تراجع النفوذ الإيراني في سوريا: هل هي انتكاسة مؤقتة؟

منذ سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول، انهار النفوذ الإيراني في سوريا.
انسحبت القوات المتحالفة مع الحرس الثوري الإيراني إلى حد كبير، وحذر الزعيم الفعلي الحالي أحمد الشرع من أن إدارته لن تسمح لإيران بإعادة ترسيخ موطئ قدمها في البلاد.
رحبت الولايات المتحدة، عن حق، بهذه التطورات، لكن لا ينبغي لها أن تتجاهل احتمال عودة النفوذ الإيراني. إن عدم الاستقرار المستمر يتيح لطهران العديد من الفرص لاستعادة مواقعها على الأرض في سوريا.
تصعيد التمرد
هي الفرصة الأولى لإعادة مشاركة إيران في ديناميكيات الأمن الداخلي في سوريا.
بعد سقوط نظام الأسد، خشي أعضاء طائفته العلوية أن تستهدفهم الإدارة الجديدة دون تمييز ردًّا على حكمه القمعي. وقد اشتد هذا الخوف مع تحول الهجمات المنعزلة التي يشنّها مسلحون محليون ضد العلويين إلى استهداف ممنهج من قبل قوات أمن النظام الجديد. وعلى الرغم من أن العديد من أعيان العلويين لا يزالون واثقين من التزام الحكومة بمكافحة هذه التهديدات، فإن آخرين بدأوا يقاومون.
عسكريًّا، اشتبكت عدة خلايا معارضة للحكومة مع قوات الأمن، مما أسفر عن مقتل وأسر العشرات. سياسيًّا، هدد ممثلو العلويين بطلب تدخل خارجي أو حتى الضغط من أجل انفصال المناطق ذات الأغلبية العلوية.
وعلى الرغم من أن التقارير الإعلامية عن تعرض الشيعة لهجمات أقل انتشاراً، فقد وقعت أيضاً. في 11 يناير/ كانون الثاني، على سبيل المثال، حاول مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) تفجير مقام السيدة زينب، وهو مزار شيعي رئيس في دمشق. ومن المرجح أن يؤدي تصاعد هذه الهجمات إلى تأجيج المشاعر المناهضة للحكومة.
ويمكن لإيران أن تستغل هذه الأحداث لإعادة تأكيد حضورها بطريقتين رئيستين.
أولاً، قد تزود إيران المتمردين المحليين الذين يشتبكون مع قوات الأمن بالأسلحة. إذا رسخت هذه المجموعات المتمردة وجودها، فقد ترى إيران أن الوضع الاستراتيجي أصبح مناسباً لإعادة إدخال الميليشيات الشيعية إلى البلاد. وهذا أمر محتمل، وقد سبق لمعلّقين موالين للنظام أن أشاروا إلى أن الهجمات على الشيعة أو الأماكن المقدسة تمثل “فرصة” لإعادة التدخل الإيراني.
ثانياً، أدى تزايد نشاط المتمردين إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار. وقد استأنفت إيران، البارعة في استغلال الفوضى، عملياتها لتهريب الأسلحة إلى حزب الله اللبناني عبر سوريا. وفي حين نجحت السلطات في اعتراض محاولتين من هذا القبيل، فإن تصاعد نشاط المتمردين من شأنه أن يستنزف مواردها ويقوض جهودها لمكافحة التهريب.
مستقبل قوات سوريا الديمقراطية
منذ سقوط الأسد، اشتدت الاشتباكات بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة من الولايات المتحدة والجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا في الشمال.
وبما أن قوات سوريا الديمقراطية تشكل عنصراً أساسياً في جهود مكافحة تنظيم داعش، فقد حذر مسؤولون أمريكيون من أن هذا التصعيد قد يسهل عودة ظهور التنظيم المتطرف.
في غضون ذلك، وبينما تظلّ المفاوضات بشأن دمج الأراضي التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في الحكومة السورية الجديدة غير حاسمة، انخرطت قوات سوريا الديمقراطية في اشتباكات أصغر نطاقاً مع النظام في دمشق.
إذا فشلت هذه المفاوضات، فقد تتصاعد الأعمال العدائية مع سعي كلا الجانبين إلى تعزيز نفوذهما. إن تجدد تهديد داعش وتركيز الحكومة على قتال قوات سوريا الديمقراطية سيزيدان من الضغط على قوات الأمن، مما يقلل من قدرتها على مواجهة النشاط الإيراني ويسمح لطهران بإعادة بناء خطوط إمدادها تدريجيًّا إلى حزب الله.
التهديدات الاقتصادية
على الرغم من أن التهديدات الأمنية توفر لإيران الطريق الأكثر ترجيحاً للعودة، فإن الولايات المتحدة ينبغي لها أن تظل يقظة بشأن سبل أخرى أيضاً، وأبرزها النفوذ الاقتصادي.
ادعى عدد من المسؤولين الإيرانيين أن على الإدارة السورية الجديدة سداد الديون التي قدمتها إيران لنظام الأسد، والتي تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 30 مليار دولار بحسب بعض التقارير.
رفضت الحكومة السورية هذه الادعاءات، معتبرة أن الديون المستخدمة لقمع الشعب السوري مشينة وغير شرعية. ومع ذلك، جرت العادة على تحميل الحكومات اللاحقة مسؤولية ديون الأنظمة الاستبدادية السابقة، وهو ما يعني أن مطالبات إيران قد يكون لها ثقلها.
اللعبة الطويلة في سوريا
من المرجح ألا يرقى دور إيران في سوريا إلى مستوى نفوذها في ظل نظام الأسد. ومع ذلك، فإن الادعاءات بنهاية مشروعها الذي استمر لعقود مبالغ فيها.
تملك إيران حضوراً راسخاً في مؤسسات سوريا، ولديها فهم عميق لمشهدها السياسي والعسكري. وبينما قد يتبنى القادة الإيرانيون نهجاً براغماتياً تجاه النظام الجديد، فإن أفعالهم وخطاباتهم لا تشير إلى أي تحول عن تفضيلهم القديم للتدخل العسكري.
في حين تعمل الإدارة الأمريكية الجديدة على صياغة استراتيجيتها لمواجهة الطموحات النووية الإيرانية، فإنه لا ينبغي لها تجاهل الدور الذي تلعبه سوريا في تشكيل مخرجات أي نهج سياسي تجاه إيران.
الكاتب: خالد معلوف
نشر هذا المقال في 4 مارس / آذار 2025
https://thedefensepost.com/2025/03/04/iran-retreat-syria/
