داخل حوزة قم: القوة السياسية والروحية في إيران

تقع حوزة قم العلمية التي يعود تاريخها إلى قرن من الزمان في قلب ثاني أقدس مدينة في إيران، وهي المؤسسة الدينية الشيعية الأكثر نفوذاً في البلاد وربما في العالم.
بصفتها القوة الأكاديمية والروحية للمذهب الشيعي، تلعب حوزة قم العلمية دوراً محوريًّا في تشكيل النخبة الدينية الإيرانية، وبالتالي قطاع كبير من البنية الثيوقراطية للبلاد، إلا أن وراء هذه الواجهة الدينية شبكة واسعة وغامضة من النفوذ السياسي والتشابكات المالية والسيطرة الحكومية.
تتكون حوزة قم العلمية من حوالي 60 مدرسة، تم إنشاؤها وتشغيلها إما من قبل رجال دين شيعة رفيعي المستوى – يشار إليهم كمصادر للتقليد – أو من قبل مؤسسات تابعة للدولة.
يدرس عشرات الآلاف من الطلاب في مدارس حوزة قم العلمية المختلفة، بما في ذلك آلاف الأجانب من مختلف أنحاء العالم الشيعي ـ مثل لبنان والعراق وأفغانستان ونيجيريا وحتى الصين ـ الذين جذبتهم المكانة الدينية العالمية التي تتمتع بها قم.
وينحدر العديد من المسؤولين والسياسيين الأكثر نفوذاً في البلاد، والذين يمتلكون مؤهلات دينية قوية، من الحوزة العلمية في قم.
جذور في التقاليد والسلطة
بالإضافة إلى قم، توجد مئات المدارس الحوزوية الشيعية في طهران ومشهد وأصفهان ومدن أخرى في إيران. تعمل كل هذه المؤسسات ضمن إطار يتشكل ويتأثر بشكل متزايد بالدولة.
وفي قلب هذا الإطار، يقع المجلس الأعلى للحوزات العلمية، وهو هيئة رسمية لصنع السياسات مسؤولة عن الإشراف على المناهج الدراسية، وتحديد المعايير التعليمية، وإدارة وتسيير الحوزات العلمية.
ومما يعزز من سلطة هذا المجلس أن أعضاءه يتم تعيينهم من قبل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وكبار رجال الدين الذين يتوافقون مع مصالحه الدينية والسياسية.
الواجبات المقدسة والتمويل الحكومي
لعدة قرون، كانت الحوزات العلمية تعمل بشكل مستقل، ويتم تمويلها في المقام الأول من خلال الرسوم الدينية التي تسمى “الخمس” أو مدفوعات الصدقات، والزكاة، والتي يدفعها المؤمنون إلى مصدر التقليد الذي يختارونه، وإيرادات الأوقاف الخيرية التابعة لها.
أتاحت هذه الأموال إدارة هذه الحوزات، ودفع رواتبها، وتوفير السكن لطلابها. وقد عزز هذا تقليداً دينيًّا لا مركزيًّا، حيث استطاع العلماء المستقلون النجاح دون تدخل الدولة.
لكن منذ الثورة الإسلامية عام 1979، عززت الحكومة سيطرتها على إدارة الحوزات العلمية، وأدمجتها في الإطار الأوسع للحكم والدين الذي ترعاه الدولة.
التمويل الحكومي للحوزات العلمية واسع النطاق، ولكنه مجزأ. فبدلاً من توجيه الأموال من خلال مؤسسة واحدة، تخصص الدولة الأموال لمجموعة من الكيانات.
تشمل هذه الكيانات المركز الإداري للحوزات العلمية، وهيئة الدعوة الإسلامية، والعديد من الجهات المخصصة لدعم الطلاب وأعضاء هيئة التدريس. ويحصل طلاب الحوزة العلمية الآن بانتظام على رواتب ممولة من الدولة، وتأمين صحي، ومزايا رعاية اجتماعية أخرى.
سيطرة خامنئي على الحوزات العلمية
يقدم مكتب المرشد الأعلى علي خامنئي دعماً ماليًّا إضافيًّا لبعض الحوزات المختارة في جميع أنحاء البلاد. ونادراً ما تُنشر تفاصيل هذه المساهمات، بما في ذلك المبالغ وعدد المستفيدين منها، مما يزيد من غياب الشفافية المالية للحوزات بشكل عام.
يتجاوز نفوذ خامنئي على حوزة قم والحوزات العلمية الأخرى التمويل والتعيينات؛ إذ يستخدم مكتبه أيضاً المراقبة الاستخباراتية والرصد الأيديولوجي والسيطرة المؤسسية الاستراتيجية للحفاظ على هيمنته على المجال الديني.
تأهيل النخبة الدينية
أن تصبح فقيهاً شيعيًّا مؤهّلاً بالكامل أو مجتهداً – شخصاً قادراً على تفسير الشريعة الإسلامية بشكل مستقل – فذلك يتطلب عادة ما لا يقل عن عقدين من الدراسة المكثفة في مجالات مثل الفقه والفلسفة والمنطق واللغة العربية.
ولكي يتم الاعتراف به رسميًّا كفقيه، يحتاج المرشح إلى موافقة سلطة دينية بارزة، غالباً ما تكون مصدراً للتقليد أو فقيه كبير آخر.
وبمجرد الاعتراف بالفقيه، يمكنه إصدار آرائه القانونية الخاصة أو الفتاوى، وقد يتم الاعتراف به في بعض الحالات من قبل أقرانه وأتباعه كمصدر للتقليد.
ومن المتوقع من عامة الشيعة أن يتبعوا الأحكام الدينية لمصدر التقليد أو الفقيه، مما يجعل من رجال الدين هؤلاء شخصيات مؤثرة للغاية في المجالين الديني والسياسي في المجتمعات ذات الأغلبية الشيعية، وخاصة في إيران.
النساء في الحوزات العلمية
في حين لا تزال قيادة الحوزات العلمية حكراً على الرجال، يدرس حالياً أكثر من 3000 طالبة في اثنتي عشرة مدرسة مستقلة [خاصة بالنساء] في حوزة قم وحدها. ويتركز برنامجهن التعليمي بشكل أساسي على تثقيفهن في المبادئ الدينية، وخاصة تلك المتعلقة بقضايا المرأة والحياة الأسرية والأخلاق الإسلامية.
في حالات نادرة، سُمح للنساء بحضور محاضرات متقدمة تُخصص في العادة للطلاب الذكور، ومع ذلك، لم يحصل على لقب فقيه إلا عدد قليل منهن.
الكاتب: مريم سينائي
https://www.iranintl.com/en/202505070842
