تقارير ودراسات

كيف أعانت المساعدات الإنسانية والأمم المتحدة الحوثيين على الاستيلاء على البحر الأحمر؟

في مارس/ آذار 2015، أطلق تحالف بقيادة السعودية عملية “عاصفة الحزم” لقمع تمرد الحوثيين الناشئ في اليمن عبر الغارات الجوية والحصار. وبعد عشر سنوات، شُنّت حملة جوية ضخمة أخرى ضد الحوثيين. هذه المرة، شاركت فيها القوات الجوية الأمريكية والقوات الجوية الملكية البريطانية بهدف إنهاء تهديد الحوثيين للملاحة الدولية عبر مضيق باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر.

كيف فشلت الحملة السعودية فشلاً ذريعاً لدرجة أن مجموعة صاعدة تحولت إلى قوة إقليمية قادرة على تهديد الملاحة الدولية؟ في حين أن شحنات الأسلحة الإيرانية والدعم الإيراني جعلا ترسانة الحوثيين أشد خطورة على المنطقة، فإن المساعدات الإنسانية والدبلوماسية الدولية الخاطئة والمضللة أدّتا أيضاً إلى ترسيخ النظام الحوثي المتعصب تدريجيًّا على مدى العقد الماضي.

أدت ثورة الربيع العربي في اليمن عام 2012 إلى تنحي الرئيس علي عبد الله صالح، الذي حكم البلاد لعقود، مما بعث الأمل والتفاؤل بالمستقبل. وبدلاً من تسوية التوترات السياسية والاقتصادية المستمرة مع الجماعات الانفصالية في شمال وجنوب البلاد، قامت المنظمات الدولية، بقيادة المبعوث الخاص للأمم المتحدة جمال بن عمر، برعاية مؤتمر للحوار الوطني نتج عنه قرارات وأحلام متفائلة بدلاً من تشجيع الحكومة اليمنية الجديدة على تحمل مسؤولية نظام سياسي معطل واقتراح حلول قابلة للتنفيذ.

كان القرار الأكثر رعونة من بين كل القرارات التي تم اتخاذها هو اقتراح تقسيم الأراضي الشمالية لليمن إلى ثلاث أقاليم ضعيفة، أملاً في تفكيك حركات المعارضة الشمالية الموحدة. ومن المفارقات أن الحكومة الانتقالية اليمنية وبن عمر روجا لمقترح تقسيم الأقاليم حتى في الوقت الذي كانت جماعات المعارضة الشمالية نفسها تشن حملة عسكرية للسيطرة على الأراضي. في سبتمبر/ أيلول 2014، وبعد أقل من تسعة أشهر من انتهاء مؤتمر الحوار الوطني الذي قادته الأمم المتحدة، سيطرت ميليشيات الحوثي على العاصمة صنعاء، مما أجبر الحكومة اليمنية القائمة على اللجوء إلى المنفى.

وبناء على طلب الحكومة اليمنية المعزولة ولكن المعترف بها دوليًّا في المنفى، شكلت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تحالفاً دولياً لتنفيذ أكثر من 25 ألف غارة جوية ضد أهداف الحوثيين في الفترة من مارس/ آذار 2015، بداية الحملة، وحتى نهاية الهجوم العسكري في عام 2022.

كما يعلم جيداً كل استراتيجي عسكري، لا تُحسم الحرب جواً. تمكن تحالف من القوات البرية، والذي ضم بين قادته البارزين طارق صالح، ابن شقيق الرئيس اليمني المخلوع، من صد ميليشيات الحوثيين التي كانت قد وصلت بالفعل إلى مشارف مدينة عدن الساحلية الجنوبية ومدينة مأرب الشرقية الغنية بالنفط في مارس/ آذار 2015. وفي حين شكلت التضاريس الجبلية في اليمن عقبة كبيرة أمام القوات البرية المدعومة من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، فإن محادثات السلام التي توسطت فيها الأمم المتحدة والضغوط الدولية لتجنب سقوط ضحايا من المدنيين هي التي أدت في النهاية إلى توقف الهجوم ضد الحوثيين.

لم يركز الاهتمام الدولي في عام 2016 على فظائع الحوثيين، بل على ما وصفته العديد من المنظمات غير الحكومية الدولية بـ “أسوأ أزمة إنسانية من صنع الإنسان”. استُخدمت صور الأطفال اليمنيين الجائعين كإعلانات لحملات جمع التبرعات التي أطلقتها منظمات مثل ميرسي كوربس وأوكسفام، التي أنفقت ثلث إيراداتها على تكاليف غير مرتبطة بالبرامج الإغاثية، مثل الإدارة والتسويق، في عام 2019.

في غضون ذلك، استفاد الحوثيون من هذا الاهتمام الدولي الذي منح قيادتهم شرعية سياسية كانوا يفتقرون إليها سابقاً. وقد ساهم جلوسهم على طاولة المفاوضات على قدم المساواة مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في تعزيز جماعتهم أكثر بكثير من مجرد انتصارات عسكرية. في الواقع، في يوليو/ تموز 2016، أعلنت حركة الحوثيين رسمياً عن تشكيل مجلس سياسي لحكم شمال اليمن.

كان تمويل حركة الحوثيين مستمدًّا، جزئيًّا، من نموذج المساعدات الإنسانية الدولية الذي أصبح مكوناً رئيساً في الناتج المحلي الإجمالي لليمن. وقد ساهمت رسوم العبور التي تفرضها ميليشيا الحوثي، بالإضافة إلى الدعم المحلي الذي اكتسبته من خلال سيطرتها على شبكة إيصال المساعدات الإنسانية، في إثراء قيادة الحركة. في غضون ذلك، عانى المزارعون اليمنيون والمورّدون المحليون أكثر من غيرهم، فانزلقوا إلى دوامة فقر متفاقمة، عاجزين عن منافسة المساعدات الغذائية التي تقدمها المنظمات غير الحكومية الدولية والمنظمات التابعة للأمم المتحدة.

بعد عامين من الجهود الدبلوماسية للأمم المتحدة دون أي نتائج تُذكر، شن التحالف السعودي الإماراتي في سبتمبر / أيلول 2018 هجوماً برّياً متجدداً على ميناء الحديدة الذي يسيطر عليه الحوثيون، والذي كان نقطة دخول 80 في المائة من المساعدات الإنسانية ومصدراً رئيساً لتمويل الجماعة. ومع اقتراب قوات التحالف من تحقيق النصر في الحديدة، تدخل المبعوث الخاص للأمم المتحدة مارتن غريفيث، ضاغطاً على الجانبين للعودة إلى المفاوضات التي أفضت في نهاية المطاف إلى اتفاق ستوكهولم المشؤوم في ديسمبر / كانون الأول 2018. لم يتحقق وقف إطلاق النار المحدود وانسحاب القوات حول الحديدة، واستمر القتال على جبهات متعددة على مدى السنوات الثلاث التالية. ولم يخرج سوى الحوثيين منتصرين من ستوكهولم، بعد أن حققوا مستوى إضافياً من التطبيع الدبلوماسي الذي عزز وجودهم في اليمن.

شنت حركة الحوثي، التي أصبحت ذات نفوذ، هجوماً واسع النطاق في فبراير/ شباط 2021، مستهدفة مدينة مأرب، حيث كانت الحكومة المعترف بها دوليًّا لا تزال في السلطة. أدانت إدارة بايدن الجديدة الضربات الجوية السعودية والإماراتية على مواقع الحوثيين الأمامية، وأعلنت رسميًّا انتهاء الدعم الأمريكي للتحالف. ألغى الرئيس بايدن تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، مما دفع الأطراف المتحاربة إلى العودة مجدداً إلى طاولة المفاوضات. واضطرت القوات المدعومة من السعودية والإمارات إلى الانسحاب من ثلاث جبهات في الحديدة ومأرب وتعز بوسط البلاد، وسرعان ما اجتاح الحوثيون مواقعها.

لم تُسفر جولات محادثات السلام المتجددة التي ترعاها الأمم المتحدة، عقب انتصارات الحوثيين المحلية، عن نتائج تُذكر، بل ازداد الضغط على السعودية لإنهاء عملياتها العسكرية في اليمن والدخول في اتفاق مارس/ آذار 2023 مع غريمها الإقليمي الرئيس، إيران، بهدف إنهاء الحرب الأهلية اليمنية سلميًّا.

قبل أن تبدأ المفاوضات حول المستقبل السياسي لليمن، شن مسلحو حماس هجوماً مدمراً على إسرائيل في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، مما قوض الخطط الإقليمية للمصالحة في البلاد. أعلن مسؤولو الحوثيين دخولهم الحرب رسمياً في 31 أكتوبر/ تشرين الأول، رافعين شعارهم السياسي: “الموت لأمريكا! الموت لإسرائيل!”، وقد ساعدتهم المكاسب التي تحصلوا عليها من علاقاتهم الدولية عبر جولات محادثات السلام السابقة التي توسطت فيها الأمم المتحدة والشرعية الممنوحة لقيادتهم العسكرية من قبل شعب يمني معادٍ بشدة لأمريكا وإسرائيل.

منذ أكتوبر / تشرين الأول 2023، استهدفت ميليشيا الحوثي ممرات الشحن في البحر الأحمر، وقلبت التجارة العالمية رأساً على عقب، وأطلقت صواريخ باليستية على إسرائيل. على مدى عشر سنوات، تحول الحوثيون إلى منظمة ممولة بشكل غير مباشر من المساعدات الإنسانية، ومدعومة عسكرياً من خلال اتفاقات وقف إطلاق النار التي توسطت فيها الأمم المتحدة، ومطبّعة سياسياً من خلال المبادرات الدبلوماسية التي منحت النظام الاستبدادي مقعداً متساوياً مع الحكومة المعترف بها دولياً على طاولة المفاوضات. يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية دعم نمو هذا الخطر السرطاني، وهو الآن مسؤول عن إزاحته عن السلطة، وتحرير الشعب اليمني الذي احتجزه الحوثيون رهينة منذ سبتمبر / أيلول 2014. إن هذه الجولة الجديدة من الغارات الجوية، إلى جانب الهجمات البرية المنسقة التي تشنها الميليشيات المناهضة للحوثيين، لديها فرصة لإسقاط نظامهم أخيراً. هذا، ما لم تعلن الأمم المتحدة عن وقف إطلاق نار آخر.

الكاتب: آشر أوركابي

https://nationalinterest.org/blog/middle-east-watch/how-humanitarian-aid-and-the-un-helped-the-houthis-take-the-red-sea

زر الذهاب إلى الأعلى