تقارير ودراسات

هل يمكن نزع سلاح الفلسطينيين في لبنان؟

يقيم مئات الآلاف من الفلسطينيين في لبنان، وتتراوح تقديرات عددهم ما بين 200 ألف وأكثر من 400 ألف. بسبب الظروف السياسية واستمرار وضعهم كلاجئين، لا يحصل الفلسطينيون في لبنان على الجنسية. تتركز الغالبية العظمى منهم في 12 مخيماً للاجئين في أنحاء لبنان، يشكل معظمها مراكز لنشاط المنظمات الفلسطينية المسلحة.

تعمل في لبنان سبع منظمات فلسطينية رئيسة، أكبرها حركة فتح (التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية – السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس – أبو مازن)، وحماس، والجهاد الإسلامي الفلسطيني، بالإضافة إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة (المنشقة عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، وفتح الانتفاضة، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.

علاوة على ذلك، تعمل العديد من الجماعات السلفية المتطرفة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، مثل عصبة الأنصار، وجند الشام، وعصبة النور، وأنصار الله، وكتائب عبد الله عزام، وعصبة الإسلام.

تمتلك جميع هذه الجماعات أسلحة خفيفة ومتوسطة من أنواع مختلفة، بما في ذلك ترسانة من الصواريخ والقذائف المضادة للدبابات وما شابهها. إضافة إلى ذلك، تمتلك حماس بنية تحتية منظمة ومستقلة لتصنيع الأسلحة في لبنان، تشمل القدرة على إنتاج الصواريخ والطائرات المسيرة، وحتى الغواصات المتفجرة الصغيرة.

والمخيمات الرئيسة والمعروفة للاجئين الفلسطينيين في لبنان هي الرشيدية وبرج الشمالي والبص في صور؛ وعين الحلوة والمية ومية في صيدا؛ وشاتيلا (الذي يأوي حالياً العديد من اللاجئين السوريين أيضاً) وبرج البراجنة في بيروت؛ والبداوي ونهر البارد في طرابلس؛ ومخيم الجليل للاجئين في البقاع – بعلبك.

لحركة فتح، التي تعدّ أكبر منظمة فلسطينية في لبنان، حضور بارز في مخيمات اللاجئين في صور، في حين يتركز حضور حماس في مخيم عين الحلوة في صيدا.

لا تدخل قوات الأمن اللبنانية فعلياً إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين التي أصبحت على مر السنين مناطق فلسطينية داخل الأراضي اللبنانية. تقيم قوات الأمن اللبنانية نقاط تفتيش خارج المخيمات، على مداخلها الرئيسة. في الواقع، لا سيادة للدولة اللبنانية داخل مخيمات اللاجئين.

خلال الحرب الأخيرة، وبالتنسيق مع حزب الله، انطلق عناصر من حماس والجهاد الإسلامي من مخيمات اللاجئين في جنوب لبنان لشن هجمات ضد إسرائيل شملت محاولات تسلل وإطلاق صواريخ. وحتى خلال وقف إطلاق النار، الذي بدأ في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، استمرت العمليات ضد إسرائيل. وكان آخر إطلاق صاروخي من حماس باتجاه إسرائيل في مارس/ آذار 2025.

خلال لقائهما في أبريل/ نيسان 2025، على هامش القمة العربية في المملكة العربية السعودية، ناقش الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) مسألة نزع سلاح الفصائل الفلسطينية في لبنان. أعرب أبو مازن عن دعمه لهذه العملية، مؤكداً التزام السلطة الفلسطينية بمساعدة لبنان على استعادة الأمن والاستقرار.

في 16 مايو / أيار 2025، قام أبو مازن بأول زيارة رسمية له إلى لبنان منذ سنوات، والتقى مجدداً بالرئيس عون، وكذلك برئيس الوزراء نواف سلام، الذي صرح بأن “السلاح الفلسطيني في لبنان لا معنى له اليوم”. وركزت الاجتماعات بشكل أساسي على القضايا الأمنية المتعلقة بالأسلحة غير القانونية في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وحقوق الفلسطينيين في لبنان، والحاجة إلى تحسين العلاقات بين السلطة الفلسطينية والحكومة اللبنانية.

عقب اجتماعاته، أعلن أبو مازن أن “زمن السلاح في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان قد ولى. آن الأوان أن تسري السيادة اللبنانية على جميع أراضي الدولة، بما فيها المخيمات الفلسطينية”. وأكد أن منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية لا تدعمان حيازة أسلحة غير شرعية على الأراضي اللبنانية، وأن جميع الأسلحة يجب أن تكون في أيدي مؤسسات الدولة وحدها.

في أعقاب الزيارة، شُكلت لجنة تنسيق لبنانية فلسطينية مشتركة بهدف التعاون لضبط الأسلحة في مخيمات اللاجئين ووضع آلية لجمعها وتسليمها للدولة اللبنانية. يضم الجانب اللبناني في اللجنة ممثلين عن وزارة الداخلية، والمديرية العامة للأمن العام، ومخابرات الجيش. أما الجانب الفلسطيني، فيضم ممثلين رفيعي المستوى عن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية برئاسة عزام الأحمد. كما يشارك في المناقشات رئيس جهاز المخابرات العامة الفلسطينية، ماجد فرج، ونائبه، وسفير فلسطين في لبنان، أشرف دبور. ومن الأهداف الرئيسية للممثلين الفلسطينيين تقريب وجهات النظر داخل حركة فتح حول هذه القضية، والتوصل إلى تفاهمات مع الفصائل الفلسطينية الأخرى.

وفقاً لمنشورات مختلفة، حددت اللجنة جدولاً زمنياً لبدء عملية جمع الأسلحة في عدة مخيمات فلسطينية. ومن المقرر أن تُنفذ هذه العملية على مرحلتين:

المرحلة الأولى ـ 16 يونيو / حزيران 2025:

ـ مخيم شاتيلا ـ بيروت

ـ مخيم برج البراجنة ـ بيروت

ـ مخيم مار الياس ـ بيروت

المرحلة الثانية ـ 1 يوليو / تموز 2025:

ـ مخيم الجليل ـ بعلبك

ـ مخيم الرشيدية ـ صور

ـ مخيم البداوي ـ طرابلس

ـ مخيم برج الشمالي ـ صور

ـ مخيم البص ـ صور

تتضمن الخطة قيام أطراف فلسطينية محلية بجمع الأسلحة داخل المخيمات، بالتنسيق مع الجيش اللبناني، مع توفير ضمانات أمنية. ومن لا يتعاون مع القرار قد يواجه إلغاء إقامته في لبنان، بل وحتى الترحيل من البلاد.

في هذه المرحلة، لم يُذكر مخيم عين الحلوة (معقل حماس والحركات السلفية) أو مخيم نهر البارد (الذي تضرر بشدة عام 2007 خلال المعارك بين المنظمات الفلسطينية والجيش اللبناني). يُعرف هذان المخيمان بكونهما بؤراً للتطرف الجهادي. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت عملية نزع السلاح ستشملهما في المستقبل.

تجدر الإشارة إلى أنه في 24 أبريل/ نيسان 2025، بدأت في مخيم البداوي بطرابلس عملية تحضيرية لحملة جمع ونزع السلاح. في إطار هذه العملية، أغلق الجيش اللبناني جميع الطرق الفرعية المؤدية إلى المخيم، وأصبح الدخول والخروج عبر البوابة الرئيسة فقط. وجاء ذلك لتسهيل الرقابة الأمنية وتهيئة الأرضية لجمع السلاح. وقد حظيت هذه العملية بدعم حركة فتح التي تسيطر على معظم المخيم، وتُعتبر خطوة أولى نحو نزع سلاح المخيمات الأخرى في لبنان.

لكن اعتباراً من 3 يونيو / حزيران 2025، يبدو أن هناك بعض الصعوبات في تنفيذ آلية جمع السلاح نظراً لطلب الممثلين الفلسطينيين في اللجنة مزيداً من الوقت لاستكمال تشكيلها.

بعد كل التصريحات الفلسطينية حول التنفيذ السريع لمبادرة جمع السلاح ونزعه، تُظهر العملية الآن بوادر تأخير، أو حتى توقفاً تاماً. وحتى لو استمرت، فهل ستسلم المنظمات الفلسطينية في لبنان سلاحها حقاً؟

في 7 أبريل/ نيسان، انطلقت مسيرة في مدينة صيدا تضامناً مع سكان قطاع غزة. ضمت المسيرة قيادات دينية ونشطاء وممثلين عن حركتي الجهاد الإسلامي وحماس وحزب الله. ومن بين الرسائل التي رفعها المتظاهرون الدعوة إلى رفض مطالب نزع سلاح فصائل المقاومة في لبنان.

وحتى هذه اللحظة، ليس من الواضح ما إذا كانت عملية جمع / ونزع سلاح الفلسطينيين في مخيمات اللاجئين في لبنان ستبدأ في الموعد المقرر (16 يونيو / حزيران)، وربما لن تبدأ على الإطلاق، خاصة وأن حماس تعارض الاتفاق والعملية [من حيث المبدأ] ولا تنوي تسليم سلاحها، بالإضافة إلى المنظمات السلفية بأيديولوجيتها المتطرفة المعارضة للحكومة المركزية، والتي بدورها لن تتخلى عن سلاحها.

زر الذهاب إلى الأعلى