تقارير ودراسات

رسالة رجل دين جهادي مصري إلى حماس

مع انتشار تقارير وصور المجاعة في غزة عالميًّا، تتصاعد الإدانة للحملة العسكرية الإسرائيلية. ومع ذلك، من الواضح أيضًا أنه في ظلّ المعاناة الشديدة لسكان غزة، لم تحقق حماس “نصرًا” يُذكر، حتى في نظر الكثيرين ممن أيدوا في البداية عملية “طوفان الأقصى” التي شنتها حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

الرسالة أدناه، التي كتبها يحيى الفرغلي (رجل دين جهادي مصري كان شخصية بارزة في هيئة تحرير الشام، لكنه ترك الجماعة لاحقاً ولا يزال يقيم في شمال غرب سوريا)، هي مثال على هذا الشعور.

لا شك أن عنوان الرسالة “إلى حماس: ارفعوا الراية البيضاء رحمة بالناس”، الذي قد يوحي للقارئ في البداية بأنه يدعو حماس للاستسلام، مضلل بعض الشيء. فبينما يعتقد الفرغلي أن طوفان الأقصى كان عاملًا أساسيًّا في وقف موجة تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، يرى أن المشكلة تكمن في انحراف حماس عن القيم الإسلامية الأصيلة باحتكامها إلى المفاهيم التقليدية لحقوق الإنسان والديمقراطية في النظام الدولي، وأن مبرّراتها لذلك باطلة.

بالمناسبة، يعد ذكر “التقية” هنا أمراً ذا أهمية. فخلافاً لما يُروّج له أحياناً، فإن التقية ليست مفهومًا شيعيًّا صرفًا، حيث يمكن للمرء أن يخفي دينه للاحتماء من الاضطهاد. في الواقع، يجادل بعض الإسلاميين والجهاديين بإمكانية إظهار الحكام “وجهاً أقل إسلامية” للغرباء على أساس التقية. يعتبر الفرغلي هذا السلوك غير مقبول، إذا كان يضل الناس عن الإسلام، حتى لو تحت طائلة “الإكراه”.

ويرى الفرغلي أن حل مشاكل حماس يكمن في التخلي عن اعتمادها على مفاهيم غير إسلامية لحقوق الإنسان والديمقراطية، والنضال على أساس الجهاد ضد الكفر، لا على أساس القومية الفلسطينية أو العربية. تعد رسالته تذكيراً مفيداً بالفجوة القائمة بين حماس والجهاديين الذين يدافعون عن النقاء الأيديولوجي.

في ما يلي نص الرسالة:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

إلى حماس/ ارفعوا الراية البيضاء رحمة بالناس

بداية، فقد كنت من أشد مناصري طوفان الأقصى المبارك مقراً له بأفضاله الكبيرة، أهمها كسر “زحلوقة” التطبيع التي ركبها من خانوا قضية الأمة ساقطين بها بتسارع مقيت نحو قعر الخيانة ووحل بيع القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى المقدس، وإن كنت من يومها الأول أرى أن أكبر خلل في خطة الطوفان حسن ظنكم بالأنظمة الحاكمة للعالم الإسلامي وموقفهم منكم، أو لنقل عدم تصوركم درجة الانبطاح والعمالة التي وصلوا إليها، مما تشاهدونه بأعينكم من اليوم الأول ويزداد يقينكم به يوماً بعد يوم، لكن حسبكم أن نبيكم ـ الذي لا ينطق عن الهوى- بشركم أنه لن يضركم من خذلكم، وهي بشارة صدق محققة، وأعظم منها قول ربكم عز وجل: “‌إن ‌تنصروا ‌الله ‌ينصركم ويثبت أقدامكم”، وقوله تعالى: “وإن ‌جندنا لهم الغالبون”، وغير ذلك من الآيات والأدلة كثير.

ولذا، فقد جرت سنة المجاهدين الصالحين في الأمة منذ الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين إلى يومنا هذا أن يتفقدوا تقصيرهم ومعاصيهم حين يتخلف أو يتأخر النصر، وهو ما أرشدنا إليه ربنا حين أخبر المسلمين في غزوة أحد – رغم الفارق الكبير بينهم وبين عدوهم عددًا وعدة – أن تخلف النصر كان بسبب المعصية لا غيرها: “ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر ‌وعصيتم ‌من ‌بعد ‌ما ‌أراكم ‌ما ‌تحبّون”، وأن هزيمة الجيش المسلم تكون بما اقترفت يداه وليس لقوة عدوه مهما بلغت: “أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ‌قل ‌هو ‌من ‌عند ‌أنفسكم إن الله على كل شيء قدير”.

وها أنتم قد جربتم ارتداء لباس التماهي مع المفاهيم الدولية من ديمقراطية وحقوق إنسان … إلخ التي لا تتوافق مع ديننا بل تناقضه، وعللتم ذلك بالضرورة والتقية … إلخ [وهو ما لا يباح لمتصدر في الأمة؛ لأنه يضل الناس؛ ولا إكراه في إضلال؛ فمصلحة الدين ومفاهيمه تقدم على النفس إجماعاً]، فلم يغن ذلك عنكم شيئًا. فهذه الأصنام العجوة التي يصنعها الغرب ومجتمعه الدولي شرط بقائها وقيد تقديسها ألا تضر مصالحه المادية ولا مصلحة ربيبته اللقيطة فيما يسمونه بالشرق الأوسط، وعند أول ضرر يأكلون أصنامهم غير آسفين ولا مبررين، شاعرين بالزهو أن خدعوا السذج بها إلى أن أوردوهم المهالك.

أما آن الأوان أن ترفعوا الراية البيضاء النقية التي لا تحمل إلا الشهادتين كما رفعتها طالبان، ففتح الله لهم رغم تكالب من في أقطارها شرقاً وغرباً عليهم وخذلان القريب والبعيد، ورغم أنهم ليسوا في أرض الشام المبشر أهلها بالنصر والظهور على عدوهم ممن لا ينطق عن الهوى ﷺ. أخالكم تفهمون جيّدًا أنني لا أقصد بالراية الخرقة، بل أقصد الغاية. قال ﷺ: “ومن قاتل تحت ‌راية ‌عمية، يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية” رواه مسلم، فلا يكون لكم غاية في الباطن أو الظاهر إلا إعلاء كلمة الله وتحكيم شرعه، وتعلنوها مدوية جهادًا مقدسًا لدحر الكفر -لأنه كفر لا لأنه استعمار أو استيطان أو حق تقرير مصير …إلخ- وتحكيم الشرع كل الشرع ما استطعتم إلى ذلك سبيلاً، وأن تدعوا الناس جميعاً لتلبية واجبهم الذي أمرهم الله به وأمرهم به نبيهم ﷺ باللحاق بركب هذا الجهاد المقدس بعيدًا عن شعارات الوطنية أو القومية العربية أو ما شابه؟

إني لكم ناصح أمين؛ والله وبالله وتالله – أقسم غير حانث- أنكم إن فعلتم ذلك بصدق – قبل فوات الأوان – لتنزّل عليكم النصر، وفرج عنكم وعن شعبكم الكرب، تصديقاً لكلام ربكم وإيفاء لوعد نبيكم ﷺ.

راجي الخير لكم وناصحكم في الله/ يحيى الفرغلي.

إدلب العز 27 محرم 1447هـ

ملاحظة: ما سبق لا ينفي وجوب نصرة المسلمين في غزة بالبدن والمال الآن -عاجلاً غير آجل- ما استطاع مسلم إلى ذلك سبيلاً.

المصدر:

https://www.meforum.org/mef-online/an-egyptian-jihadist-clerics-message-to-hamas

رابط الرسالة:

https://justpaste.it/k7oa0

زر الذهاب إلى الأعلى