كيف استعدّ الجولاني للسيطرة على حلب وكل سوريا؟

“إن شاء الله”، قال المسلح لمساعديه، “سنحتفل بعيد الفطر في حلب ودمشق قريباً”. كان ذلك المسلح هو أبو محمد الجولاني، زعيم هيئة تحرير الشام: التحالف الإسلامي الذي اجتاح حلب الأسبوع الماضي. وكما اتضح، فإن تصريحاته ـ التي ألقاها في أبريل/ نيسان أمام قادة الجناح المسلح لمجموعته ـ لم تكن مجرد نزوة، بل كانت لديه خطة، وعيد الفطر لا يزال على بعد أربعة أشهر.
لقد أصبح من المعروف في الأيام الأخيرة أن هيئة تحرير الشام تمكنت من الاستيلاء على ثاني أكبر مدينة في سوريا في غضون أيام قليلة بسبب انشغال روسيا في أماكن أخرى، والضرب المبرح الذي تعرض له ما يسمى محور المقاومة على يد إسرائيل منذ هجوم 7 أكتوبر / تشرين الأول 2023 إلى جانب نظام ضعيف. لكن من المؤكد أن هذا جزء من القصة، جزء فقط. فلم يكن من الممكن أن يتحقق ما حدث لولا التحول الذي شهدته هيئة تحرير الشام على مدى السنوات الأربع والنصف الماضية.
منذ وقف إطلاق النار في سوريا في مارس / آذار 2020 وحتى الشهر الماضي، بذل الجولاني جهوداً متتالية لبناء مؤسسات محلية أكثر مرونة وإصلاح أجهزة الحكم والجيش التابعة لهيئة تحرير الشام. يعتقد الجولاني أن المساحة الممنوحة للهيئة بعد وقف إطلاق النار ستساعد على بناء قدرات وخبرات أكبر محلّياً في ما يسمونه “المناطق المحررة”، حتى إذا حان الوقت المناسب، ستكون الهيئة قادرة على تصدير هذه المؤسسات إلى بقية سوريا كما قال الجولاني في يوليو / تموز 2022. حتى الآن في حلب، على سبيل المثال، يبدو أنهم تمكنوا من توسيع نطاق هذه المؤسسات بسرعة، حيث تولّى المدنيون بالفعل السلطة بعد أيام من سيطرة أجهزتهم العسكرية على المدينة. يظل مقدار الأراضي الإضافية التي يمكن أن تسيطر عليها هيئة تحرير الشام سؤالاً مفتوحاً، ولكن في كل الأحوال، سيتم نسخ النموذج الذي تم بناؤه في شمال غرب سوريا إلى “المناطق المحررة” الجديدة لتعزيز سيطرتها.
خلفية
لهيئة تحرير الشام تاريخ مثير للاهتمام؛ فقد بدأت كفرع من سلف تنظيم الدولة الإسلامية، دولة العراق الإسلامية، عندما تأسست في يناير/ كانون الثاني 2012 تحت اسم جبهة النصرة. ولكن عندما نقل أبو بكر البغدادي التنظيم علناً من العراق إلى سوريا في أبريل/ نيسان 2013، تبرّأ الجولاني من البغدادي وأعلن الولاء لأيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة آنذاك. وفي تطور آخر، تبرّأ الجولاني من تنظيم القاعدة والجهاد العالمي في يوليو/ تموز 2016، وأسس هيئة تحرير الشام بحلول يناير/ كانون الثاني 2017 مع التركيز على القتال محلّياً فقط. في ذلك الوقت، كانت هناك تساؤلات حول مدى واقعية كل هذا بالنظر إلى تاريخ الجماعة. ولكن في وقت لاحق، ظهر أن هيئة تحرير الشام لم تقضِ على وجود تنظيم الدولة الإسلامية في المناطق المحررة فحسب، بل قامت أيضاً بتفكيك محاولة القاعدة لبناء فرع جديد في سوريا يسمى “حراس الدين” في يونيو/ حزيران 2020. ومع ذلك، لا تزال الجماعة تتبنى رؤية إسلاموية عالمية، ولهذا السبب يوصف أعضاؤها بأنهم “جهاديون سياسيون” أكثر من كونهم “جهاديين سلفيين” بسبب براجماتيتهم اللافتة في التعامل مع قضايا السياسة والدين.
منذ عام 2020، تدخّل أبو محمد الجولاني بشكل متزايد في شؤون حكومة الإنقاذ السورية المدنية والتكنوقراطية المدعومة من هيئة تحرير الشام وبلدياتها المحلية في المناطق المحررة. وُلدت حكومة الإنقاذ السورية من محاولة هيئة تحرير الشام فرض سيطرة كاملة على الحكم في المناطق التي تعمل فيها بحلول أواخر عام 2017. قبل إنشاء حكومة الإنقاذ، ساعدت سلسلة من المجالس المحلية المستقلة على حكم المدن والقرى التي تم الاستيلاء عليها بعد الثورة السورية عام 2011، عندما فقد نظام بشار الأسد السيطرة على مناطق مختلفة من البلاد. وقد سد هذا فجوة أولية في الخدمات، حتى تتمكن حياة السكان المحليين من الاستمرار بأفضل ما يمكن في ظل الظروف الصعبة للحرب الأهلية. ومع ذلك، وبسبب الطبيعة المتغيرة للتمرد وتغير ولاءات الفصائل المتمردة المختلفة بمرور الوقت، كان هناك دائماً سعي إلى توحيد جميع الأجهزة العسكرية والحكومية بين النشطاء والمقاتلين المناهضين للنظام.
وفي حين أنه من الصحيح أن هيكل الحكم داخل المناطق التي تديرها حكومة الإنقاذ السورية هو في الأساس تكنوقراطي بطبيعته، إلا أن هناك استثناءات محددة، حيث يتولى قادة رئيسيون داخل هيئة تحرير الشام زمام المبادرة. على سبيل المثال، فإن الشخصيات الرئيسة والأيديولوجيين الكبار داخل الهيئة مثل عبد الرحيم عطون ومظهر الويس وأنس عيروط هم أعضاء في المجلس الأعلى للإفتاء، ويشغلون مناصب رفيعة المستوى داخل اللجنة القضائية العليا التابعة لوزارة العدل ووزارة الأوقاف والدعوة والإرشاد. وعلى نحو مماثل، يشغل هاشم الشيخ، أحد القادة المؤسسين لهيئة تحرير الشام، منصب نائب رئيس المجلس الإداري لدار الوحيين الشريفين، وهي جمعية للمدارس القرآنية داخل أراضي هيئة تحرير الشام/حكومة الإنقاذ السورية، والتي تشكل كيفية رؤية الأطفال للعالم بناءً على التفسيرات الدينية للهيئة.
رؤية الجولاني
من خلال جهود الجولاني وهيئة تحرير الشام لتوجيه المؤسسات والإصلاح البيروقراطي الداخلي نحو المزيد من التكامل والكفاءة، أصبحت الهيئة قادرة بشكل أفضل على مواجهة الأزمات ضمن حدودها على مدى السنوات الأربع والنصف الماضية. كما تم استخدام هذه العملية لتحسين احترافية جميع جوانب الخدمات في المناطق المحررة، حيث إذا قررت هيئة تحرير الشام أنه حان الوقت لتوسيع أراضيها (كما نرى الآن)، فسوف تكون جاهزة لتكرار هذا الشكل من نظامها السياسي / الإداري ودمج المواقع الأحدث بكفاءة.
إن العديد من اجتماعات حكومة الإنقاذ السورية التي تمت بحضور الجولاني هي جزء من خطة متقنة لإظهار اهتمام زعيم هيئة تحرير الشام بتحديات الحكم ومخاوف الناس. على سبيل المثال، في أغسطس/ آب 2020، في اجتماع مع سوريين نازحين داخلياً من حلفايا، أقر الجولاني أن هيئة تحرير الشام ليست “حكومة كبيرة”، وأن لديها قدرة محدودة على مساعدة الناس، لكنها ستجند كل مواردها. وقال إن إحدى الطرق للقيام بذلك هي استخدام موضوع أثاره عدة مرات، وهو الاكتفاء الذاتي. في مايو/ أيار 2021، أثناء اجتماعه بوفد من شيوخ القبائل، صرح الجولاني بأن “المرحلة الحالية هي مرحلة إعداد وبناء مؤسسات” ومن شأنها أن تمهد الطريق لتحقيق النصر في نهاية المطاف. “كل مؤسسة نبنيها في المناطق المحررة تمثل خطوة نحو دمشق… معركتنا على كل المستويات. إنها ليست معركة عسكرية فقط؛ لأن البناء أصعب من الحرب. هناك الكثير من الصعوبات”. لذلك، لم يكن من المستغرب أن نرى الجولاني يظهر في يناير/ كانون الثاني 2022 في افتتاح طريق موسع يربط باب الهوى بحلب، موضحاً أن هذه المشاريع هي لبنات لبناء حياة أفضل للسكان المحليين. “الحرية تأتي من القوة العسكرية… والكرامة تأتي من المشاريع الاقتصادية والاستثمارية، والتي من خلالها يعيش الشعب والمواطنون حياة كريمة تليق بالمسلمين”.
إن هذه المشاريع مهمة بالنسبة إلى الجولاني؛ لأنه يعتقد أن “هناك مسؤولية مزدوجة على هيئة تحرر الشام: تحرير المناطق بالطريقة الصحيحة وبناء المؤسسات بالطريقة الصحيحة أيضاً”. ويشكل هذا التصور جوهر مساعي الجولاني لتحقيق تفوق الهيئة على جميع الجهات الفاعلة في الساحة السورية. فإذا كانت أسس الحكم في المناطق المحررة في شمال غرب سوريا موضع شك، فمن المحتم أن تكون هناك أوجه قصور عندما يتم تصدير هذه المؤسسات إلى أماكن أخرى. ولهذا السبب، فإن بناءها بالطريقة الصحيحة، كما تصورها الجولاني، أمر بالغ الأهمية لتعزيز السيطرة إذا ما استولت الهيئة على المزيد من الأراضي. وشدد الجولاني أيضاً على أن هذه الجهود يجب أن تستمر دون توقف مهما تحقق من إنجازات: “يتعين علينا دائماً أن نفكر في أننا بحاجة إلى بناء المزيد … وإنجاز المزيد”.
وعلى الرغم من أن هيئة تحرير الشام لا تؤمن بالديمقراطية الليبرالية أو السيادة الشعبية، فإن الجولاني يحاول تأطير مشروع بناء الدولة بوصفه جهداً شعبياً في جوهره. وكما قال في خطابه أمام وجهاء إدلب: “نحن جميعاً مؤسسة واحدة، ولدينا جميعاً السلطة، ونحن جميعاً الشعب”. ولهذا السبب، فإن “حكومة الإنقاذ تشكل مرحلة مهمة للغاية في تاريخ الثورة السورية” وفقاً للجولاني في خطابه أمام وزراء الحكومة. ويركز الجولاني على ضرورة إيجاد حل وسط بين المساعدات الحكومية الشاملة ودوامة الأزمات المعيشية المستمرة التي يعيشها الشعب. ويوضح في خطابه أمام وجهاء جسر الشغور أننا “نحاول بناء مجتمع قادر على العيش بقدراته وحماية نفسه”. كما يقول في افتتاح مشروع إيصال المياه إلى سهل الروج إنه يرى أي خيار آخر “وضعاً معيباً”: “أما الاعتماد فقط على المساعدات أو ابتزاز الناس هنا للمساعدة أو المفاوضات الدولية التي تجري من أجل بعض سلال الإسعافات الأولية أو بعض كراتين الحليب لتصل إلى المناطق المحررة، فهذا بصراحة نوع من الإذلال للشعب السوري”. وبالتالي هناك حاجة إلى بذل جهد أكبر لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
ولا يتعلق هذا فقط بالحكم بحد ذاته، بل في مجال القتال أيضاً. ولهذا السبب، أنشأت هيئة تحرير الشام/ حكومة الإنقاذ السورية كلية عسكرية للمناطق المحررة في ديسمبر/ كانون الأول 2021. وفي سبتمبر/ أيلول 2022، أخبر الجولاني خريجي الدورة الأولى للضباط أنه نظراً للحاجة إلى زيادة الدعم للمعركة ضد النظام السوري، فقد قرروا إنشاء الكلية العسكرية “لتعزيز خبرة المجاهدين في العلوم العسكرية وفنون القتال”. وفي حين لا تمتلك حكومة الإنقاذ السورية رسمياً وزارة دفاع، فإن هيئة تحرير الشام تعمل في هذا الاتجاه تقريباً. لقد وفرت الكلية العسكرية وسيلة لإصلاح وتنسيق جهود القتال السابقة بين مختلف الجماعات المتمردة التي اندمجت معها الهيئة أو استولت عليها بالقوة من عام 2016 إلى عام 2020. وبهذه الطريقة، عندما تقاتل معاً في المستقبل، كما هو الحال في هذا الهجوم الجديد، فإن الجهد سيكون أكثر تكاملاً وسلاسة على المستويات التكتيكية والعملياتية والاستراتيجية. ومن نواحٍ عديدة، ساعدت الكلية على إضفاء الطابع المهني على القوات التي تقودها هيئة تحرير الشام والتي تقاتل الآن تحت قيادة ما يطلقون عليه إدارة العمليات العسكرية منذ بداية الهجوم في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني.
على أي حال، فإن النقطة الأساسية هنا هي أن الجهود يجب أن تكون متكاملة على المستويين الحكومي والمجتمعي، حتى إذا كان هناك حالة طوارئ أو توسع في السيطرة على الأراضي، يمكن للمؤسسات التي قام الجولاني وهيئة تحرير الشام ببنائها أن تعمل بكفاءة ودون مشاكل، وهذا سيضمن اكتساب المزيد من الدعم والشرعية بين السكان المحليين بوصفهم جزءاً من هذه الجهود.
بناء المؤسسات في الممارسة العملية منذ الهجوم
بناءً على الإصلاحات التي نُفذت على مدى السنوات الأربع والنصف الماضية، كانت هيئة تحرير الشام مستعدة للاستفادة من أي مكاسب عسكرية على الأرض. ومن الصعب معرفة ما إذا كانوا قد اعتقدوا منذ بداية الهجوم أنهم قادرون على الاستيلاء على حلب، ولكن حتى لو تم ذلك بشكل غير متوقع؛ فبفضل الاحتراف والنهج الشامل القائم على إشراك المجتمع بأكمله في التعامل مع الأزمات أو الأحداث الجديدة، تمكنت أجهزة الهيئة من ملء الفراغات بسرعة. ولولا ذلك، لربما واجهت مقاومة أكبر من جانب النظام وداعميه، أو لربما لم يستقبل السكان المحليون الهجوم الذي تقوده بشكل إيجابي بما فيه الكفاية. ومن الخارج، يبدو أن لديهم بالفعل بعض الدعم، حتى لو كان هناك على الأرجح بعض المشككين.
وعندما أعلنت إدارة العمليات العسكرية التي تقودها هيئة تحرير الشام عن عملية “ردع العدوان” الجديدة، لم يقتصر الأمر على أن القوات العسكرية التابعة لهذه القيادة تقاتل باحترافية أكبر، بل إن العملية شهدت كفاءة أيضاً في ما يخص آليات عمل دولة المناطق المحررة.
على سبيل المثال، في أعقاب الهجوم مباشرة، أعادت حكومة الإنقاذ السورية تنشيط لجنة الاستجابة للطوارئ لمواجهة أي تداعيات ناجمة عن الحملة العسكرية. تم إنشاء هذه اللجنة لأول مرة في مارس / آذار 2020 للمساعدة على الاستجابة لجائحة كوفيد-19 محلياً. تم تنشيطها لاحقاً بعد الزلزال الهائل الذي ضرب شمال غرب سوريا في فبراير / شباط 2023، وهي في الأساس جهاز طوارئ مشترك بين الوكالات يبادر باستجابات تكاملية بين الوزارات المختلفة.
وفي الساعات التي تلت بدء العملية، شرعت وزارة التنمية والشؤون الإنسانية في تجهيز خيام جديدة للنازحين داخلياً من حملة القصف التي شنها النظام لاحقاً، ووفرت أرقام هواتف في القرى/ المدن يمكن الاتصال بها بسهولة. كما بذلت لجنة الاستجابة للطوارئ جهوداً لتعبئة جميع الموارد الطبية لإسعاف المصابين وتسريع عمل المخابز لتلبية احتياجات السكان المحليين. ولم يكن من المستغرب أن نرى بعد الهجوم الذي قادته هيئة تحرير الشام على حلب كيف تم التخفيف بسرعة من أزمة الخبز من خلال إرسال مخابز إدلب 100 ألف رغيف إلى حلب أولاً، ثم وعد وزير الاقتصاد والموارد بأن حكومة الإنقاذ السورية ستوفر الموارد اللازمة لإبقاء المخابز المحلية مشغلة طوال الوقت. كما نشرت لجنة الاستجابة للطوارئ بسرعة عمال مؤسسة إي كلين (البيئة النظيفة) ليس فقط لتنظيف الأنقاض من الغارات الجوية للنظام، ولكن أيضاً لتنظيف شوارع المناطق المحررة حديثاً لإثبات جاهزيتها وكفاءتها.
في حين أن هذه الجهود لا تزال في مراحلها المبكرة، إلا أنه في أعقاب استيلاء هيئة تحرير الشام على الأراضي من الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا في أكتوبر/ تشرين الأول 2022، بدأت الهيئة في تنفيذ مشاريع أكثر تعقيداً مثل الأشغال العامة لإعادة تأهيل الطرق في المنطقة بالكامل. ولا ينبغي أن نندهش إذا بدأ مثل هذا النشاط قريباً في حلب. في أعقاب الاستيلاء على المنطقة من الجيش الوطني السوري، رأينا أيضاً هيئة تحرير الشام تنشر قوات من إدارة الحواجز التابعة لها لحفظ الأمن، حتى أنها أعادت سيارة مسروقة لأحد الأشخاص. ولهذا السبب، لتطوير بعض مظاهر البنية الأمنية الجديدة في حلب، تولى عناصر من إدارة الحواجز مواقع في أجزاء مختلفة من المدينة في اليوم التالي لدخول المتمردين إلى المدينة.
وهناك أيضاً علامات مبكرة على أن المجالس البلدية المحلية (إدارة المناطق المحررة) بدأت في إنشاء جهاز حكم أولي جديد في مدينة حلب للمساعدة على إدارة القطاعات الخدمية في المدينة. ففي الأول من ديسمبر/ كانون الأول، وعد مدير العلاقات العامة في حكومة الإنقاذ السورية، عبد الرحمن محمد، السكان المحليين بأن “سنبدأ بإصلاح الثغرات وإعادة قطاعات الخدمات إلى العمل، بما في ذلك الاتصالات والكهرباء وإمدادات المياه وأعمال التنظيف ودعم المخابز واستعادة النقل وإزالة بقايا المتفجرات التي خلفها النظام الإجرامي”. وسنعرف مع الوقت مدى نجاحهم. ولكن استناداً إلى سجلهم في المناطق المحررة الأصلية، فإنهم سيبذلون قصارى جهدهم.
وعلى جبهة القتال، فإن الإضافة الأكثر أهمية للهجوم هي استخدام الطائرات من دون طيار للمراقبة قبل الحملة، وأيضاً كطائرات من دون طيار انتحارية ضد أهداف النظام بعد بدء العملية. وكان الدليل على مدى نجاحها عندما استهدف هجوم بطائرة من دون طيار لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنه حفل تخرج في الكلية العسكرية للنظام في حمص، والذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 80 فرداً في أكتوبر / تشرين الأول 2023. ومن المرجح أن يمنح ذلك المزيد من الثقة لاستخدامها في هذه العملية. ومن المثير للاهتمام هنا، ربما لأول مرة على الإطلاق، أن تقوم جهة فاعلة غير حكومية بإسقاط منشورات على السكان المحليين باستخدام طائرات من دون طيار في المناطق التي كانوا على وشك اجتياحها. كانت هذه المنشورات عبارة عن بطاقات صغيرة من مركز حكومة الإنقاذ السورية للسلامة والانشقاق، الذي تم إنشاؤه في ديسمبر / كانون الأول 2023، دعت الأفراد الذين كانوا جزءاً من النظام إلى الانسحاب أو الانشقاق. كما قدمت أرقام اتصال حول كيفية القيام بذلك. ومن اللافت أن المركز نشر مقطع فيديو لقصة أحد المنشقين قبل تسعة أيام فقط من الهجوم، وهو ما قد يشكل إشارة محتملة لما قد يحدث في المستقبل. ولدفع الآخرين إلى اتباع نفس النهج مع استيلاء هيئة تحرير الشام على حلب، نشر المركز مقطع فيديو في الثلاثين من نوفمبر/ تشرين الثاني لمحادثة عبر تطبيق “فيس تايم” مع أحد أفراد النظام المتحصن في مطار حلب الدولي. وحتى لو كانت الأرقام منخفضة فيما يتعلق بعدد الأشخاص الذين قد ينشقون أو ينسحبون، فإن الجهد المبذول يُظهِر مستوى من التخطيط لم نشهده من قبل.
حملة رسائل لتهدئة المخاوف
بالإضافة إلى النشاط على الأرض، بذل الجولاني وقسم الشؤون السياسية في هيئة تحرير الشام جهوداً متضافرة لإضفاء الشرعية على مشروعهما والتأكد من أن الجهات الفاعلة الخارجية قادرة على قبول الواقع الجديد في سوريا. على سبيل المثال، في ما يتصل بالسكان المحليين، أصدر الجولاني في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني سلسلة من الوصايا للجنود في الميدان تتعلق بالاستيلاء على حلب، والتي ذكرت أن الأولوية هي حماية ممتلكات وأرواح المدنيين وإرساء الأمن وتهدئة مخاوف الناس من جميع الطوائف. وأشار الجولاني إلى أن حلب هي ملتقى الحضارات ومركز التنوع الثقافي والديني لجميع السوريين، وأن أي شخص ينشق عن النظام آمن. تبع ذلك في اليوم التالي سلسلة أخرى من الوصايا التي تؤكد على ضرورة حماية حياة المدنيين ومعتقداتهم وممتلكاتهم، وأن المقاتلين يجب أن يضمنوا سلامة الناس دون انتقام، وأن السجناء والجرحى يجب أن يعاملوا بإنسانية، كما يجب تجنب الدعوات إلى استخدام العنف أو الانتقام. وذكّر الجولاني مقاتليه بأن النصر الحقيقي لا يكمن في المعركة الحالية فحسب، بل أيضاً فيما يليها (الحكم وتوفير احتياجات السكان). وعلى نحو مماثل، أصدرت إدارة العمليات العسكرية التي تقودها هيئة تحرير الشام إشعاراً لقوات سوريا الديمقراطية والسكان الأكراد في حلب في الأول من ديسمبر/ كانون الأول، مشيرة إلى أن معركتهم هي مع النظام والميليشيات التابعة لإيران، وعرضت السماح لهم بمغادرة حلب نحو شمال شرق سوريا بأسلحتهم دون مضايقات، وأكدت أن الأكراد جزء لا يتجزأ من سوريا، ويتمتعون بنفس الحقوق التي يتمتع بها أي شخص آخر في البلاد، وأنها [الهيئة] مسؤولة عن حمايتهم وضمان حصولهم على حياة كريمة.
إن هذه الجهود تهدف إلى تهدئة مخاوف الأقليات التي تخضع الآن لحكم هيئة تحرير الشام. ومع ذلك، يتعين علينا أن نرى كيف ستتطور الأمور على المدى الأبعد. حتى الآن، صرح السكان المحليون بأن المسيحيين لم يتم استهدافهم. ولا ينبغي أن يكون هذا مفاجئاً بالضرورة لأن الجولاني تواصل مع المسيحيين في منطقة إدلب في يوليو / تموز 2022 ومع وجهاء الدروز في سبتمبر / أيلول 2023. ومع ذلك، من الناحية العملية، تظل كلتا المجموعتين مواطنين من الدرجة الثانية داخل المناطق المحررة، وذلك لعدم وجود أي تمثيل سياسي لهما في مجلس الشورى العام، وإن كانت هناك مديرية لشؤون الأقليات تعمل على إشراك مجتمعات الأقليات، والتي أشارت أيضاً في الأيام الأخيرة إلى أن المسيحيين سيكونون في مأمن. لذا، في حين أنهم قد لا يتعرضون للمضايقات، فقد لا يتم تلبية مطالبهم واحتياجاتهم أو على الأقل ليس بنفس الكفاءة التي يتم التعامل بها مع مطالب واحتياجات المجتمع السني الذي يشكل الأغلبية.
وبعيداً عن السكان المحليين، حاولت إدارة الشؤون السياسية إبلاغ الجهات الفاعلة الخارجية بأن معركتها داخلية، وأنها ستكون على استعداد للتعامل معهم. على سبيل المثال، ردّاً على الهجمات الجوية الروسية، أصدرت الإدارة بياناً قالت فيه: “ندعو روسيا إلى عدم ربط مصالحها بنظام الأسد أو بشار نفسه، بل بالشعب السوري وتاريخه وحضارته ومستقبله. ونؤكد أن الشعب السوري يسعى إلى بناء علاقات إيجابية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة مع جميع دول العالم، بما في ذلك روسيا، التي نعتبرها شريكاً محتملاً في بناء مستقبل مشرق لسوريا الحرة”. كما تم إصدار رسالة مماثلة موجهة إلى العراق، ربما بسبب الشائعات التي تفيد بأن الميليشيات الشيعية العراقية سوف يتم استدعاؤها مرة أخرى للقتال إلى جانب نظام الأسد. ومن المثير للاهتمام أنه ابتداءً من الأول من ديسمبر/ كانون الأول، قدمت إدارة الشؤون السياسية أيضاً أرقاماً للدبلوماسيين والأجانب المقيمين في حلب للاتصال بهم في حالة احتياجهم إلى المساعدة وأعلنت أنها ستتولى حراسة القنصليات المحلية في المدينة. وعلى نحو مماثل، تواصلت هيئة تحرير الشام للتنسيق الإنساني مع موظفي الأمم المتحدة المحليين لمحاولة حماية مجمعهم وتسهيل مرور أي شخص يرغب بمغادرة المدينة.
إن حملة الرسائل هذه تحاول أن تُظهر أن هيئة تحرير الشام ليست جبهة النصرة بالأمس، حتى إن الهيئة دعت الصحفيين والمنظمات الدولية إلى القدوم إلى المناطق المحررة من خلال مركز الخدمات الإعلامية التابع لها لمعاينة الواقع على الأرض. لن يتسامح تنظيم الدولة الإسلامية ولا القاعدة مع أي رسائل من هذا القبيل للأقليات أو الدول الأجنبية، مما يسلط الضوء على رغبة الجولاني في أن يُنظر إليه [وإلى هيئة تحرير الشام] بصفتهم جهات فاعلة ومحاورين جادين.
ولكن لا تزال هناك مشكلة تتمثل في بقاء مقاتلين أجانب وجماعات إرهابية أجنبية ضمن قوات الهجوم، فضلاً عن حقيقة أن هيئة تحرير الشام دعمت الهجوم الذي شنته حماس في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول ضد إسرائيل وأشادت بإسماعيل هنية ويحيى السنوار. ولهذا السبب، نأى البيت الأبيض بنفسه عن أي صلة بالعملية، واستمر في الإشارة إلى المجموعة بصفتها منظمة إرهابية.
المضي قدماً
من أجل تعزيز سلطتها وتوسيع نطاق عمل مؤسساتها في أجزاء أخرى من سوريا، من المرجح أن تعتمد هيئة تحرير الشام على هيئتين للمساعدة على السيطرة السريعة على المناطق المحررة الجديدة وحكمها: مجلس النازحين، ومجلس القبائل والعشائر. وبما أن النظام الذي بنته الهيئة كان يعتمد بشكل كبير على استقطاب الوجهاء والشخصيات القبلية، فسوف يكون بوسعها بسهولة إرسال أولئك الموجودين بالفعل ضمن هيكلها مرة أخرى إلى بلداتهم وقراهم ومدنهم لاتباع النهج الذي كانت الهيئة تسير عليه في الأراضي المحررة الأصلية. كما سيوفر ذلك واجهة مناسبة للسكان المحليين الجدد الذين سينضمون إلى المناطق المحررة. وبهذه الطريقة، لا يبدو الأمر كما لو أن “غريباً” من منطقة مختلفة من سوريا يفرض شيئاً على السكان المحليين في منطقة أخرى، وسيسهل ذلك أيضاً دمج هؤلاء السكان الجدد بشكل أفضل في نظام المناطق المحررة. بالإضافة إلى ذلك، من المرجح أن تحصل شركة الراقي للإنشاءات المرتبطة بهيئة تحرير الشام على عقود للمساعدة على إعادة بناء المناطق التي لم يقم النظام بإعادة بنائها أو التي تعرضت لغارات جوية مؤخراً. في الماضي، قامت هذه الشركة بإزالة الأنقاض وبناء طرق سريعة جديدة ومبانٍ سكنية وتجارية ومراكز تسوق ومناطق صناعية في المنطقة التي سيطرت عليها الهيئة على مدى العامين الماضيين.
في كل الأحوال، ومهما كانت الديناميكيات الحالية، لا أحد يستطيع التنبؤ بما سيحدث. ومع ذلك، إذا أصبحت الأراضي الجديدة التي استولت عليها هيئة تحرير الشام مستقرة وتمكنت من توسيع بيروقراطيتها ومؤسساتها إلى أجزاء أخرى من سوريا، فمن المرجح أن تستعيد الهيئة زخمها في المستقبل. إن أحد الدروس الرئيسة في حالة هيئة تحرير الشام هو أنه على الرغم من أن العديد من الناس ما زالوا ينظرون إليها من خلال العدسة القديمة بوصفها جزءاً من تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، فإن الجماعة والحكومة التي بنتها في شمال غرب سوريا تغيرتا بشكل هائل في السنوات الأربع والنصف الماضية. إن فهم هذا الواقع الجديد أمر بالغ الأهمية لتحديد كيف ستتطور الأمور في المستقبل، وكيف أن كل ما حدث في الأيام الأخيرة كان منطقياً.
الكاتب: آرون واي زيلين*
* زميل أول في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى وباحث في قسم السياسة في جامعة برانديز ومؤلف كتاب “عصر الجهادية السياسية: دراسة لهيئة تحرير الشام” (دار رومان وليتل فيلد).
