الهويات المتعددة لقائد سوريا الجديد
خلف سمعته المتقلبة، كان أحمد الشرع، الرجل الذي أطاح ببشار الأسد، براغماتيًا منذ زمن طويل

وقَفَ أحمد الشرع، رئيس الإدارة السورية الجديدة، في قصر الشعب بدمشق أواخر ديسمبر/كانون الأول 2024، أمام كرسيين خشبيين قديمين مُطعَّمين بالصدف، مرتديًا بذلة فضفاضة ربما لإخفاء مسدس أو سترة واقية من الرصاص. وصافحَ حميد الشطري، رئيس جهاز المخابرات العراقي، بعد مناقشة التعاون المستقبلي لمنع عودة تنظيم “الدولة الإسلامية” وتأمين السجون التي يُحتجز فيها مقاتلو التنظيم داخل سوريا. وفي كلمته، كان لهجة الشرع الدمشقية واضحةً لا لبس فيها. ربما بدا المشهد عاديًّا في بلدٍ تحرر أخيرًا من قبضة الرئيس السابق بشار الأسد المستبدة بقيادة شاب طموح. فقد توافدت الوفود العربية والغربية إلى القصر لمقابلته، بينما تردد الكثيرون من نزلاء فندق “الشيراتون” قرب ساحة الأمويين بالعاصمة بين انتقاده ورجاله سرًّا، والتودد إلى محيطه على أمل رؤيته أو حتى الحصول على صورة أو تصريح حصري.
لكن لقاء هذين الرجلين لم يكن مشهدًا عاديًّا. لقد كان انتصارًا يستحق القصائد. ففي مطلع الألفية، اعتُقل الشاب الشرع ــ الذي كان في العشرينيات من عمره آنذاك ــ في العراق بعد سفره من دمشق للجهاد إثر سقوط نظام صدام حسين. وقدَّم للتحقيق الأمريكي والعراقي هوية عراقية مزورة، وتحدث بلهجة عراقية مثالية جعلتهم يقتنعون بأنه محلي، فسُجن خمس سنوات. وبعد عقدين، دارت الأيام لتصبح الكرة الآن في ملعب العراقيين الذين يأتون إلى سوريا لمصافحة الرجل ذاته على أرضه، فيستقبلهم بقصر الرئاسة ببلاده طالبين مساعدته في القضاء على حليفه السابق في “الدولة الإسلامية”. وكما توضح القصة، فإن الشرع هو شخص تغيرت أسماؤه وألقابه وصفاته مرارًا ــ مع تنظيماته ومظهره وحكومته الآن.
لكن من هو هذا الرجل الغامض؟
الرئيس أحمد الشرع ــ كما يُعرف الآن ــ ينحدر من عائلة بارزة في هضبة الجولان السورية. وكان قد اعتنق سابقًا اسمه الجهادي الحربي المشهور “فاتح أبو محمد الجولاني” – حيث تشير كلمة “الجولاني” إلى “من الجولان” – تكريمًا لأصوله. ويشارك الشرع اسمه الحقيقي مع أحد أبرز أفراد العائلة الذي قاد ثورة منسية ضد سلطات الانتداب الفرنسي الاستعماري في منطقة الزاوية بالجولان عشرينيات القرن الماضي. وربما يشبه الشاب الشرع سلفه في كونه “عميدًا لأسرة الشرع وخطيبها المفوه”، كما وصفه والده حسين الشرع في كتابه “الثورة السورية المنسية في الزاوية 1920-1927”.
قاد الشرع الأصغر معركة أسقطت بشار الأسد بشكل مفاجئ خلال أيام، منهيةً حكم أسرته الذي دام 54 عامًا على السوريين. بدا للوهلة الأولى ــ لمن لا يعرفون الشأن السوري ــ شخصًا مجهولًا. ولربما رأى فيه البعض عقلًا مدبرًا ماكرًا ينتمي لتنظيم جهادي مسلح، يُهدد بإغراق المنطقة في دوامة جديدة من التطرف والعنف. لكن إرث عائلة الشرع وتطور خطابه وأفكاره وأفعاله يشير إلى قصة أعمق. فعندما تُجمع كل العناصر -عائلة ذات جذور سورية عميقة، وحياة متنقلة بين الفصائل المسلحة المختلفة، وهاجس إسقاط نظام الأسد، ونجاحه الأخير وبدء فصل جديد – تبدأ ملامح صورة معقدة للرجل الغامض الذي عاد في النهاية إلى اسم ميلاده، أحمد الشرع، في الظهور.
يقدم الكتاب المذكور عن ثورة الزاوية، الذي ألفه والد الشرع حسين، سردًا نادرًا لتاريخ العائلة وأصولها. ويوضح حسين – وهو اقتصادي – أن عائلة الشرع تعود أصولها إلى قرية جبين بالقرب من فيق، عاصمة منطقة الزاوية في محافظة القنيطرة جنوب الجولان السوري، التي تحتلها إسرائيل منذ 1967 وتوسعت في مناطق جديدة بعد سقوط الأسد ديسمبر/كانون الأول الماضي. وتعد عائلة الشرع من العائلات العريقة في المنطقة، وككثير من هذه العائلات، تزعم الانتساب المباشر للنبي محمد. وامتلك آل الشرع يومًا ما نحو 85% من أراضي فيق، بالإضافة إلى بساتين الزيتون في وادي مسود بضواحي المدينة. وكان لديهم منازل عُرفت بـ”دور الشرع”، تعرض سكانها لانتقام الفرنسيين انتقامًا لتمرد العائلة. وفي عشرينيات القرن الماضي، وبعد اغتيال مدير المنطقة مع قوات كانت تحكم المنطقة تحت العلم الفرنسي، فرت العائلة إلى الأردن. وكان نفوذهم كبيرًا لدرجة أن قريتهم جبين سُميت يومًا “عاصمة القرار”.
وبعد أيام فقط من سقوط نظام الأسد، كان أحد أول الشخصيات التي استقبلها الشرع في قصر الشعب بدمشق هو وليد جنبلاط، الزعيم السياسي المخضرم للطائفة الدرزية اللبنانية. وتحدث الشرع خلال اللقاء عن أسلافه، خاصة طالب وقاسم الشرع، الذين كانا حليفين مقربين لسلطان الأطرش، الزعيم السوري الدرزي البارز الذي قاد ثورة السوريين الكبرى 1925-1927. وأكد الشرع على دورهما في مقاومة الفرنسيين وثورة الزاوية. واستغل اللحظة ليرسم توازيًا تاريخيًا بين الثورة ضد الحكم الفرنسي والثورة ضد نظام الأسد، مادحًا أهالي السويداء – المحافظة ذات الأغلبية الدرزية في جنوب سوريا – لأنهم “ساعدوا في تحرير منطقتهم وعملوا تحت قيادة هيئة العمليات العسكرية”، تحالفه العسكري.
وقد روى حسين الشرع – الأب الذي تبنى فكر الرئيس المصري جمال عبد الناصر القومي العربي – قصة حياته في كتاباته، مقدًّمًا نظرة على العوامل التي شكلت نشأة أحمد. ومثل ابنه، قضى حسين حياته متنقلًا بين مدن عربية مختلفة، يصنع طريقه الخاص ويجمع الخبرات التي غذت طموحاته السياسية.
وفي كتابه “قراءة في البعث الثوري” الصادر عام 2022 عن دار نقش في إدلب ــ معقل ابنه آنذاك ــ تفحص حسين الانقلاب العسكري السوري في 8 مارس/آذار 1963، الذي أنهى نفوذ المؤيدين للوحدة العربية بين سوريا ومصر والعراق، بعد عامين من انهيار وحدة سوريا ومصر القصيرة الأمد عام 1961. وبعد شهر من الانقلاب عام 1963، اندلعت احتجاجات في فيق مسقط رأس الشرع، تطالب بإعادة الوحدة وتحتج على إجراءات ضباط من حزب البعث- الذين كانوا ظاهريًّا من القوميين العرب أيضًا، ونفذوا الانقلاب بالشراكة مع ضباط ناصريين – لتصفية غير البعثيين والاستئثار بالسلطة. ولعب الطلاب، بمن فيهم حسين نفسه، دورًا قياديًّا في هذه الحركة، فرد الجيش بإطلاق النار. وفي سن التاسعة عشرة فقط، اعتُقل حسين لاحتجاجه على خطاب مدير المدرسة، ثم هرب من السجن إلى الأردن، حيث سُجن مرة أخرى وخُير بين الذهاب إلى السعودية أو العراق. فاختار المنفى في العراق، حيث أكمل تعليمه الثانوي ثم التحق بالجامعة، ودرس الاقتصاد والعلوم السياسية مع التركيز على دور النفط، وتخرج عام 1969. وخلال دراسته في بغداد، مني العالم العربي بهزيمة مهينة على يد إسرائيل في حرب الأيام الستة، المعروفة عربيًا بـ”النكسة”، في يونيو/حزيران 1967. وانتقل الشرع لفترة وجيزة إلى الأردن للانضمام للمقاومين الفلسطينيين المعروفين بالفدائيين، لكنه عاد بعدها إلى العراق لإكمال دراسته.
وفي عام 1971، عاد حسين إلى سوريا – التي كان يحكمها آنذاك الرئيس حافظ الأسد، والد بشار – وسُجن للمرة الثالثة. وأُفرج عنه بعد تسوية مع فرع الأمن السياسي في النظام، ثم عمل مدرسًا للغة الإنجليزية في درعا. وكان رجلًا ذا طموحات سياسية، فترشح لمقعد في البرلمان السوري لكنه فشل. وفي عام 1972، فاز بعضوية مجلس محافظة القنيطرة. وفي الوقت نفسه، كان كاتبًا شغوفًا. فألف عدة دراسات عن قطاع النفط السوري، بما في ذلك كتابين عن اقتصاد النفط العربي: “النفط العربي بين الاستعمار والتنمية (امتيازات تقليدية)” و”النفط والثروة العربية في معركة التحرير والتنمية”، وصدرا عن المعهد العربي للدراسات والنشر في بيروت عامي 1973 و1974 على التوالي. وكان أهم أعماله بحثه المنفرد “تخطيط الصناعات البتروكيماوية في سوريا” الصادر عام 1975.
ثم عاش حسين في السعودية من 1979 إلى 1988. وُلد ابنه أحمد عام 1982. وعمل حسين كباحث اقتصادي في وزارة النفط (الآن وزارة الصناعة والثروة المعدنية) قرابة عقد، وأصبح في النهاية مديرًا للشؤون الاقتصادية ومستشارًا للوزارة. خلال هذه الفترة، ألف ستة كتب عن النفط والاقتصاد السعودي، نُشرت في دمشق والرياض، بالإضافة إلى عشرات المقالات السياسية والاقتصادية في صحيفتي “الرياض” و”الجزيرة”.
وفي عام 1989، عاد حسين إلى دمشق مع عائلته، واثقًا من أن تسوية الإفراج السابقة التي أبرمها مع الأجهزة الأمنية ستضمن سلامته. وعمل مستشارًا في مكتب رئاسة مجلس الوزراء، ومديرًا للعمليات في مكتب تسويق النفط تحت رئاسة الوزراء آنذاك محمود الزعبي. ووفقًا لمقابلات أجراها الباحثان حمزة المصطفى وحسام الجزامتي، ونُقلت في تقرير نشرته “ميدل إيست آي” في يونيو/حزيران 2021، فقد خرج حسين أخيرًا عن طاعة صاحب العمل بعد رفضه التوقيع على تحويلات مالية غير قانونية طلبتها مسؤولون في النظام.
وفي دمشق، استقرت عائلة الشرع قرب جامع الشافعي في حي فيلات الشرق الراقي بمنطقة المزة. وفي سنوات مراهقته، عمل أحمد في بقالة افتتحها والده بعد ترك الخدمة الحكومية، كما ذكر في مقابلة مطولة مع الصحفي الأمريكي مارتن سميث ببرنامج “فرونتلاين” بثت في فبراير/شباط 2021. ولم تجتذبه البيئة الاجتماعية الأوسع في المزة ــ التي وصفها في المقابلة بأنها “غير محافظة” ــ نحو الحركات الإسلامية، بل كانت الانتفاضة الثانية، حين كان في التاسعة عشرة، هي التي دفعته للتساؤل عن “كيفية أداء واجب الدفاع عن الأمة المظلومة ضد المحتلين والغزاة”. ونصحه أحدهم في النهاية بأن يبدأ بحضور المسجد والصلاة، حيث وجد “معنى يتجاوز شؤون الدنيا”. وقد دفعته هذه التجربة إلى “طلب الحقيقة”، التي يقول إنه وجدها في القرآن، فدرس تفسيره تحت إشراف شيخ محترم فضل عدم ذكر اسمه.
في ذلك الوقت، كان حسين مناصرًا نشطًا للتغيير الديمقراطي. فقد حضر المحاضرة الافتتاحية لملتقى الحوار الوطني في 13 سبتمبر/أيلول 2000، خلال ما عُرف بـ”ربيع دمشق” ــ وهو مصطلح يشير إلى الأشهر الأولى من حكم بشار الأسد، التي اتسمت بانفتاح سياسي وفكري واجتماعي استمر قرابة عام. وكان أيضًا من بين شخصيات المجتمع المدني التي وقعت على “إعلان دمشق” عام 2005، وهو بيان دعا لإنهاء حكم عائلة الأسد الذي دام أكثر من ثلاثة عقود والانتقال إلى نظام ديمقراطي. ومنذ 2020، استأنف حسين الكتابة بغزارة. وتجاوزت أعماله الأخيرة النفط والاقتصاد إلى الموضوعات الأدبية والاجتماعية. ونُشر معظمها عن دار نقش في إدلب، بما في ذلك “البعث السوري (في إعادة بناء سوريا)” و”الأحزاب السياسية في البلدان العربية”، الصادران عامي 2022 و2023 على التوالي.
على الرغم من الاختلافات الأيديولوجية بين الأب وابنه – حيث كان أحمد أكثر إسلاموية من كونه قوميًّا عربيًّا – إلا أن أحمد أقر في مقابلة 2021 بأن والده كان له تأثير كبير عليه، شخصيًّا وفكريًّا. وقال: “القومية العربية تدفع الشخص للقتال من أجل حقوق المظلومين. لديها طبيعة ثورية متأصلة”. واستشهد أيضًا بدور جده في المقاومة ضد الفرنسيين، رغم ملاحظته أن كلا الرجلين ركزا “على الأمة العربية، بينما نحن كحركة إسلامية نوسع نطاق تركيزنا ليشمل الأمة المسلمة بأكملها”. وبينما اختلفت أفكارهما، فإن تأثيرهما تقاطع – خاصة فيما يتعلق بما وصفه بـ”الرغبة العميقة في منزلنا للدفاع عن فلسطين والفلسطينيين”.
في مطلع الألفية، وقعت سلسلة من الأحداث الجسيمة: الانتفاضة الثانية، هجمات 11 سبتمبر/أيلول، والحرب الأمريكية اللاحقة على “الإرهاب”، التي بلغت ذروتها بغزو العراق. وأثارت هذه الأحداث صدى عميق لدى آلاف الشباب في العالم العربي. فاتجه بعضهم إلى الاحتجاجات الجماهيرية، بينما سعى آخرون إلى العمل المسلح. وكان أحمد من المجموعة الأخيرة. فسافر إلى بغداد قبل أسبوعين أو ثلاثة من بدء حرب العراق عام 2003، ثم انتقل إلى الرمادي قبل العودة إلى بغداد عند اندلاع الحرب. وبعد ذلك، عاد لفترة وجيزة إلى سوريا قبل أن يبدأ بعد سنوات قليلة رحلته الثانية الأكثر حسماً – هذه المرة إلى الموصل، حيث قضى معظم وقته، كما روى في مقابلة “فرونتلاين”.
بخلاف تأكيدات الشرع نفسه في مقابلات مختلفة، يقدم الباحثون والكتاب الذين درسوا سنواته الغامضة في العراق روايات متناقضة عن هذه الفترة وتأثيرها على حياته. وتشير تقارير إلى أن رحلته الثانية إلى العراق أوصلته إلى الموصل حوالي 2005. ولا يزال من غير الواضح كيف أصبح عضوًا في تنظيم القاعدة في العراق، وما الدور الذي لعبه في التنظيم آنذاك، وما إذا كان قد انضم للقاعدة قبل تلك الرحلة الثانية. وفي ذلك الوقت، أصبح عضوًا في “مجلس شورى المجاهدين”، كيان نشأ عن القاعدة في العراق وجمع غالبية فصائل المقاومة السنية آنذاك. وقالت المحللة السابقة في وكالة الاستخبارات المركزية نادا باكوس في فيلم مارتن سميث الوثائقي “الجهادي” عام 2021 إن الشرع قاد خلية نشطة تحت قيادة أبو مصعب الزرقاوي، أمير القاعدة في العراق، الذي خرج منه لاحقًا تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، والذي بقي الشرع مرتبطًا به. لكن الشرع نفى في مقابلة مع سميث بشدة أن يكون قد التقى الزرقاوي قط، مستشهدًا بالبعد الجغرافي بينهما، والأهم من ذلك، “بروتوكول الأمن الصارم” الذي اتبعه الزرقاوي، والذي منع مثل هذا اللقاء.
على أي حال، بغض النظر عن الدور الدقيق للشرع آنذاك، اعتقلت القوات الأمريكية شابًا حوالي 2005 كان يحمل بطاقة هوية عراقية ويتحدث بلهجة عراقية لا تشوبها شائبة، مما أقنع المحققين وعملائهم المحليين بأنه عراقي بالفعل. ويذكر الباحثون المتخصصون في الجماعات الإسلامية، بما في ذلك تشارلز ليستر في كتابه “الجهاد السوري” (2015)، أن الشاب كان يُعرف باسم “أوس الموصل”.
في المقابل، ادّعى الباحث الأردني حسن أبو هانيّة، الخبير في الحركات الإسلاميّة، في مقابلة مع “درج” في ديسمبر/كانون الأول 2024، أن الشرع كان معروفًا باسم عدنان علي الحاج. على أي حال، لم يكن المعتقل سوى أحمد الشرع. لم يكن يعرف سوى دائرة ضيقة جدًا أنه سوريّ في الأصل عندما سُجن لأول مرة في سجن أبو غريب العراقي، ثم نُقل إلى معسكر بوكا – وهو منشأة أنشأها البريطانيون في الأصل عام 2003 لاحتجاز أسرى الحرب العراقيين – ثم أخيرًا إلى معسكر كروبر قرب مطار بغداد الدولي. لاحقًا، سلّمته القوات الأمريكيّة إلى العراقيين، الذين احتجزوه في سجن التاجي حتى إطلاق سراحه بعد خمس سنوات من التنقل بين المنشآت المختلفة.
في معسكر بوكا، كان هناك حوالي 10 آلاف معتقل، بينهم تسعة من كبار قادة تنظيم القاعدة في العراق الذين أسسوا لاحقًا تنظيم الدولة الإسلاميّة. في مقابلة مع “فرونتلاين”، قال الشرع إنه حاول في السجن “نشر الفكر الصحيح” بين المحيطين به، معتقدًا أن العديد من المعتقلين يحملون أفكارًا خاطئة حول الإسلام والدفاع والجهاد. وأكد أن منهجيته غير المواجهة اختلفت عن منهجية الآخرين، “العديد منهم كانوا ضباط شرطة سابقين”، في إشارة إلى الجذور البعثيّة العراقيّة لتنظيم الدولة. وقال إن بعض هؤلاء الآخرين حاولوا تحويل السجن إلى “إمارة إسلاميّة”، مما تسبب في الكثير من “التجاوزات التي رفضتها”، مما دفع العديد من السجناء إلى الانتقال إلى جناحه، مبتعدين عن القادة الآخرين.
كان من بين المعتقلين شخصية رئيسة تأثرت بمنهج الشرع في السجن. أُطلق سراحه قبل أربعة أشهر منه وتولى لاحقًا قيادة تنظيم الدولة الإسلاميّة في “المحافظة الشماليّة” في العراق – على الأرجح إشارة إلى نينوى – التي تضم الموصل وما حولها. تحدث عن الشرع لقائد التنظيم آنذاك، أبو بكر البغدادي. عند إطلاق سراحه، كانت أول مواجهة للشرع مع البغدادي، الذي كان على علم بأصوله السوريّة وسمع منه مباشرة عن الخطة للعمل في سوريا. قبل التوجه إلى هناك، استند الشرع – الذي كان يُعرف آنذاك بأبو محمد الجولاني – إلى تجاربه في العراق والسجن. بين عامي 2010 و2011، قبل الربيع العربي، كتب وثيقة من 50 صفحة بعنوان “جبهة النصرة لأهل الشام من مجاهدي الشام في ساحات الجهاد”. تناولت الوثيقة تاريخ سوريا وجغرافيتها وتنوعها الطائفي، وكيف وصلت عائلة الأسد إلى السلطة والاختلافات بين العراق وسوريا من حيث الأحزاب السياسيّة والطائفيّة ودور الإخوان المسلمين، من بين عوامل أخرى. كما حددت استراتيجيات لتجنب الأخطاء التي وقعت في العراق. فُقدت الوثيقة لاحقًا في دمشق.
قبل أن تصل إلى العاصمة السوريّة، أرسل الجولاني الوثيقة إلى البغدادي عبر “والي” المحافظة الشماليّة وطلب اجتماعًا لمناقشة ضرورة الانتقال إلى سوريا. في مقابلة مع سميث، قال الشرع إنه فوجئ بضعف المهارات التحليليّة للبغدادي، وشخصيته الباهتة وبعده عن الميدان. وأشار الشرع إلى أن البغدادي قضى سنوات في سوريا، بعيدًا عن الساحة العراقيّة. قبل عودته إلى العراق، حيث التقاه الشرع أخيرًا، كان غياب البغدادي يعني أنه كان بالكاد معروفًا بين قيادة تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلاميّة.
عند عودة البغدادي، وافق على الفور على مقابلة الجولاني. طلب الجولاني 100 مقاتل لكنه لم يصحبه إلى سوريا سوى ستة. كما طلب دعمًا ماليًا، وقدّمه البغدادي بدفع شهري يتراوح بين 50 ألف و60 ألف دولار لمدة سبعة أشهر تقريبًا. أنفق الجولاني الأموال على شراء عشرات البنادق، معظمها لم يُستخدم. دُفنت وتركت لتتآكل خلال رحلته من العراق إلى سوريا في أواخر عام 2011، بعد أشهر من اندلاع الانتفاضة السوريّة. ستُعيد تلك الرحلة تشكيل كل من الجولاني والبغدادي، وتعيد تعريف ولاءاتهما وتغيّر في النهاية مسار الشرق الأوسط بأكمله.
في 10 ديسمبر/كانون الأول 2024، بعد يومين من سقوط نظام الأسد، عاد الشرع إلى مسجد الشافعي في حيه القديم في المزة، محاطًا بأفراد الأمن العام وشيوخ المسجد وطلابه. دخل وهو يبتسم، تتبعه الكاميرات، تلتقط وجوه الشبان المندهشة – لم يبدو أن هناك أي نساء هناك في ذلك اليوم – وهم يشهدون عودة هذه الشخصيّة السوريّة التي بدت مثل أي مواطن عائد إلى منزله وحيه. كان يعود منتصرًا، بعد أن حقق انتصارًا حلم به العديد من السوريين لمدة 54 عامًا: الإطاحة بأسرة الأسد.
جالسًا في زقاقه القديم ومسجده بين جيرانه وشيوخه، تحدث الشرع عن أهمية المعركة – تحرير سوريا من الأسد بوسائل محليّة وداخليّة، دون الاعتماد على أي دعم أجنبي. كانت معركة فعلت أكثر من مجرد إعادته إلى دياره؛ فقد منعت تفكك العرب السنّة في سوريا، كما قال، في إشارة واضحة إلى الطبيعة الطائفيّة للنظام السابق.
بين أول إعلان علني له – تسجيل صوتي بدون وجه صدر تحت اسم “فاتح أبو محمد الجولاني” في 24 يناير/كانون الثاني 2012 – وهذا الظهور، جالسًا بين جيرانه السابقين على أرض مسجد طفولته مستخدمًا اسمه الحقيقي، تقع رحلة طويلة من التحول والنضال. لم تشمل الرحلة فقط مخاطر الحرب وتغير الفصائل، ولكن أيضًا فرص التجربة والتعلم. انتقل الشرع من كونه أميرًا مغمورًا داخل منظمة سلفيّة جهاديّة في بلد مجاور إلى زعيم سياسي علني لم يعد يخفي طموحه لرئاسة مستقبل سوريا.
كيف إذن انتقل الشرع من أيامه الجهاديّة في 2011، عندما تبنى اسم الجولاني، إلى قيادة سوريا الحاليّة؟
بدأ صعود الجولاني في أواخر عام 2011 بتأسيس جبهة النصرة، المشروع الذي وافق عليه البغدادي وموّله، مما منحها الشرعيّة بين السلفيين الجهاديين.
في سوريا، أسس الجولاني منظمته ضمن دائرة ضيقة – بدءًا من الستة رجال الذين رافقوه من العراق، ثم إضافة رفاق سابقين وآخرين اختارهم شخصيًا وأقسموا له بالولاء في سوريا. قام هؤلاء المجندون بدورهم ببناء شبكات من المقاتلين في جميع أنحاء شمال سوريا وجنوبها وشرقها، وفقًا لمبدأ الثقة والانتقاء الشديد. في 24 يناير/كانون الثاني 2012، أعلن الجولاني عن المجموعة علنًا في خطاب كان نموذجًا للخطاب السلفي الجهادي العالمي. مليء بالخطاب حول الجهاد والشريعة ومحاربة المرتدين، انتشر بسرعة عبر منتديات الجهاديين ووسائل الإعلام. في الخطاب، هاجم الجولاني العلمانيّة وما أسماه “مشاريع الدولة” فيما يتعلق بسوريا، خاصة من قبل دول مثل تركيا، محذرًا من طرقها الماكرة. في ذلك الوقت، لم يكن أحد يعرف أن الصوت وراء الخطاب يعود لأحمد حسين الشرع من حي المزة في دمشق. كل ما كان معروفًا أنه سمى نفسه “فاتح” من الجولان. ربما حتى ذلك الحين، كان الجولاني قد حدد بالفعل هدفه بفتح دمشق نفسها – وليس روما أو كابول، كما كان شائعًا في الأدبيات الجهاديّة.
في ذلك الوقت، رفض معظم النشطاء والسياسيين الثوريين السوريين البيان باعتباره ملفقًا ومن صنع أجهزة مخابرات الأسد، ونفوا وجود جهاديين أو إرهابيين بين صفوف الثوار السوريين. استمر هذا الإنكار، إلى جانب اتهامات بأن النظام نفسه كان مسؤولًا عن العمليات المزعومة اللاحقة للنصرة. ومع ذلك، أصبح من المستحيل إنكار أن جبهة النصرة كانت كيانًا حقيقيًا بعد أن تبنت الهجوم الانتحاري الذي أسفر عن مقتل عشرات المدنيين في ساحة سعد الله الجابري في حلب في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2012. وعندما صنفتها الولايات المتحدة رسميًا كمنظمة إرهابيّة في 11 ديسمبر/كانون الأول 2012، اعترض الكثيرون في أوساط المعارضة السوريّة، ليس بسبب حماسهم للمجموعة، ولكن لأن نظام الأسد لم يُصنف بالمثل.
في دراسته “جبهة النصرة: من التأسيس إلى الانقسام”، التي نُشرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 من قبل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، لاحظ الباحث حمزة المصطفى أنه خلال هذه الفترة، امتنع الجولاني عمدًا عن تقديم النصرة كمشروع حكم لسوريا، ووضعها فقط كقوة مكرسة للدفاع عن “أهل الشام”. ميزها هذا عن الحركات الجهاديّة المماثلة في العراق ومالي. استخدم الجولاني خطابًا جذب آلاف السلفيين الجهاديين السوريين والعرب الآخرين الذين سعوا إلى منظمة أكثر صرامة وهيكلة مقارنة بالفصائل غير المنظمة وغير الأيديولوجيّة والمزمنة نقص التمويل واللامركزية للجيش السوري الحر.
حتى في هذه المرحلة، كان الجولاني يدرك أهمية عدم تنفير السكان المحليين أو تخويفهم. خفضت المجموعة من استخدام الهجمات الانتحاريّة، وفي بعض البيانات، زعمت أنها تأكدت من غياب المدنيين قبل تنفيذها. ومع ذلك، استمرت الاتهامات، خاصة فيما يتعلق بعمليات مثل تفجير مسجد الإمام في مارس/آذار 2013، الذي قتل الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، وهو رجل دين سوري معروف على نطاق واسع محليًا ودوليًا وداعمًا صريحًا لنظام الأسد. أنكرت النصرة مسؤوليتها عن الهجوم، على الرغم من أنه ليس من الواضح ما إذا كان العدد الكبير من الضحايا المدنيين دفعها إلى الإنكار.
رأى الجولاني نفسه مهندس مشروع كبير. تحرك في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، وعقد اجتماعات سرية مع قادة الفصائل الجهاديّة الأخرى لطلب ولائهم. في ذلك الوقت، كانت عمليات النصرة تشبه التدخلات الجراحيّة الدقيقة التي تستهدف أهدافًا محددة، في حين أن الجزء الأكبر من النشاط العسكري للثورة السوريّة نفذته مجموعات الجيش السوري الحر المحليّة. كانت هذه المجموعات مسؤولة بشكل أساسي عن المكاسب الإقليميّة الواسعة للمتمردين في جميع أنحاء سوريا في عام 2012 وأوائل عام 2013.
كانت فصائل الجيش السوري الحر أكثر انتشارًا واستعدادًا لتحمل المخاطر، حتى على حساب خسائر فادحة واستنزاف عسكري طويل الأمد. تطورت النصرة في السنوات التي تلت ذلك، لكن الجولاني ظل مصممًا على تجنب حروب الاستنزاف. تجنب الانتشار المطول على خطوط الجبهة، الذي يتطلب أعدادًا كبيرة من المقاتلين، وامتنع عن نشر قواته على نطاق واسع عبر أراض شاسعة. نادرًا ما اختارت المجموعة البقاء في المناطق المحاصرة، التي كانت تخضع لتكتيكات وحشيّة من النظام، بما في ذلك تقييد توفر الغذاء والدواء والإمدادات الأساسيّة الأخرى. (قال تقرير لمنظمة العفو الدولية في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2017 إن تكتيكات النظام “استسلم أو جوع” تصل إلى جرائم ضد الإنسانيّة). منذ البداية، أعطى الجولاني الأولوية لبناء قوة هجومية نخبويّة شديدة الولاء وفعالة قادرة على التدخل بشكل حاسم لتغيير ميزان القوى على الأرض.
في أبريل/نيسان 2013، خاض الجولاني أكبر صراع له حتى ذلك الحين عندما قررت دولة العراق الإسلاميّة التوسع، مستغلة المرارة الطائفيّة المتزايدة في العراق ومكاسب المعارضة السوريّة – التي استولت في مارس/آذار على معقل النظام في الرقة. أدرك البغدادي أن الجولاني أخذ أموالًا من العراق وبنى منظمته بشكل مستقل في سوريا. ردًا على ذلك، أعلن البغدادي تأسيس الدولة الإسلاميّة في العراق والشام وأعلن حل النصرة. ومع ذلك، رفض الجولاني ذلك وبدلاً من ذلك أعلن ولاءه لتنظيم القاعدة، الذي اعترف به رسميًا كأميره في سوريا. في تلك المرحلة، غادر العديد من الجهاديين العرب والأجانب النصرة للانضمام إلى تنظيم الدولة، بينما سعى الجولاني لمواجهته باللجوء إلى القاعدة. أصبح تابعًا رسميًا لزعيم القاعدة أيمن الظواهري، وهو انتماء كان يُفهم سابقًا فقط من خلال الخطاب والأفعال.
استفاد الجولاني في البداية من تنظيم الدولة، حيث تلقى تمويلًا ودعمًا من البغدادي، فقط ليتحول ضده لاحقًا. كما خسر العديد من الفصائل الجهاديّة التي هجرت قواته بعد أن استغل دعمهم. من أبريل/نيسان 2013 إلى حوالي يوليو/تموز 2014، اختار أن يخفض من نشاطه ويعمق علاقاته مع الفصائل السوريّة لتأمين ولاءات محليّة. في الوقت نفسه، عزز شرعيته الجهاديّة من خلال انتمائه إلى القاعدة بينما وضع نفسه كبديل أكثر “اعتدالًا” للجهاديين المعارضين لتنظيم الدولة. ركز جهوده العسكريّة حصريًا ضد نظام الأسد دون تقديم نفسه كقوة حاكمة أو منافس للفصائل الأخرى. ضمنت استراتيجيته في النهاية بقاء مجموعته في إدلب، بفضل تدخل حركة أحرار الشام، وهي فصيل إسلامي آخر حمى النصرة من المزيد من الاعتداءات من قبل مقاتلي تنظيم الدولة. منع هذا تكرار ما حدث في الرقة وحلب، حيث اجتاح التنظيم قواعد النصرة، مما أدى فعليًا إلى القضاء على وجودها في كلا المنطقتين، كما وثق في دراسة حمزة المصطفى.
في وقت لاحق، ظل الجولاني محايدًا عندما شن الجيش السوري الحر حربًا واسعة النطاق ضد تنظيم الدولة في أوائل عام 2014. اختار عدم الانخراط في المعركة الطويلة والدموية في دير الزور، حيث قاتل فرع النصرة بقيادة ميسر الجبوري (المعروف أيضًا بأبو مارية القحطاني) إلى جانب فصائل أخرى دون تلقي تعزيزات من الجولاني. على الرغم من اتهامات بالتخلي عن أتباعه في شرق البلاد، كان الجولاني يدرك جيدًا أنه لا يستطيع تحمل إضعاف منظمته، حتى على حساب فقدان الوصول إلى موارد النفط التي كانت مصدرًا رئيسيًا للإيرادات في المنطقة الشرقيّة.
بعد هذه الفترة من الانسحاب الاستراتيجي، التي استعادت خلالها النصرة قوتها الماليّة والقوى البشريّة مع القضاء على تهديد تنظيم الدولة، بدأ الجولاني في تقديم نفسه كقوة حاكمة ضمن إطار سلفي جهادي. في 11 يوليو/تموز 2014، انتشر خطاب نُسب إليه، مؤكدًا نية النصرة لإقامة “إمارة إسلاميّة” وتطبيق الشريعة من خلال المحاكم الدينيّة. في اليوم التالي للتسريب، أصدرت المجموعة بيانًا تنكر فيه الإعلان الرسمي عن إمارة إسلاميّة لكنها أكدت التزامها بإقامة واحدة وتطبيق الشريعة. على الفور تقريبًا، شن الجولاني سلسلة من المعارك ضد فصائل الجيش السوري الحر وكذلك ضد الجماعات الإسلاميّة الأقرب أيديولوجيًّا إليه. ومن بين الأخيرة أحرار الشام، التي انقلب عليها رغم دعمها السابق له والدفاع عنه ضد تنظيم الدولة في إدلب. أصبح هذا التحول واضحًا في ما يسمى بـ “حملة ردع الفاسدين” التي أعلنت عنها النصرة في 21 يوليو/تموز 2014. بدأ الجولاني الحملة بشن هجوم على جبهة ثوار سوريا، وهي فصيل من الجيش السوري الحر بقيادة جمال معروف، سعيًا لانتزاع الأراضي تحت سيطرته مع القضاء تدريجيًا على منافسيه.
ما بين عامي 2014 و2016، قام الجولاني بشكل منهجي بتفكيك فصائل الجيش السوري الحر الأخرى في محافظات حلب وإدلب وحماة، بينما خاضت فروع النصرة في درعا وشرق الغوطة وريف حمص حروبًا أمنيّة مليئة بالاشتباكات والاعتقالات والاغتيالات. كثفت المجموعة أنشطتها القضائيّة من خلال محاكم الشريعة، على الرغم من أن قاعدتها الرئيسة بقيت في شمال سوريا، حيث أقام الجولاني نفسه.
بعد أن أسس أساس حكومته البدائية في إدلب، سعى الجولاني إلى اتخاذ خطوة أخرى نحو الحكم الذاتي الكامل والحكم المحلي، متحررًا من التبعية لمنظمة أكبر. استغل غياب الظواهري المطول وفشله في الرد على الرسائل في عام 2016. في 28 يوليو/تموز من ذلك العام، أعلن الجولاني تشكيل هيئة تحرير الشام، منفصلاً رسميًا عن القاعدة ومظهرًا لأول مرة في العلن بعد سنوات من العمل في السر.
بطبيعة الحال، لم يعجب هذا التحرك الظواهري، الذي شعر بالخيانة عند إعادة الاتصال بمقاتليه وأتباعه، كما عبر في رسالة بعنوان “فلنقاتلهم كبناء شديد”، صدرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2017. أدى الانقسام إلى انفصال العناصر الموالية للقاعدة عن الجولاني، مشكلين مجموعة تسمى “حراس الدين” في 28 فبراير/شباط 2018. ضمت هذه الفرع الجديد للقاعدة شخصيات سابقة بارزة في النصرة مثل سامي العريدي، المسؤول السابق عن الشريعة في النصرة، وقسام الأردني، القائد العام السابق لها، وأبو جليبيب الأردني، القائد السابق لفرعها في جنوب سوريا.
خسر المتمردون السيطرة على شرق حلب في نهاية عام 2016، تحت القصف الجوي الروسي المكثف، بعد بضعة أشهر فقط من إعلان الجولاني. بعد ذلك بوقت قصير، قام الجولاني بتحول آخر نحو تعزيز الحكم المحلي وعرض صورة أكثر اعتدالًا. في 28 يناير/كانون الثاني 2017، أعلن تشكيل هيئة تحرير الشام (HTS)، وهي في البداية تحالف بين عدة فصائل، بما في ذلك هيئة تحرير الشام. على الرغم من أنه لم يكن قائدها الرسمي، ظلت منظمته القوة المهيمنة فيها. أدرك أن وجود منظمة أساسية قوية كان أمرًا بالغ الأهمية، حيث يمكنها السيطرة بشكل فعال على أي تحالف أوسع – حتى بدون كونه رئيسها الرسمي.
واحدة تلو الأخرى، بدأت الفصائل التي انضمت إلى هيئة تحرير الشام في التصدع، واستهدف الجولاني تلك التي لم تندمج بالكامل، وقضى تدريجيًا على معظمها. حدث هذا بالتزامن مع الحملات العسكريّة الإيرانيّة الروسيّة، التي قضت بحلول نهاية عام 2018 على جميع جيوب المعارضة المتبقية خارج شمال سوريا، مما جعل إدلب وريف حلب أكثر جاذبية كمركز للحكم للجولاني.
طوال هذا الصراع على السلطة، اشتبكت النصرة مع فصائل الجيش السوري الحر الأخرى في كل من هذه الجيوب. أضعف هذا دفاعات المعارضة، مما عجل بسقوط الفصائل غير الجهاديّة التي تقاتل الأسد. سبقت الاشتباكات الداخليّة العنيفة هزائم رئيسيّة مثل سقوط شرق حلب في ديسمبر/كانون الأول 2016 وشرق الغوطة في مارس/آذار 2018 وجنوب إدلب وشمال حماة خلال الهجوم الروسي 2019-2020. في الفترة التي سبقت هذه النكسات، لعبت النصرة (ولاحقًا هيئة تحرير الشام) دورًا مباشرًا في استهداف فصائل المعارضة. شنت هجومًا على اتحاد فصائل “فاستقم كما أمرت” – وهو فصيل من الجيش السوري الحر في حلب – وسهلت دخول تنظيم الدولة إلى مخيم اليرموك في أبريل/نيسان 2015. اقترح تقرير لمؤسسة كارنيغي نُشر في نفس الشهر أن هذه المناورة أفادت في النهاية نظام الأسد، لأن تنظيم الدولة كان يميل إلى تجنب المواجهة المباشرة معه.
في وقت لاحق، قال مصادر داخل النصرة لـ”الشرق الأوسط” في أبريل/نيسان 2016 أن انسحابهم كان يهدف إلى تعزيز جبهتهم الشماليّة. بحلول نهاية عام 2015، كان الجولاني قد سحب معظم مقاتليه من جنوب سوريا، بعد أن استنتج أن معركة ضد فصائل المعارضة المنافسة هناك ستنتهي حتمًا بالهزيمة.
كان الصراع الرئيس للجولاني مع أكبر منافس عسكري وأيديولوجي له في إدلب، أحرار الشام. خضعت هذه المجموعة لتحولات حاسمة لكنها مترددة وغير متسقة، ترددت بين البقاء مخلصة لجذورها السلفيّة والانحياز أكثر إلى القوى الثوريّة والجيش السوري الحر. عندما اتخذت قرارها أخيرًا في يوليو/تموز 2017، برفع علم الثورة السوريّة والتحالف علنًا مع فصائل الجيش السوري الحر لإدارة المناطق المحررة، رأى الجولاني في ذلك تهديدًا مباشرًا لمشروعه. شن هجومًا سريعًا وناجحًا على المجموعة، واستولى على معبر باب الهوا الحدودي في 23 يوليو/تموز 2017. كان هذا بداية حكمه في إدلب، حيث أسس لاحقًا “حكومة الإنقاذ” في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2017.
استمرت الصراعات بين الجولاني والفصائل الأخرى لسنوات، خاصة بين عامي 2017 و2019، حيث أعادت الفصائل المنافسة تنظيم نفسها مرارًا في تحالفات جديدة لتحديه. رأوا في مشروعه معادٍ للثورة وأهدافها. انعكس هذا الشعور في العديد من تصريحات المجلس الإسلامي السوري والنشطاء الثوريين وكذلك في هتافات مناهضة لهيئة تحرير الشام من قبل المتظاهرين في ريفي حلب وإدلب من 2017 حتى قبل بدء العملية التي أطاحت بالأسد – المسماة “عملية ردع العدوان” – في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024. في مناسبات عديدة، بدأ الجولاني نفسه مثل هذه المواجهات لتبرير القضاء على خصومه والاستيلاء على أسلحتهم وترسيخ هيمنته.
في عام 2018، خاضت هيئة تحرير الشام معاركها الأخيرة ضد فصائل المعارضة المتبقية. أولاً، اشتبكت مع جبهة التحرير السوريّة، وهو تحالف بين أحرار الشام وحركة نور الدين الزنكي. ثم جاءت مواجهتها الأخيرة مع الجبهة الوطنيّة للتحرير، التي وحدت فصائل ثوريّة أخرى في إدلب. استمرت المعارك لشهور بين هيئة تحرير الشام وحركة الزنكي في ريف حلب الغربي، مما جعلها واحدة من أكثر الصراعات دموية لكلا الجانبين. عندما حقق الجولاني النصر في يناير/كانون الثاني 2019، عزز سيطرته على إدلب وقوّى سلطة حكومة الإنقاذ، ذراعه المدنيّة والجهة الحاكمة الفعليّة في المنطقة. كانت مؤسساتها شبه الرسميّة تتمتع بنفوذ عملي على الوظائف الإداريّة للمحافظة، على عكس الحكومة السوريّة المؤقتة التي كانت مرتبطة بتحالف أوسع من جماعات المعارضة.
ومع ذلك، لم يحقق انتصار الجولاني الهدوء لفترة طويلة. بدأ الهجوم الروسي الإيراني المشترك على إدلب وريف حلب وحماة بعد ذلك بوقت قصير، مما أدى إلى خسارة المتمردين لنحو نصف أراضيهم. استقرت خطوط الجبهة في النهاية بموجب اتفاق سوتشي بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في مارس/آذار 2020، مما أدى إلى هدنة دائمة.
كان اتفاق سوتشي فرصة للجولاني لوضع رؤية لبناء الدولة، باستخدام إدلب كنموذج مصغر أو ساحة اختبار لصقل مهاراته في الحكم. شهد هذا التحول، الذي يمكن تسميته “مرحلة الحكم”، تشبيه هيئة تحرير الشام تحت قيادة الجولاني بمنظمة التحرير الفلسطينيّة في سعيها لتحقيق الدولة – على حد تعبير يزيد صايغ في كتابه عام 1997 “الكفاح المسلح والبحث عن الدولة”. في ذلك الوقت، عملت هيئة تحرير الشام بعقلية بناء دولة مصغرة في إدلب، متخيلة إياها كنموذج أولي لسوريا. وكما كتب صايغ، “يحدد البحث عن الدولة صياغة الأهداف، وصياغة الاستراتيجيات، واختيار الهياكل التنظيميّة، وسياسات داخليّة خلال جزء كبير من النضال السابق”. يؤكد صايغ أنه يمكن فهم منظمة التحرير الفلسطينيّة على هذا النحو كـ”فاعل دولة” على الرغم من عدم امتلاكها “سلطة سياديّة على إقليم وسكان متميزين”. على عكس منظمة التحرير الفلسطينيّة، امتلكت هيئة تحرير الشام بالفعل الأرض والقوة المسلحة. بدا أن الجولاني ينظر إلى إدلب كتجربة للانتقال من منظمة مسلحة إلى دولة حاكمة.
خلال مرحلة الحكم هذه والهدوء النسبي في إدلب، بدأ الجولاني يظهر أكثر في العلن، يمشي بين الناس، يزور الأسواق ويجتمع مع الأعيان والنشطاء المحليين. استمدت الحكومة شرعيتها القانونيّة من مؤتمر عُقد في سبتمبر/أيلول 2017 – بعد شهرين من هزيمة أحرار الشام – حضره نشطاء وأكاديميون وأعيان محليون. عين المؤتمر لجنة تأسيسية سمّت محمد الشيخ أول رئيس لحكومة الإنقاذ في نوفمبر/تشرين الثاني 2017. ومع ذلك، ظل الجولاني صانع القوة الرئيس خلف الكواليس.
رافق هذا التحول تحول اجتماعي أوسع، سعى فيه الجولاني إلى تعزيز صورة هيئة تحرير الشام وصورته الشخصيّة. أنشأ شبكات تربط المجموعة بالمجتمع المحلي، تاركًا مجالًا للتأثير العام في تشكيل سلوك هيئة تحرير الشام وخطابها نحو نهج أكثر اعتدالًا وتجذرًا محليًا. شهدت هذه المرحلة ظهور طموحاته السياسيّة، وسعيه للاعتراف والشرعيّة الخارجيّة، وجهوده لتوحيد القوات العسكريّة. استمرت عملية تهميش أكثر فصائل هيئة تحرير الشام تشددًا، إلى جانب تخفيف تدريجي لـ”الحسبة” (تطبيق القانون الإسلامي) وأشكال أخرى من القيود الاجتماعيّة – وإن لم يتم إلغاؤها بالكامل. بصرف النظر عن القمع الوحشي للمظاهرات التي نظمتها حزب التحرير وأنصار حراس الدين بين عامي 2020 و2024، تعاملت هيئة تحرير الشام بشكل عام مع المظاهرات الشعبيّة بقدر نسبي من ضبط النفس، خاصة تلك التي سبقت عملية ردع العدوان الحاسمة. ومع ذلك، لا تزال هناك حالات قمع خلال نفس الفترة. مما لا شك فيه، أن جاذبية الاعتدال والقبول المحلي والاعتراف الخارجي لعبت دورًا أكبر بكثير في تحول الجولاني إلى الزعيم أحمد الشرع مما يمكن أن تفعله أي جاذبية متبقية للشرعيّة السلفيّة الجهاديّة.
واجه الخطاب المتغير للمجموعة المعروفة باسم جبهة النصرة، ثم هيئة تحرير الشام، رد فعل عنيف من الحركة السلفيّة الجهاديّة. ومع ذلك، أظهر الجولاني قدرة ملحوظة على الحفاظ على التماسك الداخلي. كان يتصدى باستمرار لأي تحول في السياسة داخل منظمته من خلال تقديم تغييرات خطابيّة أولاً على المستوى الشعبي، يليها تحول في الخطاب العلني، وأخيراً تنفيذ تغييرات عمليّة في السلوك والحكم. سمح هذا الأسلوب بتحكم دقيق في الأعضاء في كل مرحلة، وهو انضباط أصبح واضحًا بشكل خاص خلال الانتقال إلى الحكم الوطني بعد سقوط النظام وإدارة تنوع المجتمع السوري في الأراضي المكتسبة حديثًا.
يكشف تحليل منهج الجولاني في محاربة وتفكيك الفصائل المنافسة، وكذلك تعامله مع الاحتجاجات الشعبيّة ضده، الكثير عن استراتيجية إدارة الصراع التي صقلها لمعركته الكبرى الأخيرة ضد النظام.
لم يكن الجولاني عادةً متعطشًا للدماء تجاه خصومه. فضل حل الصراعات من خلال الاتفاقيات، تحييد بعض الفصائل بينما واجه أخرى، معتمدًا أكثر على التهديد باستخدام القوة من استخدامها الفعلي – إلا عندما كانت سيطرته مهددة مباشرة. كان هذا واضحًا في تعامله مع حركة الزنكي في ريف حلب الغربي، ولواء صقور الشام في جبل الزاوية، وحتى المتظاهرين في معرة النعمان. استخدم استراتيجية مماثلة خلال عملية ردع العدوان: حيث حطم استخدامه للقوة المركزية خطوط جبهة النظام، مما تسبب في صدمة وشلل مكّن من سلسلة من الصفقات والتحييدات والتسويات، مما أدى في النهاية إلى الإطاحة بالنظام بأقل قدر من إراقة الدماء.
نفذ الجولاني أيضًا تحولات كبيرة بدرجة عالية من البراغماتيّة دون فقدان قاعدته المحليّة، أو على الأقل ليس غالبيتها. على الرغم من حدوث العديد من حالات الانشقاق – أهمها انشقاق الموالين للقاعدة الذين شكلوا لاحقًا حراس الدين – إلا أنه تمكن من التغلب على مثل هذه التحديات. ومع ذلك، تم موازنة براغماتيته وخطابه المعتدل خارجيًا بقمعه الحاسم للمجموعات الأقرب إلى مساحته الأيديولوجيّة – خاصة تلك التي تُنظر إليها على أنها منافسة على الشرعيّة والتجنيد.
الآن، بينما يتحول الشرع نحو خطاب ما بعد الثورة، يواجه تحدي كبح غريزته في القضاء على الفصائل التي تشاركه نفس الخطاب. وتشمل هذه المجموعات التي عارضته – وفي بعض الحالات، سبقته – حتى وهي تعلن نفس الأهداف الثوريّة. ومع ذلك، يتمتع الشرع برأس مال سياسي لا يمكن إنكاره، بعد أن قاد القوات التي هزمت في النهاية نظام الأسد بعد أكثر من نصف قرن من الترسخ.
ليلى الرفاعي[1]
أحمد أبو زيد[2]
28 فبراير 2025
المصدر:
https://newlinesmag.com/essays/the-multiple-identities-of-syrias-new-leader/
[1] – كاتبة وباحثة سورية متخصصة في الشؤون الدينية
[2] – كاتب وباحث سوري متخصص في الدراسات السورية والحركات المسلحة
