تقارير ودراسات

عودة ظهور طالبان الباكستانية – تداعياتها على العلاقات الأفغانية الباكستانية

في ديسمبر / كانون الأول 2024، هاجمت حركة طالبان باكستان قوات الأمن الباكستانية. كانت الحركة، التي لجأت إلى أفغانستان، تستهدف باكستان انطلاقاً من قاعدتها هناك. يعد هذا الحادث جزءاً من سلسلة هجمات مستمرة منذ عام 2021، في أعقاب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان. في البداية، كان من المتوقع أن تفيد عودة طالبان الأفغانية المصالح الاستراتيجية لباكستان، إلا أن ما حدث هو العكس. يبحث هذا المقال في أسباب وكيفية مساهمة حركة طالبان الباكستانية في التدهور التدريجي للعلاقة بين الدولتين المتجاورتين، أفغانستان وباكستان.

المناوشات الأخيرة

وسط سلسلة من الأحداث المتصاعدة التي امتدت بين أكتوبر / تشرين الأول 2024 ويناير / كانون الثاني 2025، وصلت التوترات بين باكستان وأفغانستان إلى مستويات جديدة. في أكتوبر / تشرين الأول 2024، قُتل أحد كبار قادة حركة طالبان باكستان، الأستاذ قريشي، على يد باكستان. وقد قوبلت هذه العملية بهجوم انتقامي من قبل مسلحي الحركة على موقع عسكري باكستاني بالقرب من ديرا إسماعيل خان، مما أسفر عن مقتل 10 من أفراد الأمن الباكستانيين. في 21 ديسمبر / كانون الأول، هاجمت طالبان باكستان قوات الأمن المتمركزة بالقرب من الحدود الأفغانية الباكستانية، مما أسفر عن مقتل 16 من أفراد الأمن الباكستانيين. دمر المهاجمون الموقع الأمامي واستولوا على معدات عسكرية. رداً على ذلك، قصفت طائرات عسكرية باكستانية في 24 ديسمبر / كانون الأول مقاطعة باكتيكا شرق أفغانستان، مما أسفر عن مقتل 46 أفغانياً. زعمت باكستان أن الضربات استهدفت مخابئ ومرافق تدريب تابعة لحركة طالبان باكستان، لكن أفغانستان أكدت أن الضحايا كانوا لاجئين من وزيرستان، ومعظمهم من النساء والأطفال. وقعت هذه الهجمات أثناء زيارة الممثل الخاص لباكستان في أفغانستان، محمد صادق، لأفغانستان لمناقشة قضايا ثنائية مختلفة تهدف إلى تعزيز العلاقات بين البلدين. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان صادق على علم مسبق بالعملية العسكرية، أو ما إذا كانت هناك فجوة في التواصل بين الجيش الباكستاني والسلطات المدنية.

توعدت أفغانستان، التي تعامل حركة طالبان باكستان كـ “ضيوف” بالرد. وصرح وزير الدفاع الأفغاني على منصة اكس للتواصل الاجتماعي: “لن تدع الإمارة الإسلامية هذا العمل الجبان يمر دون رد، بل ترى أن الدفاع عن أراضيها وسيادتها حقاً أصيلاً لها”. وردًّا على الهجمات الجوية، صرحت وزارة الدفاع الأفغانية بأنها استهدفت “عدة نقاط” تقع خارج “الخط الافتراضي”؛ إذ لا تعترف أفغانستان بخط دوراند الذي رسمه الاستعمار البريطاني بين البلدين. في 28 ديسمبر/ كانون الأول، زعمت باكستان أنها أحبطت محاولة تسلل لحركة طالبان الأفغانية، التي هاجمت مواقع عسكرية قرب الحدود، مما أسفر عن مقتل 15 مسلحاً. وفي 2 يناير/ كانون الثاني 2025، شنت باكستان هجمات بقذائف الهاون على ثلاث قرى حدودية في ولاية خوست الأفغانية.

في ضوء هذه الأحداث الأخيرة، يترتب على تجدد نشاط حركة طالبان الباكستانية تداعيات كبيرة تشمل الديناميكيات الجيوسياسية في المنطقة الأفغانية الباكستانية. يستكشف هذا المقال العواقب المحتملة لهذا التطور على العلاقات الأفغانية الباكستانية.

العلاقة بين باكستان وحركة طالبان: ما قبل عام 2021

كان لباكستان، إلى جانب الولايات المتحدة، علاقات طويلة الأمد مع المجاهدين: التمرد الإسلامي في أفغانستان الذي قاتل ضد الاتحاد السوفيتي وجمهورية أفغانستان الديمقراطية، وأطاح بحكومتها في عام 1992. كانت باكستان واحدة من الدول القليلة التي اعترفت بحركة طالبان، وهي حركة قومية إسلامية سنية مؤيدة للبشتون وأقوى فصيل داخل المجاهدين، عندما وصلت إلى السلطة في أفغانستان في عام 1996 بعد سنوات من الاقتتال الداخلي. على مر السنين، كانت شبكة حقاني التابعة لطالبان، المسؤولة عن العديد من الهجمات المميتة، متمركزة في باكستان، واستخدمتها الحكومة الباكستانية استراتيجياً لتحقيق مصالحها سرًّا. دفع هذا هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية في ذلك الوقت، إلى التعليق قائلة: “لا يمكنك الاحتفاظ بالثعابين في حديقتك الخلفية وتتوقع منها أن تلدغ جيرانك فقط”. في أعقاب هجمات 11 سبتمبر / أيلول 2001 على مركز التجارة العالمي، غزت الولايات المتحدة أفغانستان لتدمير شبكة القاعدة الإرهابية المسؤولة، والتي كانت تعمل في البلاد. أصبحت باكستان حليفاً رئيساً وشريكاً استراتيجياً للولايات المتحدة في ما يسمى بالحرب على الإرهاب، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى نفوذها القوي في المنطقة وسلطتها الكبيرة على المتطرفين، إلا أن هذا دمر تحالفاتها مع العديد من الجماعات المتطرفة التي كانت ترعاها سراً لنشر الإرهاب. مع اعتقال أسامة بن لادن وقتله على يد القوات الأمريكية في أبوت آباد عام 2011، فقدت باكستان مصداقيتها لدى كل من شريكها الأمريكي والمتطرفين على حد سواء. في أغسطس / آب 2021، بعد عقدين من القتال، غادرت الولايات المتحدة وحلفاؤها أفغانستان، وسلموا السلطة لحركة طالبان. أشاد عمران خان، لاعب الكريكيت السابق الذي تحول إلى سياسي، والذي كان آنذاك رئيس وزراء باكستان، بعودة طالبان إلى السلطة قائلاً: “لقد كسرت طالبان الأفغانية قيود العبودية”. في هذا السياق، أعربت باكستان عن أملها في إحياء شراكتها مع طالبان.

صعود حركة طالبان باكستان

أدى الهجوم الباكستاني على تنظيم القاعدة في المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية، وهي مناطق شبه مستقلة في باكستان، إلى صعود حركة طالبان باكستان. تخضع هذه المناطق لحكم الحكومة الاتحادية منذ استقلال باكستان عام 1947. في عام 2018، تم دمجها مع مقاطعة خيبر بختونخوا المجاورة، ولطالما كانت ملاذاً آمناً للعديد من الجماعات المسلحة. أسس بيت الله محسود حركة طالبان باكستان عام 2007 “كمنظمة شاملة لمختلف الجماعات الإسلامية السنية المتشددة التي تعمل بشكل مستقل في باكستان”. تهدف الحركة إلى الإطاحة بالحكومة الباكستانية و”إقامة إمارة قائمة على تفسيرها للشريعة الإسلامية”؛ أي نظام مشابه لنظام طالبان في أفغانستان. وتُعد مصالح باكستان العسكرية والاستثمارية الأجنبية هي الأهداف الرئيسية للحركة. قتلت طائرات من دون طيار أمريكية بيت الله محسود في عام 2009 وخليفته حكيم الله محسود في عام 2013. يقود نور والي محسود المجموعة حالياً بعد أن قادها الملا فضل الله (قُتل في غارة بطائرة من دون طيار في عام 2018)، والذي لم يكن من قبيلة محسود. خلال هذا الوقت، شهدت الحركة انقسامات داخل صفوفها. كانت المجموعة وراء اغتيال رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة بينظير بوتو والهجوم على الحائزة على جائزة نوبل للسلام ملالا يوسف زاي. تتشابه حركة طالبان باكستان مع حركة طالبان الأفغانية في بعض الجوانب الأيديولوجية بما في ذلك الالتزام بإقامة دولة إسلامية تحكمها تفسيراتها الصارمة للشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى معارضتها للنفوذ الأجنبي، وخاصة النفوذ الغربي. ونتيجة لذلك، وفرت حركة طالبان باكستان لحركة طالبان الأفغانية المجندين والمأوى خلال قتال الأخيرة ضد القوات الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان. بسبب وجود حركة طالبان باكستان في أفغانستان، تتهم باكستان طالبان الأفغانية برعاية الإرهاب وإيوائه، وعدم بذل جهود كافية للحد من هذا التهديد. من ناحية أخرى، تتردد أفغانستان في الضغط على حركة طالبان باكستان بشكل مفرط. وعلى الصعيد المحلي، تخشى من تحالف الحركة مع تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان، الذي ينفذ عمليات ضد قوات أمن طالبان ويمثل تهديداً كبيراً لحكمها.

بعد انسحاب الولايات المتحدة في عام 2021

في نوفمبر / تشرين الثاني 2022، أنهت حركة طالبان باكستان وقف إطلاق النار من جانب واحد مع الحكومة الباكستانية بعد أشهر من المحادثات التي استضافتها أفغانستان، والتي فشلت في حل الأزمة عبر الحدود. في أعقاب انهيار وقف إطلاق النار، أمرت حركة طالبان باكستان مقاتليها باستئناف الهجمات في جميع أنحاء باكستان، مما أدى إلى تصاعد العنف في مناطق مختلفة. داخل أفغانستان، بدأ الجيش الباكستاني في استهداف قادة الحركة. أسفر هجوم في باكستان في مارس / آذار 2023 عن مقتل خمسة مواطنين صينيين، وحمّلت الحكومة الباكستانية حركة طالبان باكستان المسؤولية. من خلال “مبادرة الحزام والطريق”، تمتلك الصين استثمارات ضخمة في باكستان. حثت الصين الحكومة الباكستانية على تقليل المخاطر الأمنية وأعربت عن قلقها الشديد بشأن الوضع الأمني في ظل تزايد استهداف مواطنيها. في يونيو / حزيران 2024، أطلقت باكستان عملياتها الجديدة لمكافحة التمرد بعنوان “عزم الاستكهام”، وتعني بالأردية “العزم على الاستقرار”، والتي ستركز على كل من التهديدات الأمنية الداخلية والتمرد المسلح عبر الحدود من جميع أنحاء أفغانستان. وفقاً لتقرير للأمم المتحدة صدر عام 2024، تعد حركة طالبان باكستان أكبر جماعة إرهابية في أفغانستان، حيث تدعمها حكومة طالبان لشنّ هجمات عبر الحدود في باكستان. ويشير التقرير أيضاً إلى أن العدد الإجمالي لمقاتلي الحركة في أفغانستان يتراوح ما بين 6000 و6500 مقاتل. وتستخدم هذه الجماعة أسلحة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي خلفها وراءه خلال الانسحاب. كما زعمت الحكومة الباكستانية أنه مقابل ضمانات بعدم استهداف الجماعة لباكستان، طالبت طالبان الأفغانية بعشرة مليارات روبية باكستانية (35 مليون دولار) لترحيل أعضائها. وفي حين نفت طالبان هذا الادعاء، حذرت حركة طالبان باكستان من أنها ستواصل استهداف الشركات التي يديرها الجيش الباكستاني.

ماذا يحمل المستقبل؟

لا يزال الوضع يتطور. ويشير تقرير الأمم المتحدة المذكور إلى أن “حركة طالبان باكستان قد تتحول إلى منظمة شاملة لجماعات إرهابية أخرى. وعلى المدى المتوسط، قد يؤدي اندماج محتمل بين حركة طالبان باكستان وتنظيم القاعدة في شبه القارة الهندية إلى تصعيد التهديد ضد باكستان، وفي نهاية المطاف ضد الهند وميانمار وبنغلاديش”. لذلك، من المرجح أن تشهد المنطقة قريباً اضطرابات متجددة بسبب الروابط المتنامية بين مختلف الجماعات المتطرفة التي قد تستخدم أفغانستان ملاذاً آمناً. وفي آخر الأمر، لن يقتصر التأثير السلبي لحركة طالبان باكستان على التصعيد الثنائي بين أفغانستان وباكستان. لذا، يجب على القوى العالمية إعادة النظر في سياساتها تجاه المنطقة قبل فوات الأوان.

الكاتب: سوبارنا بانيرجي

https://blog.prif.org/2025/01/21/the-resurgence-of-the-pakistani-taliban-implications-for-afghanistan-pakistan-relations/

زر الذهاب إلى الأعلى