تقارير ودراسات

سرايا أنصار السنة: تهديد جهادي جديد في سوريا

استحوذت جماعة غامضة تطلق على نفسها اسم “سرايا أنصار السنة” مؤخراً على اهتمام السوريين في جميع أنحاء البلاد، وخاصة في المحافظات الساحلية والوسطى. ظهرت الجماعة في أوائل عام 2025، وأعلنت مسؤوليتها عن سلسلة من الهجمات المميتة، لا سيما ضد أفراد من الأقليات الدينية السورية، بما في ذلك العلويون والدروز والشيعة. وعلى الرغم من أن أصولها وهيكلها التنظيمي لا يزالان غامضين، تشير أيديولوجيتها المتطرفة وعملياتها الدموية ووجودها على الإنترنت إلى جبهة جديدة خطيرة في المشهد السوري ما بعد الحرب.

شبكة جهادية رقمية أولاً

تصدّرت سرايا أنصار السنة عناوين الأخبار لأول مرة بعد مجزرة قرية أرزة بمحافظة حماة في فبراير/ شباط، والتي قُتل فيها ما لا يقل عن خمسة عشر مدنياً. تعمل الجماعة بشكل رئيس عبر منصات مشفرة مثل تيليجرام، حيث تصدر بيانات ومنشورات فكرية وتهديدات عبر قنوات تابعة متعددة. وقد علّقت وسائل إعلامها العسكرية مؤخراً، ربما بسبب الخوف من الانكشاف أو مشاكل في القدرات الداخلية، مع أن الجماعة تعهدت بمواصلة حملة الاغتيالات والتخريب “في صمت وظلام”.

على الرغم من خطابها الديني المصاغ بأسلوب بلاغي مبالغ فيه، كانت منشوراتها الأولى بدائية، بتصريحات مركبة وتبريرات مرتجلة. تغير ذلك مع ظهور أبي الفتح الشامي، المسؤول الشرعي الأول في الجماعة، الذي تشكل كتاباته الأدبية وخطاباته العقائدية الآن جزءاً كبيراً من رسائلها. في أحد منشوراته، وعد بأن تكون الهجمات المستقبلية “صامتة كالهمس، خفية كالأنفاس، لكنها ستخلف وراءها رعباً لا حدود له”.

يقال إن زعيم الجماعة، المعروف بأبي عائشة الشامي، يشرف على استراتيجيتها، بينما يعمل أبو الفتح منظراً ومتحدثاً باسمها. وفي حين يُعتقد أن معظم أعضائها سوريون ـ بمن فيهم منشقون عن فصائل جهادية أخرى ـ يشير بعض التقارير إلى وجود مجندين لبنانيين وشبكات دعم في ليبيا وتركيا وبعض دول الخليج، وحتى بولندا.

الأيديولوجيا والأولويات: التطهير الطائفي قبل تغيير النظام

على عكس داعش، التي تتشارك معها في الانتماء الأيديولوجي دون مبايعة، أعلنت سرايا أنصار السنة صراحة أن أولويتها الحالية ليست محاربة الحكومة السورية الجديدة، بل تطهير البلاد مما تسميه “الطوائف المرتدة”. وتشمل هذه الطوائف العلويين والدروز والشيعة وقوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد. جاء في بيانها الصادر في أبريل/ نيسان: “لا يمكننا محاربة جميع الأعداء دفعة واحدة. تركيزنا الآن هو القضاء على المجرمين الطائفيين”.

خطاب الجماعة مشبع بالفكر التكفيري؛ إذ لا تكفر الأقليات الدينية فحسب، بل تكفر أيضاً كل من يتحالف أو يتعاون معها، بما في ذلك الحكومة المؤقتة في دمشق. ومع ذلك، تتجنب الجماعة تكتيكياً المواجهة المباشرة مع قوات الدولة، مفضلة هجمات الذئاب المنفردة والعنف الطائفي. أصدرت الجماعة فتاوى تكفر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع وحلفاءه، لكنها ترفض [حتى الآن] البدء بشن هجمات ضدهم.

يُذكر أن الجماعة تستهدف أيضاً أفراداً من السُّنّة متهمين بـ “خيانة الثورة” أو بالتعاون مع نظام الأسد. وقد أعلنت مسؤوليتها عن عدة اغتيالات لشخصيات بارزة في حمص وحلب استناداً إلى هذه الادعاءات.

الدعاية والعمليات: من الحرق العمد إلى الاغتيال

في أواخر مارس/ آذار، نشرت الجماعة تقريراً بعنوان “حصاد رمضان” سردت فيه عشرات العمليات التي نفذتها: إعدام مدنيين علويين، وحرق قرى علوية كالبرامية وقرفيص، وتدمير أضرحة في حماة وحمص، وتفجيرات في أحياء مختلطة كبانياس واللاذقية. لا تهدف هذه الهجمات إلى القتل فحسب، بل إلى بث الرعب وإحداث تحولات ديموغرافية. حدد أحد بيانات الجماعة “خطة ديموغرافية” تهدف إلى استبدال الأقليات بـ “السُّنّة الحقيقيين”.

ومع ذلك، ثمة شكوك كبيرة حول القدرات العملياتية للجماعة. فقد ثبت زيف أسماء بعض الضحايا والعمليات المزعومة أو عدم التحقق منها. لا تنشر الجماعة مقاطع فيديو أو صوراً تثبت هجماتها، وفي عدة حالات، تبين أن أسماء “الضحايا” المعلن عنهم ملفقة. لكن تم تأكيد بعض الاغتيالات، بما في ذلك مقتل شقيقين في حمص ومعلم في الوعر.

لغز مغلف بالسرّية

على الرغم من تنامي سمعتها السيئة، لا تزال سرايا أنصار السنة غامضة من الناحية التنظيمية. لا مقرات معروفة لها، ويُقال إن أعضاءها منتشرون في ريف سوريا، وخاصة في حماة وحمص والجبال الساحلية. تتجنب الجماعة المركزية، وتصف نفسها بأنها “قوة لامركزية من الذئاب المنفردة”.

أدى هذا التكتم إلى تكهنات بأن الجماعة قد تكون مختلقة، أو أداة تستخدمها جهات مجهولة لإثارة التوترات الطائفية. يشبهها بعض المحللين بميليشيات الشبيحة في عهد النظام السابق، وهي قوات استُخدمت لتنفيذ أعمال النظام القذرة دون الإشارة إلى تورطه. ويعتقد آخرون أن الجماعة قد تكون شبكة جهادية حقيقية تشكلت من خيبة أمل ما بعد الحرب ووعود ثورية لم يتم الوفاء بها.

التوسع في لبنان؟

في أحد أكثر بياناتها جرأة، زعمت الجماعة أنها تستعد لتوسيع عملياتها إلى لبنان، مشيرة إلى تنامي وجودها قرب الحدود ورغبتها في “مواجهة المرتدين” في طرابلس وغيرها. وعلى الرغم من نفي هذا البيان في البداية، أكده أبو الفتح لاحقاً لصحيفة النهار، مشدداً على أن “الجهاد لا يعرف حدوداً”.

خاتمة: تهديد متجذر في خيبة الأمل

تعكس سرايا أنصار السنة تياراً خفيًّا أوسع نطاقاً من الإحباط والتطرف المتفاقم في سوريا ما بعد الأسد. وبينما تكافح البلاد لإعادة بناء المؤسسات وتحقيق العدالة الانتقالية، تستغل جماعات كهذه الثغرات، مشكلة تهديداً أمنياً متجدداً ليس فقط للأقليات، بل لأي رؤية للتعافي الديمقراطي الشامل. إن تبني الجماعة للعنف الموجه، إلى جانب براعتها في الدعاية الإلكترونية وهيكليتها المرنة، يجعل من الصعب للغاية تحييدها.

يبقى أن نرى ما إذا كانت الجماعة ستتطور إلى تمرد مستدام أم ستنهار تحت وطأة تناقضاتها. لكن في الوقت الحالي، أوضحت سرايا أنصار السنة أمراً واحداً: الصراع على مستقبل سوريا لم يُحسم بعد.

 

المصدر: المراقب السوري

https://syrianobserver.com/who/saraya-ansar-al-sunna-a-new-jihadist-threat-emerges-in-syria.html

زر الذهاب إلى الأعلى