تقارير ودراسات

لماذا اعترفت روسيا بطالبان؟

دفع صعود تنظيم الدولة الإسلامية ـ ولاية خراسان والتهديدات الأمنية المتزايدة التي تشكلها آسيا الوسطى موسكو إلى إعادة التعامل مع حركة طالبان.

هذا هو الاستنتاج الرئيس لتحليل نُشر قبل الإعلان الذي أصدرته روسيا في الرابع من يوليو/ تموز الماضي بأنها أصبحت أول دولة تعترف بحكومة الحركة الأصولية التي عادت إلى السلطة في أغسطس/آب 2021 بعد خروج الولايات المتحدة وحلفائها من أفغانستان.

إن تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان هو عدو مشترك لحركة طالبان وروسيا ودول آسيا الوسطى كما جاء في التقييم الذي كتبه المحللان أيجيريم تورغونباييفا وفيض الدين غياسي ونشر على موقع “سوبستاك” التابع لمعهد آسيا الوسطى والقوقاز.

وقد اكتسب هذا التنظيم أهمية دولية كبرى عندما أعلن مسؤوليته عن الهجوم الإرهابي في مارس/ آذار 2024 على قاعة كروكوس سيتي في ضواحي موسكو، والذي أسفر عن مقتل أكثر من 140 شخصاً كانوا في قاعة للحفلات الموسيقية.

كتبت تورغونباييفا، الصحفية والباحثة المتخصصة في شؤون منطقة آسيا الوسطى، وغياسي، زميل رامسفيلد وباحث أول في شؤون أفغانستان وآسيا الوسطى في مركز دراسات أفغانستان: “تزايدت مخاوف روسيا من تنظيم داعش-خراسان بشكل ملحوظ منذ عام 2014، لا سيما في ضوء قدرة التنظيم على العمل في شمال أفغانستان، بالقرب من حدود طاجيكستان وأوزبكستان. وقد ساهمت هذه المخاوف في تغيير الحسابات الاستراتيجية الروسية”.

ويضيفان: “إن مشاركة أوزبكستان في عملية السلام مع طالبان – بما في ذلك دعوتها لوفد رفيع المستوى من الحركة لزيارة طشقند – دفعت روسيا إلى إعادة تقييم موقفها. وردت موسكو بدعوة طالبان لإجراء مناقشات منفصلة، بالإضافة إلى محادثات مشتركة مع وفد الحكومة الأفغانية لمناقشة عملية السلام ومرحلة ما بعد الانسحاب عقب خروج قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) بقيادة الولايات المتحدة من أفغانستان”.

لعب الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي دوراً محوريًّا في إعادة تشكيل نظرة موسكو لطالبان. جادل كرزاي بأن تنظيم داعش في خراسان ليس له جذور أفغانية، وأن مقاتليه جُلبوا من الخارج لزعزعة استقرار المنطقة. ووفقًاً لكرزاي، فإن طالبان وحدها القادرة على محاربة داعش في أفغانستان بفعالية. وقد لاقت هذه الرؤية استحسانًاً في موسكو التي لطالما خشيت من احتمال امتداد عدم الاستقرار إلى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق في آسيا الوسطى.

في أعقاب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان عام 2021، حذرت شبكة “بي إن تي في” الإخبارية من تدفق الجهاديين من سوريا وأماكن أخرى إلى البلاد.

ويقول المسؤولون الروس إن تطبيع العلاقات مع طالبان ـ وهي العملية التي شهدت دفعة كبيرة في أبريل/ نيسان عندما شطبت المحكمة العليا الروسية طالبان من قائمة موسكو للمنظمات الإرهابية ـ خطوة تهدف في المقام الأول إلى تعزيز الحوار وتعزيز التعاون الأمني الإقليمي.

وبينما شكك بعض النقاد في روسيا في جدوى إضفاء الشرعية على جماعة ذات ماض عنيف، يرى المؤيدون أن التعاون مع السلطات الفعلية في كابول ضرورة جيوسياسية. كتبت تورغونباييفا وغياسي: “علاوة على ذلك، لعبت الاعتبارات الاقتصادية دوراً. فمنذ عام 2022، أبدت أفغانستان اهتمامها بشراء النفط والقمح الروسيين. كما دعت طالبان الشركات الروسية للاستثمار في مشاريع التعدين والبنية التحتية والطاقة. ويسهّل رفع اسم طالبان من قائمة الإرهاب هذا التعاون، لا سيما في ظل العقوبات الغربية التي دفعت موسكو إلى تنويع شراكاتها الخارجية”.

ويشير مؤلفا التحليل أيضاً إلى أن التحول في سياسة روسيا تجاه طالبان من المرجح أن يكون له تأثير ممتد عبر آسيا الوسطى وخارجها.

بالنسبة إلى دول آسيا الوسطى كما يقولان: “قد يمهد التحول في سياسة روسيا الطريق لتوسيع نطاق تعاملها مع طالبان. أقامت أوزبكستان وتركمانستان، اللتان تشتركان في حدود مع أفغانستان، علاقات براغماتية مع طالبان، مدفوعتين في المقام الأول بمصالح أمنية واقتصادية.

“لقد أثرت مشاركة أوزبكستان النشطة مع طالبان في التجارة وغيرها على صناع القرار الروس لتعديل استراتيجيتهم لصالح علاقات اقتصادية ودبلوماسية أكثر سلاسة مع طالبان”.

وأظهرت روسيا دلائل تشير إلى أنها تنظر إلى أوزبكستان كمنافس إقليمي، كما أن حوار ترمذ الأخير للترابط بين وسط وجنوب اسيا الذي استضافته أوزبكستان بمشاركة دول آسيا الوسطى وحركة طالبان “زاد من مخاوف موسكو بشأن الدور المتنامي لأوزبكستان كلاعب إقليمي والتحدي المحتمل الذي تشكله لنفوذ روسيا في آسيا الوسطى” وفقاً للمحللين.

كما أشار المحللان إلى أن طاجيكستان بدأت أيضاً في توسيع علاقاتها التجارية والسياسية مع كابول. وشمل ذلك فتح أسواق حدودية مشتركة في ولايتي بدخشان في كلا البلدين، وتشغيل ميناء شير خان البري في ولاية قندوز شمال أفغانستان.

زر الذهاب إلى الأعلى