تقارير ودراسات

بين الجهاد والجغرافيا السياسية: التوازنات الهشة في سوريا وأفغانستان

من دمشق إلى كابول، رجال الدولة الجهاديون الذين تحوّلوا إلى حكام يختبرون البقاء في ظلّ نظام مفكك، فهل تستطيع حركة الشرع السورية تكرار نهج طالبان؟

مع انتهاء سيطرة بشار الأسد على دمشق، والتي استمرت قرابة ثلاثة عقود، برز أحمد الشرع (المعروف سابقاً باسم أبو محمد الجولاني)، زعيم هيئة تحرير الشام، كصانع قرار جديد ووحيد في البلاد. دعم الغرب، إلى جانب قوى عربية، الشرع وهيئة تحرير الشام، التي كانت تصنفها الولايات المتحدة حتى وقت قريب منظمة إرهابية أجنبية. اليوم، يُصوَّر الشرع كحامل مشروع التغيير في سوريا. ومع ذلك، فإن صعوده الصاروخي والدعم الذي يحظى به الآن لهما دلالات جيوسياسية أعمق من مجرد هدف الاستقرار السوري.

على مدار العقد الماضي، أصبح الشرع ثاني زعيم ذي خلفية جهادية يسيطر على دولة كبرى. في حين أدرجت الولايات المتحدة وأوروبا أفغانستان عمداً في سجلات تاريخهما السياسي المضطرب، تظل الحقيقة أنه حتى بعد قرابة عشرين عاماً من الحرب الدائرة في أفغانستان، لم تنجح واشنطن وحلفاؤها حتى الآن إلا في استبدال طالبان بقيادة الملا عمر بطالبان جديدة بقيادة هبة الله أخوندزاده.

في سوريا، عندما استسلم آل الأسد وفروا من البلاد، ودخل الشرع دمشق بلا منازع، خدمت التحولات التي أعقبت ذلك مصالح متعددة. أولاً، سيشهد الشعب السوري الآن نهاية سنوات من القمع والعنف، ومن المفارقات، على يد شخص خدم سابقاً في تنظيم القاعدة. وهذا ما يبدو واضحاً في الوقت الراهن. ثانياً، وربما هو التحول الأخطر، خروج إيران وروسيا من المسرح السوري، بعد أن شكلتا معاً العمود الفقري الذي حافظ على استقرار الأسد ودعمه طوال الحرب الأهلية الطويلة. الآن، سافر وزير الخارجية السوري الجديد، أسعد الشيباني، إلى موسكو للقاء نظيره سيرجي لافروف. وتضمن الاجتماع لقاءً نادراً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. تشير هذه الزيارة إلى أن الكرملين لم ينتهِ من سوريا بعد. سيتعين على الشرع، كغيره، إدارة سوريا بطريقة تمنعها من أن تصبح أرضاً خصبة لتنافس القوى العظمى، وتجنبها مصير جارها العراق، العالق منذ زمن في صراع على النفوذ بين المصالح الإيرانية والأمريكية. قد يكون التواصل مع موسكو جزءاً من هذا الجهد، ومن المرجح أن يكون هناك تواصل سياسي أعمق مع إيران أيضاً في المستقبل القريب.

مع ذلك، استلهم النظام السوري الجديد من حركة طالبان، حتى مع رفضه لنموذجها في الحكم. في أغسطس/آب 2021، جابت كوادر هيئة تحرير الشام شوارع إدلب، رافعين راية طالبان، محتفلين بانتصارهم على الولايات المتحدة. جاء في بيان رسمي للهيئة: “ببالغ الفرح والسرور، تلقينا نبأ انتصارات شعبنا في أفغانستان، وتحرير أرضهم من الاحتلال وعملائه على يد طالبان – وفقهم الله ونصرهم – فهنيئاً للشعب الأفغاني هذا الفتح المبين والنصر العظيم”. وأضاف البيان أن المقاومة السورية تستلهم هذه النماذج المشرفة من “المقاومة والجهاد”.

منذ ذلك الحين، سيطرت حركة طالبان على أفغانستان وسعت إلى التواصل مع العالم دون التنازل عن أي أراض، على الرغم من الضغوط المزدوجة للقوى الخارجية والتوترات الداخلية بين النواة الأيديولوجية للحركة في قندهار بقيادة أخوندزاده والطبقة السياسية في كابول. يُنظر إلى هذه الطبقة، بقيادة شبكة حقاني سيئة السمعة التي يتزعمها سراج الدين حقاني – القائم بأعمال وزير الداخلية القوي في البلاد – على أنها أكثر “براغماتية”. وفقاً للدراسات الحديثة المتاحة، أعلنت طالبان عن 1382 مشاركة دبلوماسية مع 80 دولة ما بين 2021 و2024. قادت الصين أكبر عدد من هذه المشاركات، ما عزز مكانتها كركيزة جيوسياسية أساسية لنظام طالبان، تليها إيران وتركيا. في المقابل، أجرت سوريا تحت حكم الشرع أكثر من 1500 مشاركة دبلوماسية معترف بها حتى الآن، مع تصدر تركيا وقطر للمشاركات الثنائية.

على الرغم من أن نهج طالبان في التعامل مع جيرانها كان صعباً، أثبت فعاليته. قررت الدول في آسيا الوسطى عدم المواجهة، واختارت بدلاً من ذلك التعامل اقتصادياً مع طالبان مقابل أمن حدودها وعدم استهداف الأقليات العرقية من قبل الحركة ذات الاغلبية البشتونية. لا يزال الوضع على الحدود الأخرى لأفغانستان أكثر تعقيداً. لطالبان علاقة متوترة مع باكستان، الدولة التي كانت بمثابة حاضنتها الأيديولوجية وراعيها الاستراتيجي. ورثت طالبان نزاعاً حدوديًّا طويل الأمد مع إسلام آباد حول خط دوراند، وهو نزاع متجذر في التاريخ والجغرافيا. ومن المفارقات أن باكستان حظيت، على ما يبدو، بوضع أمني أفضل على حدودها في عهد حكومتي حامد كرزاي وأشرف غني مقارنة بعهد الحكومة الحالية في كابول.

على حدودها الغربية، تقف إيران إلى جانب طالبان، التي لا تدعمها أيديولوجيًّا أو سياسيًّا، لكنها براغماتية بما يكفي لإدراك أهميتها. لطالما أقامت إيران علاقة وظيفية مع طالبان في أعقاب هجمات سبتمبر/ أيلول 2001 الإرهابية، وغزو أمريكا للبلاد رداً على ذلك، وضمها إلى “محور الشر” من قبل الرئيس الأمريكي آنذاك جورج دبليو بوش في يناير/ كانون الثاني 2002. اليوم، تعتبر طهران خروج القوة العسكرية الأمريكية من أفغانستان نعمة كبيرة، إذ لا داعي للقلق بشأن العسكرة الغربية على حدودها الشرقية مع تصاعد التوترات مع إسرائيل.

على الصعيد الدولي، حافظت طالبان على أكبر قدر ممكن من التواصل مع الآخرين. نجح أعضاء شبكة حقاني في إبقاء أخوندزاده وحاشيته المتمركزة في قندهار معزولين نسبياً عن سياستهم الخارجية، واستغلوا العروض الأمنية، بما في ذلك محاربة ولاية خراسان (فرع تنظيم الدولة الإسلامية في المناطق الحدودية بين أفغانستان وباكستان منذ عام 2015) وإبقاء تنظيمات مثل القاعدة والكيانات المماثلة تحت سيطرتهم، كأصول يمكن التفاوض بشأنها مع الصين وروسيا والولايات المتحدة وأوروبا على حد سواء. اليوم، وبينما لا يزال الاعتراف الدولي بعيد المنال، يستضيف كل من بكين وموسكو سفراء معينين من قبل طالبان. يتبع آخرون في العالم الإسلامي، وإن بتردد، مساراً مشابهاً، حيث يعترفون بحكومة طالبان المؤقتة عملياً ولكن ليس رسمياً بعد. على سبيل المثال، قبلت الإمارات العربية المتحدة سفيراً معيناً من قبل طالبان في عام 2023. ومع ذلك، خلال حفل أداء اليمين الدستورية لمولوي بدر الدين حقاني في أبو ظبي، لم يُسمح بوضع علم طالبان في الخلفية.

بالمقارنة مع طالبان، كان وضع الشرع أسهل نسبيًّا، على الرغم من خلافاته المتزايدة مع إسرائيل. لم يسهّل الدعم العربي والغربي وصوله إلى المؤسسات الدولية فحسب، بل مهد الطريق أيضاً للاعتراف به تلقائياً تقريباً من مختلف الأطراف. شكل لقاؤه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الرياض لحظة مفصلية. بحلول ديسمبر / أيلول 2024، كان العلم السوري الجديد يرفرف بالفعل في واشنطن العاصمة، ووصل القادة الأوروبيون إلى دمشق في تتابع سريع، وأعلنت دول عربية، مثل المملكة العربية السعودية، عن مليارات الدولارات كمساعدات اقتصادية لإعادة الإعمار والاستقرار. أصبحت بذلة الشرع الغربية الأنيقة المكونة من ثلاث قطع هي القاعدة مقارنة بالزي العسكري الذي كان يرتديه الجولاني. ومع ذلك، من غير المرجح أن تنجح محاولته للحكم دون حساب علاقاته مع روسيا وإيران والصين، وهي الدول الثلاث التي تعتبر جزءاً من “محور الاضطراب” من وجهة نظر غربية.

إن العنف الطائفي الأخير، الذي اجتاح سوريا، وأثر على الأقليات العرقية كالدروز والعلويين، يشبه التحديات التي واجهتها حركة طالبان في مساعيها لدمج جماعات عرقية كالأوزبك والطاجيك، والأهم من ذلك الشيعة الهزارة. مع الهزارة، اعتمدت طالبان سياسة واقعية تقليدية، حيث وفرت لطهران حماية حدودية، وسعت إلى الحد من تدفق اللاجئين، بمن فيهم الشيعة. ويعد ترحيل أكثر من مليون لاجئ أفغاني من إيران مؤخراً، كنتيجة لـ”حرب الاثني عشر يوماً” مع إسرائيل، مثالاً واضحاً على ذلك. وفي حين استندت عمليات الترحيل إلى مزاعم بأن بعض الأفغان كانوا جواسيس لإسرائيل، لم يتصاعد الخلاف ـ حتى الآن ـ بين أفغانستان وإيران إلى أزمة سياسية علنية بين البلدين.

كان لدى الشرع فرصة أفضل من طالبان لتحويل التمرد إلى رئاسة. تحظى القيادة السورية الجديدة بدعم إقليمي ودولي يفوق بكثير ما حصلت عليه طالبان. ومع ذلك، تمتلك طالبان خطة للانخراط العالمي تمكنها من البقاء. يستفيد الشرع وآخوندزاده من انهيار النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، ومن إرهاق الحرب في العواصم الغربية. سيبذل كلاهما جهوداً مضاعفة لضمان ألا يعيدهما حدث مشابه لأحداث الحادي عشر من سبتمبر / أيلول إلى نقطة البداية. لقد نجحت طالبان في تحقيق ذلك لما يقرب من نصف عقد؛ ولا يزال من غير المؤكد ما إذا كان الشرع قادراً على فعل الشيء نفسه.

 

الكاتب: كابير تانيجا

https://www.orfonline.org/expert-speak/between-jihad-and-geopolitics-syria-and-afghanistan-s-fragile-balancing-acts

زر الذهاب إلى الأعلى