لماذا تتودّد قطر إلى نظام الملالي في إيران؟

خلال جولته في الشرق الأوسط، قال الرئيس دونالد ترامب إن طهران يجب أن “تقول شكرًا كبيرة” لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي حثه شخصيًّا على عدم مهاجمة إيران.
لماذا تدعم قطر الجمهورية الإسلامية بهذا القدر، في حين أن معظم جيرانها العرب يحذرون من طهران، إن لم يكونوا معادين لها تماماً، خاصة في ظل تدخلها المستمر في شؤون العالم العربي؟ إلى جانب الأيديولوجية والجيوسياسية الإقليمية، لدى قطر حافز اقتصادي قوي: الحفاظ على علاقات متينة مع النظام الديني الذي يسيطر على جارتها الشمالية الشاسعة والمضطربة.
في عالم الأعمال، قد يكون وجود منافس متهور نعمة خفية أحياناً، ولكن ماذا يحدث عندما يسيء جارك إدارة حصته من مورد مشترك ويكسب أقل بكثير مما تكسبه؟ هذا هو بالضبط وضع قطر في حقل بارس الجنوبي، أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم، حيث تخلفت إيران كثيراً عن الركب بسبب سوء الإدارة المزمن والعقوبات الدولية. حقل بارس الجنوبي الإيراني وحقل القبة الشمالية القطري حقل واحد جيولوجياً تفصل بينهما حدود سياسية، مع مناطق يسمى كل منها بأسماء مختلفة في الدوحة وطهران.
استغلت قطر هذا الفارق لرفع قيمة صندوق ثروتها السيادية – الممول بالكامل تقريباً من صادرات النفط والغاز – إلى 524 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2025. وتأتي نسبة 75% من هذه الإيرادات من حقل غاز “القبة الشمالية”.
أنتجت قطر حتى الآن من حصتها في الحقل ما يزيد بمرتين ونصف عن إنتاج إيران من الغاز الطبيعي والمكثفات (نوع من النفط الخفيف جدًّا). ونتيجة لذلك، أصبحت ثاني أكبر مصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم، وأكبر مصدّر للهيليوم، واستخرجت نفطاً يفوق ما استخرجته إيران بعدة أضعاف.
وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، يقدر احتياطي الحقل بنحو 1800 تريليون قدم مكعب (حوالي 51 تريليون متر مكعب) من الغاز الطبيعي، ونحو 50 مليار برميل من المكثفات. تشكل هذه الاحتياطات حوالي 19% من موارد الغاز القابلة للاستخراج في العالم، مما يجعله أكبر تراكم للهيدروكربونات التقليدية في العالم.
في حين يستمر انخفاض إنتاج إيران بسبب نقص الاستثمار والعقوبات والأعطال الفنية، حافظت قطر على مستويات إنتاج عالية من خلال شراكاتها مع شركات غربية. فقد قامت بتركيب منصات ضخمة بوزن 20 ألف طن – أثقل بـ 15 مرة من منصات إيران – وزودتها بضواغط ضخمة. كما وقعت عقوداً جديدة بقيمة 29 مليار دولار مع شركات دولية لزيادة الإنتاج بنسبة 60% خلال العامين المقبلين.
في المقابل، أكد الرئيس التنفيذي لشركة بارس للنفط والغاز الإيرانية، تورج دهقاني، في 18 مايو/ أيار أن العديد من الكتل على الجانب الإيراني تفقد الضغط وتحتاج بشكل عاجل إلى أنظمة ضغط.
لا تمتلك سوى شركات غربية قليلة التكنولوجيا اللازمة لبناء ضواغط ومنصات ضخمة كهذه. ومع ذلك، منحت طهران عقداً بقيمة 17 مليار دولار لثلاث شركات مرتبطة بالحرس الثوري لبناء منصات بوزن 4000 طن مزودة بضواغط قياسية. وهناك شكوك واسعة النطاق حول قدرة هذه الشركات على تصنيع مثل هذه المعدات، ناهيك عن تركيبها.
صرح مهندس إيراني المولد، يعمل في الجانب القطري، لمنتدى الشرق الأوسط – شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر – بأن كل منشأة تتطلب، بالإضافة إلى الضواغط، وحدات فصل مكثفات ومولدات طاقة لا تتسع لها منصة حمولتها 4000 طن. وأشار إلى أن إيران لا تملك خبرة في بناء منصات حمولتها تزيد عن 2000 طن، مما يلقي بظلال من الشك على الخطة الطموحة لوزارة النفط.
المخاطر كبيرة. يمثل حقل بارس الجنوبي 75% من إنتاج الغاز الطبيعي في إيران. ومن دون مرافق ضغط، سيفقد الحقل عشرة مليارات متر مكعب من الإنتاج سنوياً؛ أي ما يقارب 5% من إجمالي الإنتاج، وفقاً لوزارة النفط.
في حين تستعد قطر لاستعادة عرشها كأكبر مصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم، سعياً لتجاوز الولايات المتحدة في السنوات القادمة، تعاني إيران بالفعل من نقص مستمر في الغاز على مدار العام. وقد حذر مركز أبحاث البرلمان من أن الحكومة قد لا تتمكن خلال عقد من الزمن من تلبية سوى ثلث الطلب المحلي على الغاز.
تمتد خسائر إيران إلى النفط أيضاً. فقد بدأت استخراج النفط الخام من الطبقة النفطية بالحقل عام 2007 – بعد عقدين من قطر – ولا تنتج اليوم سوى 2000 برميل يومياً، أي ما يعادل 0٫6٪ من إنتاج قطر من الطبقة نفسها. تعاقدت إيران في البداية مع شركات محلية للوصول إلى 35 ألف برميل يومياً، وحققت لفترة وجيزة 20 ألف برميل يومياً، ولكن مع عدم وجود خطط للتطوير، انهار الإنتاج.
في غضون ذلك، تسيطر قطر على 35% من سوق الهيليوم العالمي، وتستخرجه بالكامل من حقل بارس الجنوبي. وعلى الرغم من مشاركة إيران في نفس المورد، لم تقم بتركيب المعدات اللازمة لاستخراج هذا الغاز عالي القيمة. وتخطط قطر الآن لرفع حصتها العالمية من الهيليوم إلى 46% بحلول عام 2029.
وهنا مفارقة مذهلة: إذ تظهر بيانات الجمارك أن إيران استوردت ما قيمته خمسة ملايين دولار من الهيليوم العام الماضي ـ بعضه من قطر ـ لتلبية احتياجاتها المحلية.
على الرغم من الادعاءات العلنية بوجود علاقات سياسية قوية، لم تسمح قطر حتى بفتح مكتب تجاري مشترك مع إيران. ويبلغ إجمالي صادرات إيران إلى قطر 120 مليون دولار فقط. والأسوأ من ذلك، وفقاً لرئيس غرفة التجارة الإيرانية القطرية، أن مدفوعات البضائع الإيرانية يجب أن تمر أولاً عبر الإمارات العربية المتحدة، ثم تُحوَّل إلى عملات رقمية، مما يكلف المصدّرين حوالي 20% من قيمتها.
الحقيقة المزعجة للدوحة هي أنه إذا استُبدل النظام الديني في إيران بحكومة كفوءة وعلمانية ـ قادرة على زيادة إنتاج الغاز من حقل بارس الجنوبي ـ فستخسر قطر حتماً. فالدولة الإيرانية ذات الروابط القوية مع الغرب والقدرة على تطوير حصتها في الحقل بكفاءة، لن تحتاج بعد الآن إلى قطر كحليف، وقد تشكل تحدياً خطيراً لهيمنة الدوحة.
الكاتب: دالغا خاتين أوغلو، ماردو سوغوم
https://www.meforum.org/mef-observer/why-qatar-cozies-up-to-irans-clerical-regime
