ماذا يعني اعتقال ماليزيا لعمال بنغلاديشيين مرتبطين بـ “داعش”؟

قال خبراء إن التحقيق الذي تجريه السلطات الماليزية بشأن شبكة إرهابية مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مكونة من عمال مهاجرين من بنغلاديش “يثير قلقاً واسع النطاق” في جنوب شرق آسيا.
ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن هذا القلق لا ينبغي أن يؤدي إلى “المبالغة في اتهام المجتمعات المهاجرة أو إثارة شكوك واسعة النطاق حولها”.
وقالت منيرة مصطفى من مجموعة شاسور، وهي شركة أبحاث واستشارات أمنية مقرها كوالالمبور: “وجهة نظري هي أن الاعتقالات (في ماليزيا) تعكس اتجاهات أوسع في المشهد الإرهابي الإقليمي، حيث تتكيف الشبكات المسلحة مع ضغوط مكافحة الإرهاب المستمرة من خلال إنشاء قواعد عملياتية خارجية بدلاً من السعي إلى السيطرة الإقليمية التقليدية”.
في غضون ذلك، أدان زعماء الجالية المهاجرة البنغلاديشية في ماليزيا المعتقلين، مؤكدين أن غالبية مواطنيهم موجودون في ماليزيا فقط من أجل كسب لقمة العيش.
وقال خبراء في مجال مكافحة الإرهاب إن موجة الاعتقالات الأخيرة في ماليزيا مرتبطة بنقاط ضعف داخلية في بنغلاديش: الدولة الواقعة في جنوب آسيا بعد التغيير الأخير للنظام هناك.
وقد كان لهذا التغيير “تأثيرات متتالية” يحذر الخبراء من أنها قد تمتد إلى المجتمعات الخارجية، بما في ذلك تلك الموجودة في جنوب شرق آسيا.
وأعلن وزير الداخلية الماليزي، سيف الدين ناسوتيون إسماعيل، الشهر الماضي عن اعتقال 36 مواطناً من بنغلاديش قال إنهم متورطون بشكل مباشر في حركة مسلحة متطرفة.
وتعهدت بنغلاديش بالتعاون الكامل مع السلطات الماليزية، وطلبت مزيداً من المعلومات حول الاعتقالات. كما جددت موقف دكا الثابت ضد جميع أشكال الإرهاب والتطرف العنيف.
وصرح قائد الشرطة الماليزية، محمد خالد إسماعيل، بأن المجموعة – المرتبطة بتنظيم داعش- استخدمت وسائل التواصل الاجتماعي لتجنيد أعضاء من داخل مجتمع المهاجرين: “سعوا لتجنيد أعضاء للقتال في سوريا أو في صفوف داعش، وجمعوا أموالاً لإرسالها إلى سوريا أو بنغلاديش”. وأضاف أن ما بين 100 و150 شخصاً يُشتبه في انتمائهم إلى الشبكة.
ويقول الخبراء إن اعتقال المجموعة في ماليزيا – والذي يأتي بعد أقل من عام من الإطاحة برئيسة وزراء بنغلاديش الشيخة حسينة – قد يكون مجرد قمة جبل الجليد.
وحذر افتخارول بشار، الباحث في المركز الدولي لأبحاث العنف السياسي والإرهاب في كلية إس راجاراتنام للدراسات الدولية في سنغافورة، من أن الوضع قد يؤدي إلى موجة من “الحذر الشديد في المنطقة”.
وأعلنت إدارة الأمن الداخلي في سنغافورة في يبان يوم الثلاثاء (8 يوليو/ تموز) أنه “لا يوجد في الوقت الحاضر أي تهديد محدد أو وشيك في البلاد مرتبط بتفكيك شبكة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) التي تضم عمال مهاجرين من بنغلاديش في ماليزيا”.
وأضاف البيان: “ومع ذلك، فإن التهديد الإرهابي لسنغافورة يظل مرتفعاً بسبب المشهد العالمي المتقلب الناجم عن تطورات مثل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني المستمر، والتهديد الدائم الذي تشكله الجماعات الإرهابية العالمية مثل داعش”.
وحذر البيان من أن تنظيم داعش، على وجه الخصوص، لا يزال صامداً ويواصل الاحتفاظ بقدرته على تنفيذ وإلهام الهجمات الإرهابية، سواء داخل مناطق الصراع أو خارجها، مؤكداً أن السنغافوريين والأجانب على حد سواء يواجهون خطر التطرف بسبب انتشار السرديات المتطرفة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
وقال البيان أيضاً “إن الاعتقال الأخير الذي قامت به السلطات الماليزية هو بمثابة تذكير في الوقت المناسب بأن التهديد الإرهابي [في المنطقة] حقيقي”.
وقال خبراء إن التغيير الأخير في النظام في بنغلاديش كشف عن “نقاط ضعف خاصة”، وإن عدم الاستقرار هناك خلق فرصاً يمكن للجماعات المتطرفة استغلالها. وحذروا من أن الوضع الداخلي في بنغلاديش يؤثر بشكل مباشر على مواطنيها في الشتات.
يعيش أكبر عدد من الجالية البنغلاديشية في المملكة العربية السعودية، وهناك أعداد كبيرة منهم في دول الخليج الأخرى مثل الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان. وفي جنوب شرق آسيا، تستضيف ماليزيا وسنغافورة جالية بنغلاديشية كبيرة يعمل الكثير منهم في قطاع البناء.
وحذر افتخارول من أن ضعف سيطرة الدولة على العناصر المتطرفة في بنغلاديش يمكن أن يؤدي إلى تأثير جانبي [غير مباشر] يتمثل في “توسيع نطاق وصولهم إلى المجتمعات المهاجرة في المنطقة”.
وقال إن “أساليب التجنيد والتمويل تتكيف أيضاً، وتتجاوز الأساليب التقليدية إلى الاستفادة من المنصات الإلكترونية، مما يجعلها قضية إقليمية وليست وطنية فحسب”، مضيفاً أن “التجنيد في الجماعات الإرهابية تطور ولم يعد يستهدف العمال ذوي الياقات الزرقاء فقط”.
وقال أيضاً: “يتزايد استقطاب المهنيين والطلاب ذوي الياقات البيضاء إلى الأيديولوجيات المتطرفة. غالباً ما يكون هذا “الجيل الجديد” من أصحاب الأيديولوجيات من سكان المدن، ومتعلمين، وذوي خبرة مهنية، مما يجعل الكشف عنهم من خلال التنميط التقليدي أكثر صعوبة”.
وأضاف أن الحرب بين إسرائيل وغزة، على سبيل المثال، تعمل كمحفز للتطرف، “حيث إن الترويج لصور الضحايا المسلمين على مستوى العالم يشعل شعوراً بالظلم يمكن للجماعات المتطرفة استغلاله بسهولة من خلال الدعاية عبر الإنترنت”.
واعتبر أن “وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات الرسائل المشفرة تلعب أيضاً دوراً حاسماً في التطرف، كما يتضح من استطلاع أجرته الشرطة البنغلاديشية ووجد أن نسبة عالية من المتطرفين استُقطبوا من خلال الدعاية عبر الإنترنت واستخدموا الاتصالات المشفرة”.
وأضاف أن الاعتقالات الأخيرة لم تكن حوادث معزولة بل تندرج ضمن “نمط متكرر من التطرف داخل الشتات البنغلاديشي كما رأينا في حالات سابقة في كل من ماليزيا وسنغافورة”.
في يناير/ كانون الثاني 2016، أعلنت سنغافورة عن اعتقال نحو 27 مواطناً من بنغلاديش تبين أنهم كانوا يخططون للجهاد المسلح في الخارج وفي وطنهم.
وفي أبريل/ نيسان من ذلك العام، اعتقلت سنغافورة ثمانية مواطنين بنغلاديشيين آخرين كانوا أعضاء في جماعة تطلق على نفسها اسم “الدولة الإسلامية في بنغلاديش” والتي خططت لهجمات في بلادها للإطاحة بالحكومة وإقامة دولة إسلامية متحالفة مع خلافة داعش.
وتبين من التحقيقات أن أعضاء المجموعتين أصبحوا متطرفين بشكل مماثل من خلال المواد المتطرفة التي حصلوا عليها من الإنترنت، كما قاموا بجمع الأموال لتنفيذ أنشطتهم الإرهابية.
وقال عزت شمس الدين، مؤسس ومدير مبادرة تعزيز التسامح ومنع العنف في ماليزيا، إنه في حالة الاعتقالات الأخيرة استخدمت المجموعة الإرهابية منصات مثل واتساب وتيليجرام من أجل تنظيم جلسات التلقين وحلقات الدراسة الدينية والاجتماعات السرية.
وأضاف أن السلطات اكتشفت أن المجندين الذين يقدمون البيعة – وهي قسم رسمي بالولاء يتم إجراؤه في كثير من الأحيان عبر الإنترنت – يحصلون على ترقية لقيادة جهود التجنيد والتواصل.
إلى جانب ذلك، حذر افتخارول من أن استخدام خدمات تحويل الأموال الدولية والمحافظ الإلكترونية لجمع الأموال لصالح مجموعات مثل تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا وبنغلاديش يسلط الضوء على اتجاه متنام يصعب تتبعه في تمويل الإرهاب.
وفيما يتعلق بالاعتقالات في ماليزيا، قال عزت إن المجموعة استغلت القدرة المالية للمجندين وطلبت منهم دفع 500 رينغيت ماليزي (118 دولاراً أمريكياً) كرسوم عضوية وجمعت أموالاً إضافية من خلال التبرعات الطوعية والمنصات الرقمية.
وأضاف عزت أن “هذه الأعمال تؤكد على ارتباطاتهم وعملياتهم العابرة للحدود الوطنية، وقدرتهم على استغلال نظامنا المالي الرقمي”.
وقال إنه يجب على الحكومة الماليزية أن تظل يقظة في مراقبة أي روابط أو أنشطة داخل البلاد تدعم مجموعات “جهادية” نشطة تسعى إلى استغلال عدم الاستقرار السياسي في بنغلاديش، بما في ذلك جماعة “المجاهدون الجدد في بنغلاديش” الموالية لتنظيم الدولة الإسلامية، والتي ارتبطت بهجوم مقهى دكا في يوليو/ تموز 2016 الذي تورط فيه شخص كان قد درس سابقاً في جامعة موناش في كوالالمبور، ماليزيا، و”حركة الجهاد الإسلامي في بنغلاديش” المرتبطة بتنظيم القاعدة.
وأسفر الهجوم على المقهى عن مقتل 22 شخصاً معظمهم من الأجانب.
لكن عزت أشار إلى أن هذا اليقظة لا ينبغي أن تؤدي إلى “المبالغة في اتهام المجتمعات المهاجرة أو إثارة الشكوك حولها على نطاق واسع”، وأن السلطات يجب أن تركز على “الأفراد والشبكات”، وليس على “الهويات العرقية أو القومية”.
وأضاف أن “الضمانات الأساسية تشمل بناء الثقة مع مجتمعات المهاجرين، وتدريب الضباط على تجنب التنميط، وضمان الإشراف القضائي على إجراءات التنفيذ، والعمل مع المجتمع المدني وأصحاب المصلحة لتحديد المخاطر دون وصم مجموعات بأكملها”.
وقال أيضاً إن أحد المجالات الحرجة التي تتطلب التحقيق هو إساءة استخدام نظام الحوالة، وهو أسلوب غير رسمي لتحويل الأموال يعمل خارج الأنظمة المصرفية التقليدية.
وحذر من أن نظام الحوالة يسمح للشبكات الإرهابية بتحويل الأموال دولياً من خلال وسطاء داخل الأسرة أو الأصدقاء أو دوائر الأعمال دون الحاجة إلى نقل الأموال فعلياً عبر الحدود.
“ولكشف هذه القنوات، يتعين على السلطات جمع المعلومات الاستخبارية من المشتبه بهم المعتقلين، والأهم من ذلك… بناء الثقة مع المجتمعات المهاجرة وقادتها”.
