تقارير ودراسات

داعش 2025: العودة الصامتة

كيف تشكل الفراغات الجيوسياسية والتمرد السيبراني والتمويه الاستراتيجي الجهاد العالمي الجديد؟

 مقدمة ـ ما وراء غزة

“عندما تفقد الأيديولوجية مركزها، فإنها لا تختفي، بل تتضاعف إلى فراكتلات عملية، تتكيف مع تراجع الجغرافيا وتفكك السيطرة”.

بعد أشهر من التصعيد غير المتكافئ بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، يتبلور مشهد الشرق الأوسط كبنية جديدة للفوضى المسيطر عليها. لا يزال التركيز العالمي منصبًّا على الطائرات المسيرة، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والهجمات الإلكترونية، والصراعات بالوكالة، ولكن خلف صراع القوى، يعيد فاعل خفي تموضعه: الجهادية اللامركزية.

من أفغانستان إلى الصومال، ومن منطقة الساحل إلى الفضاء الإلكتروني، تعمل الشبكات التابعة لتنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة على إعادة هيكلة نفسها، وتجنيد الأعضاء، واستغلال عدم الاستقرار الجيوسياسي لإطلاق مرحلة عملياتية جديدة، أقل وضوحاً، وأكثر خطورة.

حتى في حالات الانهيار المؤسسي، كما في السودان أو هايتي – حيث لم يهيمن الجهاديون بعد – توجد مساحات فوضوية وغير خاضعة للحكم تهيئ بشكل متزايد لتسلل المتطرفين. قد توفر هذه المساحات قريباً ملاذاً أيديولوجيًّا، أو أرضاً خصبة للتجنيد، أو ممرات لوجستية للتطور التالي للجهاد العالمي.

أفغانستان وشرق إفريقيا: بؤر جديدة للتهديد الجهادي

“داعش – خراسان لا تستولي على الأراضي، بل ترثها من انسحاب الآخرين. حين تتراجع الدولة، يعيد الجهاديون تنظيم صفوفهم”.

في عام 2025، لن يكون انبعاث الجهادية من الرقة أو الموصل، بل من كابول ومقديشو. فقدت القيادة “المركزية” لداعش طموحاتها في إقامة دولة، لكن فروعها الإقليمية تعمل الآن كفراكتلات استراتيجية – عقد صغيرة مستقلة تُحاكي نماذج حقبة الخلافة في فراغات جيوسياسية جديدة.

داعش-خراسان: الطليعة العملياتية لما بعد الجهاد العالمي

ما بين عامي 2024 و2025، اكتسب تنظيم داعش في خراسان (ولاية خراسان) أهمية عابرة للقارات. بعد هجماته على إيران (كرمان) وروسيا (مبنى بلدية كروكس)، أصبح التنظيم الفصيل الجهادي الوحيد ذا الامتداد الاستراتيجي الذي يتجاوز آسيا الوسطى.

ـ يعزز الشبكات عبر الحدود في جميع أنحاء أفغانستان وباكستان وطاجيكستان وإيران من خلال استغلال الخلافات بين طالبان والفصائل القبلية وسلطات مراقبة الحدود؛

ـ يعمل كمركز تجنيد للمقاتلين الأجانب المحبطين الذين ينجذبون إلى رؤية إسلاموية متشددة ومروعة؛

ـ يُعتقد أن التنظيم يقوم بتمركز لوجستي في الخارج من أجل تنفيذ هجمات ذات تأثير كبير في آسيا أو أوروبا في عام 2026.

داعش والصومال: العقدة الإفريقية في إعادة هيكلة الجهاديين

لم يعد داعش بزخم هائل، بل بذكاء لامركزي، مموهاً، متكيفاً مع إخفاقات الأمن العالمي وفوضى الفضاءات البينية.

على الرغم من الاستهانة به لفترة طويلة، فإن تنظيم الدولة الإسلامية في الصومال يبرز الآن كلاعب رئيس في إعادة تنظيم الجهاديين في منطقة جنوب الصحراء الكبرى.

ـ يعمل جنباً إلى جنب مع حركة الشباب، ولكن بهياكل أكثر مرونة وأقل هرمية في جميع أنحاء الصومال وكينيا وإثيوبيا؛

ـ يعمل كقناة تدريب وتمويل للمجموعات الساحلية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، ويشكل جسراً بين الجهادية الشامية والإفريقية؛

ـ يستغل حالة عدم الاستقرار الإقليمي والوجود الغربي المتراجع ليصبح مركزاً تشغيلياً منخفض التكلفة، ومثالياً لاختبار الأسلحة وتدريب المسلحين والتدرب على التكتيكات غير المتكافئة.

الجهاد السيبراني والذكاء الاصطناعي: الحدود الجديدة

“إن الجهادية لم تعد تسعى إلى المواجهة المرئية، بل إلى التخفي العملي والانهيار النفسي”.

بحلول عام 2025، تجاوزت استراتيجيات الجهاد العالمي حدود الرقعة الجغرافية لتشمل الفضاء الإلكتروني كساحة معركة موازية وقوة مضاعفة. بعيداً عن الطائرات المسيرة والأسلحة التقليدية، ينتقل التهديد الآن عبر الألياف البصرية ليصبح الذكاء الاصطناعي حليفاً صامتاً في التمرد الرقمي.

الدعاية التوليدية والتطرف السائل

تعمل الجماعات الجهادية على تطوير الدعاية الرقمية الآلية القادرة على تكييف المحتوى في الوقت الفعلي:

ـ محتوى متطرف متعدد اللغات يتم إنشاؤه تلقائيًّا، ومخصص لجمهور محدد؛

ـ محاكاة الفيديو والتزييفات المتقنة المصممة لإلهام أو تضليل الآخرين؛

ـ روبوتات الدردشة متنكرة في صورة مرشدين روحيين للإجابة على الأسئلة، وإثارة التطرف، وتلقين الأفكار.

لم تعد الرسالة مركزية، بل أصبحت مجزأة عبر سرديات فيروسية دقيقة مخفية في قنوات مشفرة وطبقات متعددة مجهولة الهوية.

الهجمات الإلكترونية المستهدفة والتخريب الاستراتيجي

في الوقت نفسه، تتحول الهجمات الرقمية إلى حملات متعمدة على البنية التحتية المدنية والاستراتيجية، ليس بالمتفجرات ولكن بالبرمجيات.

ـ اختراق أنظمة سكادا (أنظمة حاسوبية تُستخدم لمراقبة العمليات الصناعية والتحكم فيها عن بعد) لمرافق الطاقة والمياه؛

ـ “برمجيات الفدية الأيديولوجية”، والتي لا تهدف إلى الحصول على المال بل إلى إحداث الفوضى؛

ـ برامج خبيثة خلفية يتم إعدادها مسبقاً للتفعيل أثناء التصعيد السياسي أو انقطاع التيار الكهربائي أو حالات الذعر الجماعي.

لم يعد الهدف الجديد إحصاء عدد القتلى، بل فشل النظام والانتروبيا المعرفية.

التوقعات لعام 2026: العودة الصامتة إلى أوربا وأمريكا الشمالية

“الجهاد في عام 2026 لن يُسقط ناطحات سحاب، بل سيقطع الأضواء ويترك الغرب يتساءل من الذي شغل المفتاح.”

لم يعد الجهاديون بحاجة إلى السيطرة على الأراضي لضرب الغرب. لن تُشن الهجمات المستقبلية عبر أرتال صحراوية، بل عبر جهات منفردة وشبكات خفية وعمليات نفسية منخفضة التكلفة وعالية التأثير.

أوروبا: التهديد الكامن والتطرف الصامت

في أوروبا، تتجلى الجهادية كتهديد خفي، ليس ظاهراً دائماً، ولكنه نشط باستمرار.

تبرز هنا ثلاثة اتجاهات رئيسة:

ـ الفاعلون المنفردون: أفراد متطرفون ذاتيًّا ومنفصلون عن الخلايا الرسمية، وغالباً ما يكون لديهم سجلات نظيفة ولا توجد روابط معروفة لهم بشبكات إرهابية؛

ـ الهجمات المقلدة: أعمال عنف منخفضة التحضير مستوحاة من المحتوى الرقمي أو الأحداث الأخيرة – الطعن، والحرق العمد، والاعتداءات بالمركبات؛

ـ الأهداف السهلة: المدارس والكنائس وشبكات النقل والمواصلات، وهي مواقع ذات أهمية رمزية لكنها تعاني من الضعف الأمني، يتم اختيارها من أجل إحداث صدى عاطفي وتأثير مزعزع للاستقرار.

الولايات المتحدة: تمرد منخفض المستوى وتخريب رقمي

في الولايات المتحدة، يبدو التهديد خفياً أكثر ولكنه ليس أقل قوة، ويرجع ذلك إلى:

ـ التموضع الرقمي: البرمجيات الخبيثة المضمنة في البنية التحتية الحيوية (الطاقة والنقل والرعاية الصحية)، الجاهزة للتفعيل؛

ـ التطرف المحلي: المواطنون المتأثرون بالسرديات الجهادية المصممة خصيصاً لتتناسب مع خطوط الصدع في الولايات المتحدة – معاداة السامية، والتطرف المناهض للحكومة، وسياسة التظلم؛

ـ الهجمات الرمزية الهجينة: وهي أفعال منخفضة التكنولوجيا ولكنها ذات تأثير كبير ـ مثل التسميم، والحرق العمد، والتشويه الديني ـ وهي مصممة لهز ثقة الجمهور.

الهدف ليس التدمير، بل الإرباك والتشتيت.

خاتمة ـ تهديد يتزايد في الظل

“لم يعد الجهاد لأنه لم يرحل قط. لقد تعلم ببساطة كيف يختفي عن الأنظار”.

لم تختف الحركة الجهادية، بل تغيرت. انتهى عصر الخلافة المسرحية. ما تبقى هو تهديد متكيف: مجزأ، سريع الحركة، يصعب كشفه، ولكنه شديد التآكل.

لم تعد أهدافها انتصارات ميدانية، بل الثقة والتماسك والشرعية المؤسسية. جبهة المواجهة ليست الجغرافيا، بل الوعي.

وبالتالي، فإن أي استراتيجية فعالة يجب أن تتطور:

ـ من رد الفعل إلى التوقع

ـ من المراقبة إلى الفهم السياقي العميق

ـ من الدفاع عن الحدود إلى حماية النظام البيئي المعرفي والرقمي

في ساحة المعركة اليوم، فإن رؤية التهديد قبل أن يراه الآخرون هي الميزة الاستراتيجية الحقيقية.

ما وراء التهديد: نحو عقيدة أمنية ذات خبرة

“في العالم القادم، الأمن الحقيقي لا يكمن في مقدار ما تراقبه، بل في مدى استعدادك للدفاع عن هويتك.”

تتطلب جهادية ما بعد الخلافة عقيدة مرنة دون سذاجة. وهذا يعني مواجهة التعقيد دون خوف أو عمى أيديولوجي.

تعتمد الاستراتيجية الفعالة على خمسة ركائز:

  1. التنبؤ الاستراتيجي – رسم خريطة للبيئات المتساهلة قبل وقوع الهجمات – تتبع الانقسامات الاجتماعية، والخطابات المتطرفة، والممرات غير المشروعة. توقَّعْ – لا تُخمِّنْ – أين ولماذا تتشكل خطوط الصدع.
  2. الحماية الفعالة للمناطق الهشة – لا يمكن إهمال أي منطقة، سواءً كانت محيطية أو أوربية أو إفريقية. يبدأ الأمن بالتواجد المادي والثقافي: إنفاذ القوانين، والدفاع عن الهوية الديمقراطية.
  3. الدفاع المعرفي والقيم الديمقراطية – الهدف ليس البنية التحتية فحسب، بل العقول والرموز واللغة. احمِ البيئة الدلالية التي يُحتضن فيها التطرف. بعض القيم غير قابلة للتفاوض.
  4. استجابة مشتركة لا تأخير بيروقراطي – التهديد اجتماعي، رقمي، أيديولوجي. هكذا يجب أن تكون الاستجابة: الدفاع، والاستخبارات، والدبلوماسية، والقانون، والتعليم، في حركة متزامنة.
  5. الثقة أساس الردع الداخلي – لا ينبغي للديمقراطية أن تتراجع خوفاً من المعارضة، ولكن لا ينبغي لها أيضاً أن تلزم الصمت عند مواجهة التحديات. يجب أن يكون القانون حازماً وشرعياً. لا يجب أن يكون التسامح ضعفاً.

الكاتب: آنا كورسارو

https://www.hstoday.us/featured/isis-2025-the-silent-resurgence/

زر الذهاب إلى الأعلى