحكومة السورية الجديدة؟
ماذا بعد؟
مع سيطرة وزارة الداخلية السورية على السويداء بعد الغارات الإسرائيلية الأخيرة وانتشار قوات الأمن الداخلي، يبقى مستقبل الهجري على المحك. تشير بعض المصادر إلى أن صفقة سرية – ربما بوساطة وليد جنبلاط – قيد الإعداد، وإن كانت تفاصيلها لا تزال غامضة.
يقف الشيخ حكمت الهجري الآن عند مفترق طرق: كان في السابق زعيماً روحياً، ثم رمزاً وطنياً للمقاومة المدنية، والآن شخصية استقطابية ربما تجاوزت طموحاته السياسية ولايته وعصره. سواء تذكره التاريخ كصاحب رؤية أم انتهازي مثير للانقسام، فإن ذلك سيعتمد على ما ستؤول إليه الأيام القادمة وعلى مدى استعداد سوريا للمضي قدماً في المصالحة بين هوياتها المشتتة.
المصدر:
