تقارير ودراسات

جيش الشرع الإسلاموي يؤجج انزلاق سوريا إلى مذبحة طائفية

انتشر هذا الأسبوع مقطع فيديو يُظهر مقتل مسعف متطوع في مستشفى بالسويداء، سوريا، على يد مسلحين تابعين للحكومة السورية المؤقتة برئاسة أحمد الشرع. سُجِلت عملية القتل بكاميرات المراقبة في المستشفى، ونشرتها قناة السويداء 24 المحلية. يشير المقطع إلى أن عملية القتل وقعت خلال هجوم شنه مسلحون تابعون للحكومة على المستشفى الرئيسي في السويداء.

جاء دخول عناصر الحكومة إلى المنشأة الطبية في سياق أعمال العنف التي اندلعت بين أبناء القبائل البدوية والسوريين الدروز في 13 يوليو/ تموز. أُرسلت قوات الحكومة إلى المنطقة للفصل بين الطرفين المتصارعين. لكن ما إن وصلوا حتى بدأوا باستهداف الدروز.

كانت الولاءات الطائفية السُنية المشتركة هي العامل الحاسم. عُثر لاحقاً على تسعين جثة في أرض المستشفى. أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بمقتل 1400 شخص خلال معارك يوليو/ تموز، كثير منهم مدنيون دروز.

أحداث يوليو/ تموز في سوريا هي الموجة الثالثة من عمليات سفك الدماء الطائفية واسعة النطاق في البلاد منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024. كان أول انفجار كبير في مارس/ آذار، عندما هاجم مسلحون إسلاميون تابعون للحكومة المنطقة الساحلية الغربية، بعد أن استهدف مسلحون موالون للنظام القديم نقطة تفتيش حكومية.

تعد المنطقة الساحلية ومحافظة اللاذقية معقلاً للطائفة العلوية التي ينحدر منها آل الأسد. وقد قُتِل أكثر من ألف شخص في هذه المجزرة. في الأشهر التالية، وردت سلسلة من التقارير تشير إلى استمرار عمليات اختطاف الشابات العلويات. وتتأخر سلطات الحكومة الجديدة في التحقيق في هذه الحوادث.

وقعت الموجة الثانية من الحوادث في أبريل/ نيسان، بعد تداول رسالة مزيفة زُعم أنها لرجل دين درزي تسيء إلى النبي محمد. لقي نحو 100 شخص حتفهم في القتال الذي أعقب ذلك، حيث هاجم مقاتلون إسلاميون سُنة تابعون للحكومة ضاحيتي جرمانا والأشرفية، ذات الأغلبية الدرزية، في دمشق.

لذا، خلال ثمانية أشهر فقط من حكم الإسلاميين السُنة في سوريا، وقعت ثلاث حوادث عنف طائفي واسعة النطاق. تشترك هذه الحوادث الثلاث في عدة عوامل: ففي جميع الحالات، وُجّه العنف من قِبل الإسلاميين السُنة ضد إحدى الأقليات السورية. ولعل الأهم من ذلك، أن الجناة كانوا مرتبطين، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالسلطات الحالية الحاكمة في دمشق.

ما هي الدروس المستفادة من ثمانية أشهر من حكم الإسلاميين السُنة في سوريا؟ ما هي الأنماط التي يمكن استخلاصها من هذه الأحداث؟ وما دلالاتها بالنسبة للاحتمالات المستقبلية؟

من الواضح أننا نستطيع بكل ثقة دحض الادعاء بأن الشرع وهيئة تحرير الشام يمثلان شيئاً جديداً تماماً في تاريخ الإسلام السياسي السُني.

لقد كانت مسيرة الشرع استثنائية بلا شك. ففي أقل من عقدين، انتقل من فرع القاعدة في العراق وزنزانة سجن أمريكي إلى القصر الرئاسي في دمشق. وقد أظهر هو وتنظيمه مرونة تكتيكية ودهاء غير مسبوقين في صفوف التيار السلفي الجهادي الذي انبثقوا منه.

في السابق، كانت جهود الجهاد السلفي في الحكم ـ مثل خلافة داعش القصيرة من عام 2014 إلى عام 2019 ـ تميل إلى التبدد في النار والدخان نتيجة عدم القدرة على عقد تحالفات تكتيكية.

كانت هيئة تحرير الشام مختلفة. فقدرتها على قطع الطريق على العناصر الأكثر تطرفاً التي تعارض مسارها وسحقها، ثم تشكيل تحالف حاسم مع تركيا، مكناها من الحشد البطيء للقوات الذي أدى في النهاية إلى الزحف المشؤوم نحو دمشق أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني 2024.

لكن الأدلة اللاحقة تشير إلى أن الاختلافات بين نظام هيئة تحرير الشام في دمشق والتجارب السابقة للحكم السلفي الجهادي قد تكون تكتيكية أكثر منها استراتيجية. هناك عنصران منفصلان في الصورة يستحقان دراسة أكثر عمقاً.

من المهم أن نتذكر أن هيئة تحرير الشام كانت منظمة صغيرة نسبياً عند دخولها دمشق أواخر عام 2024. في ذلك الوقت، كان عدد مقاتليها على الأرجح حوالي 45 ألف مقاتل. وهذا، بالطبع، لا يكفي لإدارة منطقة واسعة تضم أكثر من 15 مليون نسمة.

اضطرت هيئة تحرير الشام إلى الاعتماد على عناصر إسلاموية سُنية أخرى للمساعدة على توفير “الأمن” في المنطقة التي تسيطر عليها (70% من أراضي سوريا الواقعة غرب نهر الفرات). بعض هذه العناصر، وخاصة الجماعات المرتبطة بـ”الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا، اكتسب سمعته بارتكاب المجازر الطائفية. ويبدو أن هذه العناصر مسؤولة بشكل غير متناسب عن مذبحة العلويين في مارس/ آذار.

يمكن أن يعزى جزء من صورة الفظائع الطائفية منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 إلى القواسم المشتركة العامة بين هيئة تحرير الشام وقوات إسلاموية سُنية أخرى أقل انضباطاً وأكثر دموية، والقوة المحدودة لهيئة تحرير الشام نفسها.

ولكن من الواضح أن شيئاً أكثر منهجية يجري الآن: وهو عملية الدمج المنظم وطويل الأمد التي تقوم بها هيئة تحرير الشام لمجموعة متنوعة من هذه القوى الإسلاموية والجهادية السُنية في قوات الأمن والجيش الجديدين اللذين تقوم ببنائهما.

في حين أنه ليس من المستغرب أن ينشئ حكام سوريا الإسلاميون السُنة جيشاً يعتمد على قادة إسلاميين سُنة وجهاديين، من المتوقع أيضاً من هذا الجيش أن يتصرف بالطريقة التي تُعرف بها الجماعات الإسلاموية السُنية عادة عند مواجهة شعوب غير مسلمة.

كان انضمام جهاديين ذوي سجل طويل من الهجمات الطائفية على المدنيين واضحاً منذ فترة. على سبيل المثال، عُيّن محمد الجاسم، وهو قائد إسلاموي معروف من شمال سوريا، مدان بارتكاب العديد من الجرائم الموثقة جيداً ضد السكان الأكراد في شمال غرب سوريا، قائداً للفرقة 25 في الجيش السوري الجديد.

كما يتولى زميله، سيف أبو بكر، الذي يتمتع بسجل قتالي مماثل ضد المدنيين العزل من غير العرب أو غير المسلمين، قيادة الفرقة 76 من نفس الجيش الجديد.

يفصّل تقرير حديث صادر عن مركز ألما للأبحاث أسماء 22 مسؤولاً من ذوي الخلفيات الجهادية السُنية الموثقة يشغلون مناصب عليا في الهياكل العسكرية الناشئة للنظام الجديد. من بين هؤلاء “وزير الدفاع، ونائبه، ورئيس أركان الجيش، وقائد الحرس الجمهوري، وقائد القوات الجوية، و14 قائد فرقة، ونائب قائد فرقة، ورئيس أركان فرقة، وقائد لواء”.

إلى أين يتجه كل هذا؟ الأسبوع الماضي، انعقد مؤتمر في مدينة الحسكة، شرق الفرات، برعاية مجلس سوريا الديمقراطية، الجناح السياسي لقوات سوريا الديمقراطية (قسد). تقع الحسكة ضمن 30% من مساحة سوريا التي تسيطر عليها القوات الكردية.

عُقد المؤتمر بدعوة من إلهام أحمد، وزيرة خارجية مجلس سوريا الديمقراطية، وحضره الزعيم الدرزي حكمت الهجري، ورئيس المجلس الديني الإسلامي العلوي غزال غزال. وليس هناك ما يشير إلى أن لهذا المؤتمر أي بُعد أمني أو دفاعي.

ولكن إذا استمر الجيش والنظام الإسلامي السُني الجهادي الناشئ في دمشق في إعادة تسمية القتلة الطائفيين “قادة فرق”، والانخراط في أعمال قتل دورية ضد السكان غير المسلمين أو غير العرب، فمن المرجح جداً أن يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى اتخاذ إجرء [عسكري] مضاد.

 

الكاتب: جوناثان سباير

https://www.meforum.org/mef-online/sharaas-islamist-army-fuels-syrias-descent-into-sectarian-slaughter

زر الذهاب إلى الأعلى