ماذا يعني الاتفاق بين هيئة تحرير الشام والأكراد السوريين؟

أعلنت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة السورية المؤقتة عن اتفاق رئيس في 10 مارس/ آذار 2025، مما يمهد الطريق لدمج القوة التي يقودها الأكراد في الجيش السوري.
وقّع الرئيس المؤقت أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي الاتفاق في دمشق. وأفادت التقارير أن مروحية أمريكية نقلت عبدي من الجيب الكردي في شمال شرق سوريا إلى العاصمة السورية.
يأتي هذا الاتفاق في لحظة حاسمة لكلا الجانبين. يسعى الشرع إلى تعزيز شرعيته المحلية والدولية. في الوقت نفسه، يسعى عبدي إلى تجريد هيئة تحرير الشام المدعومة من تركيا من أيّ مبرر لشنّ هجوم على المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية في سوريا؛ إذ لا تفرق تركيا بين قوات سوريا الديمقراطية، المتحالفة مع الولايات المتحدة، وحزب العمال الكردستاني.
يتساءل الأكراد السوريون الآن عما إذا كان هذا الاتفاق في صالحهم ويلبّي طموحهم إلى الحكم الذاتي السياسي. والجواب؟ الأمر مُعقّد.
تشير وثيقة الاتفاق إلى ضمان الحقوق الكردية في سوريا، وهو اعتراف نادر من الزعيم الأعلى لدولة حرمت الشعب الكردي تاريخيًّا من حقوقه الأساسية. كما تنص على أن سوريا الجديدة ستضمن حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية. وقد كانت هذه مطالب رئيسة للحركة الكردية في سوريا منذ تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني السوري عام 1957. وبهذا المعنى، حقق عبدي ما ناضل الأكراد من أجله طويلاً.
ومع ذلك، لا يُشير الاتفاق إلى اللامركزية، ولا إلى الشكل المستقبلي للحكومة السورية. لطالما كانت اللامركزية حجر الزاوية في المشروع السياسي الذي تبناه الأكراد الذين تمتعوا بالحكم الذاتي داخل سوريا لأكثر من عقد، وتستند إدارتهم الذاتية في شمال وشرق سوريا إلى هذا المبدأ، مروجة للفيدرالية كحل للصراع السوري. حتى خصومهم السياسيون في المجلس الوطني الكردي يتبنون رؤية سياسية تتماشى مع هذا الإطار، إلا أن حكومة الشرع تعارض اللامركزية بشكل كامل. ويبدو أن هذا الإغفال لأيّ ذكر للامركزية يُمثل تنازلاً كبيراً من قوات سوريا الديمقراطية للحكومة الجديدة في دمشق، وهو ما لن يلقى استحساناً لدى الأكراد السوريين.
إن بند دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا في إدارة الدولة غامض. وكانت هذه نقطة خلاف رئيسة بين الجانبين منذ بدء محادثاتهما بعد وقت قصير من سقوط الرئيس السوري بشار الأسد في ديسمبر / كانون الأول 2024. قوات سوريا الديمقراطية مستعدة للاندماج في القيادة السورية، ولكنها تريد ضمان استقلالها الهيكلي. تعارض وزارة الدفاع التابعة للشرع هذا وتطالب مقاتلي “قسد” بالانضمام إلى الجيش كأفراد. كما تطالب تركيا بحل التنظيم. إن حقيقة أن الاتفاق لا يحدد آلية دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري تشير إلى أن القضية لم تُحل بعد. ونظراً لقواتها شديدة الانضباط والمدربة والمجهزة من قبل الولايات المتحدة، فمن غير المرجح أن تتخلى “قسد” عن تماسكها الهيكلي، على الأقل في المستقبل المنظور.
يجد الأكراد السوريون وقوات سوريا الديمقراطية أنفسهم في وضع حرج. فهم يدركون سعي تركيا للقضاء على أي حكومة أو وحدات عسكرية كردية. ويأمل عبدي أن يخفف الاتفاق مع دمشق من مخاوف أنقرة ويتيح للأكراد السوريين بعض الوقت. كما يدركون أن الرئيس دونالد ترامب سيسحب على الأرجح القوات الأمريكية من سوريا. وصرح مسؤول في قوات سوريا الديمقراطية لشبكة سكاي نيوز عربية بأن مسؤولين أمريكيين ساعدوا في التوسط في اجتماع “قسد” ودمشق. وإذا صح هذا، فربما تكون إدارة ترامب قد قدمت للأكراد السوريين، على طريقة فيلم العراب، “عرضاً لا يمكنهم رفضه”.
يشير الاتفاق بإيجاز إلى نقل مسؤولية أمن الحدود في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية إلى السلطات المركزية. ومع ذلك، ينبغي للولايات المتحدة أن تشعر بقلق خاص إزاء أي بنود تتعلق بنقل السجون التي تضم معتقلي داعش إلى سيطرة الحكومة المركزية في ظل التساؤلات الواضحة حول تسامحها مع التطرف السني.
يشير منتقدو الاتفاق إلى تفكك سيطرة الشرع في الأيام الأخيرة، حيث ارتكب الموالون لهيئة تحرير الشام والعصابات المسلحة التابعة لها مجازر ضد المدنيين العلويين والمسيحيين في المحافظات الساحلية السورية. ومع ذلك، ربما دفع هذا العنف الطائفي قادة قوات سوريا الديمقراطية إلى الاعتقاد بأن الاتفاق مع دمشق يمكن أن يحمي أرواح الأكراد في المستقبل، وخاصة إذا تدهورت الديناميكيات العسكرية للأكراد السوريين على خلفية الغارات الجوية والهجمات التركية. ومع ذلك، احتفل مؤيدو الشرع بالاتفاق بأنه انتصار للحكام الجدد في دمشق، في وقت حمّل الكثيرون في المجتمع الدولي هيئة تحرير الشام مسؤولية العنف في غرب سوريا. في الواقع، تواجه قوات سوريا الديمقراطية – التي يُقال إنها القوة الأكثر ولاءً للغرب في سوريا – خطر تلويث سمعتها بانتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها شريكها الجديد.
في الوقت الراهن، لا يزال الاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق حبراً على ورق. من المقرر أن يبدأ التنفيذ في نهاية عام 2025، مما يمنح الأكراد أكثر من تسعة أشهر لتقييم الوضع والتكيف معه. في بلد مثل سوريا، قد يحدث الكثير قبل ذلك. في الواقع، في حين أضفى عقد من السيادة الكردية نضجاً وتماسكاً على الحكم المحلي في شمال شرق سوريا، يبقى السؤال مطروحاً حول من سيحكم دمشق بعد تسعة أشهر من الآن. الاتفاق ليس مثالياً، ولكنه يزيد من احتمالية صمود الأكراد للتفاوض على اتفاق جديد.
الكاتب: سروان كاجو
