هل يحشد النظام الإيراني قواه في العراق؟
الحرس الثوري الإيراني يقاتل خلف الكواليس لتعزيز سيطرته على العراق

على مدى عقود من الزمن، اعتمدت العقيدة العسكرية للنظام الإيراني على ثلاث ركائز: رعاية الميليشيات بالوكالة عبر “محور المقاومة”، وتطوير الأسلحة النووية، وتحسين الصواريخ الباليستية. وقد أدى ردّ إسرائيل في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 إلى تعطيل هذه الاستراتيجية.
ومع إعادة طهران ضبط سياساتها، أصبح العراق أكثر مركزية في حساباتها الاستراتيجية؛ فبعد ساعات فقط من فرار الرئيس السوري السابق بشار الأسد إلى موسكو، قال السيد هاشم الحيدري، الأمين العام لحركة عهد الله المدعومة من الحرس الثوري الإيراني: “بعد سوريا، ستكون الحرب الرئيسة في العراق”. ويدعو الحيدري، وهو حليف وثيق لآية الله علي خامنئي، إلى تعزيز الميليشيات التي درّبها الحرس الثوري في العراق، والتي اكتسب العديد منها الشرعية بانضمامها إلى قوات الحشد الشعبي التي تم تشكيلها لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، ثم شرعت في التسلل إلى المؤسسات العراقية، وإضعاف الجيش الوطني، وترهيب المعارضين لأهداف الحرس الثوري.
وتدرك الحكومة العراقية أن ميليشيات مثل فيلق بدر، وعصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله، التي تتلقى توجيهاتها من قوى خارجية، تشكل مشكلة. وتقول بغداد إنها تسعى إلى تفكيك هذه الجماعات ودمجها في الجيش العراقي، لكن الجمهورية الإسلامية تواصل التأكيد على استقلالية الميليشيات الشيعية.
وهنا، تعمل السياسة العراقية الداخلية على إضعاف قدرة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني على التصرف حتى لو كان مخلصاً. فقد أدى تورط السوداني في فضيحة التنصت على المعارضين وأسرهم إلى مطالبات باستقالته، حتى من داخل ائتلافه الحاكم. ومن المرجح أن يكون بقاؤه [إلى الآن] راجعاً إلى حسابات النظام الإيراني الذي يرى أن وجود رئيس وزراء ضعيف يعتمد على طهران من أجل بقائه السياسي سيكون أفضل من إجراء انتخابات مبكرة. وقد تبرر الواقعية أيضاً قرار خامنئي التمسك بالسوداني: يقول العراقيون إن رئيسيْ الوزراء السابقين المواليين لإيران نوري المالكي وعادل عبد المهدي في حالة صحية سيئة للغاية. ويقال إن زعيم فيلق بدر هادي العامري في حالة صحية سيئة أيضاً. ولا يزال زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي يمثل قوة وازنة، لكن الإيرانيين يدركون أن الخزعلي وشقيقه أصبحا مهتمين بشكل متزايد بإمبراطوريتهما التجارية في العراق أكثر من تنفيذ الأوامر العسكرية للنظام الإيراني. وفي الوقت نفسه، انقلب مقتدى الصدر على إيران، حتى وإن كان لأسباب تكتيكية أكثر منها أيديولوجية.
في اجتماع عقد في طهران في الثامن من يناير/ كانون الثاني 2025، حث خامنئي السوداني على تعزيز قوات الحشد الشعبي باعتبارها عنصراً حاسماً من عناصر القوة في العراق. ولردع الحكومة العراقية عن تفكيك هذه الجماعات، قد يستغل النظام الإيراني إمدادات الكهرباء والغاز التي يوفرها للعراق. فوفقاً لوزارة الكهرباء العراقية، خفضت إيران وارداتها من الغاز إلى العراق، مشيرة إلى نقص الغاز المحلي لديها. وإذا لم يمتثل السوداني لأوامر الجمهورية الإسلامية، فقد تستغل طهران الكهرباء والغاز بشكل أكبر لإحداث اضطرابات في البلاد.
في حين يقاتل الحرس الثوري الإيراني خلف الكواليس لتعزيز سيطرته على العراق، فإنه لم يستسلم بعد في سوريا. وفي تكرار لنجاحه في محاربة الولايات المتحدة بالوكالة في العراق وأفغانستان، سيسعى الحرس الثوري إلى إعاقة الحكومة السورية الجديدة. وقد ألمح خامنئي بالفعل إلى هذا قائلاً: “سوف ينهض الشباب المتحمس في سوريا، وبالمثابرة وحتى بالتضحية بالأرواح، سيتغلبون على هذا الوضع، تماماً كما تمكن الشباب المتحمس في العراق، بعد احتلاله من قبل أمريكا، بمساعدة وتنظيم وقيادة شهيدنا العزيز [قاسم سليماني]، من طرد العدو من منازلهم وشوارعهم”.
إن خامنئي قد ينجح إذا انسحبت الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون. ولمنع طهران من زعزعة استقرار سوريا ودول المنطقة ومواصلة تقويض “محور المقاومة”، يتعين على الغرب أن يركز على الحد من قبضة النظام الإيراني على الدولة العراقية. كما يتعين على القوى الغربية أن تطالب العراق بفرض ضوابط أكثر صرامة على الشحنات والأفراد الإيرانيين للحد من جهود الحرس الثوري لتسليح وكلائه العراقيين أو استخدام العراق كجسر بري إلى سوريا. ويتعين على العراقيين أن يستلهموا من لبنان، حيث أوقفت قوات الأمن والجمارك اللبنانية مؤخراً وفد خامنئي وفتشوه للمرة الأولى.
إن الضربات الجوية الموجهة يمكن أن تؤدي أيضاً إلى تآكل قدرات ومعنويات الميليشيات المدعومة من إيران في العراق، كما ستساعد جهود الحكومة العراقية لنزع سلاح هذه الميليشيات وتسريحها. في الواقع، إن مثل هذا التعاون المزدوج من شأنه أن يقدم خياراً واضحاً: ترك السلاح أو الموت بطائرات من دون طيار. وعلى الرغم من فشل المحاولات السابقة، فإن ضعف النظام الإيراني حالياً من المرجح أن ينسحب على وكلائه أيضاً.
إن التراجع الآن سيكون بمثابة احتواء 90% من الحريق ثم العودة إلى الوضع السابق والسماح للحريق بالانتشار مرة أخرى خارج نطاق السيطرة.
الكاتب: سعيد جولكار، كسرى اعرابي
