المقاتلون الأجانب في سوريا ما بعد الحرب: بين الإدماج والاستغلال والانهيار المؤسسي

في خضم هذه المرحلة المضطربة بين الحرب والسلام، تواجه سوريا سؤالاً يمسّ جوهر السيادة الوطنية والتماسك الاجتماعي والشرعية المؤسسية: ما العمل مع آلاف المقاتلين الجهاديين الأجانب الذين لا يمكن طردهم ولا تجاهلهم؟ أثارت الخطوة الأخيرة لدمج ما يقارب 3500 من هؤلاء المقاتلين – وأبرزهم من الحزب الإسلامي التركستاني ذي الأغلبية الأويغورية – في فصيل عسكري جديد نقاشات سياسية وأخلاقية وأمنية حادة. فبينما يرى البعض في هذا حلاًّ عمليًّا للمقاتلين المتمرسين الذين لا يملكون خيار العودة إلى أوطانهم، يرى آخرون في هذا الحل تسوية خطيرة قد تقوض أسس سوريا الهشة.
تكشف هذه المعضلة نضال سوريا الأعمق لتحديد هويتها بعد سنوات من الصراع؛ فهل يعد الإدماج خطوة ضرورية نحو الاستقرار، أم إنه يخاطر بمأسسة القوى ذاتها التي أججت الحرب؟ يحمل هذا القرار تداعيات تتجاوز بكثير إعادة تنظيم الجيش، فهو يختبر قدرة سوريا ما بعد الحرب على تجاوز انقساماتها والتحرر من منطق الفصائل المسلحة. ومع مراقبة القوى الإقليمية والدولية عن كثب، قد يحدد مصير هؤلاء المقاتلين ما إذا كانت إعادة إعمار سوريا ستؤدي إلى استقرار حقيقي أم أنها ستمهد الطريق لصراع مستقبلي.
تتعدى المخاطر الحدود: فبينما تسعى سوريا لاحتواء ماضيها، قد تشكل، دون قصد، بذور مستقبلها – مستقبل تتلاشى فيه الخطوط الفاصلة بين الجيش الوطني والتطرف العابر للحدود الوطنية بشكل خطير. لا يقتصر الأمر على استيعاب هؤلاء المقاتلين في صفوف جيشها، بل يتعلق أيضاً بنوع الدولة التي تنوي سوريا أن تجسدها في المستقبل.
الإدماج كمرآة للقوة وليس للمبادئ
يستهلّ إياد الجعفري النقاش بكشف ما يراه انحيازاً مبدئياً من كلا الطرفين. وفقاً للجعفري، نادراً ما ترتكز الحجج المؤيدة والمعارضة لدمج المقاتلين الأجانب على جوهر السياسة نفسها، بل هي انعكاسات لمواقف سابقة تجاه السلطة الحاكمة. غالباً ما يدافع مؤيدو الإدماج عن الخطة انطلاقاً من انحيازهم لإدارة الرئيس أحمد الشرع، بينما يعارضها المنتقدون أساساً لعدم ثقتهم بنوايا السلطة على المدى البعيد.
لا يرى الجعفري في هذا التطور تحولاً جذرياً، بل امتداداً للواقع القائم. ويجادل بأن الفيلق القتالي للجيش السوري الجديد يضم بالفعل آلاف المقاتلين السوريين المتشبعين بالأيديولوجية الجهادية، وقد قاتل الكثير منهم إلى جانب وحدات أجنبية. إن التركيز حصرياً على الأجانب أو تطرف مقاتلي الأويغور، مع تجاهل التداخل الأيديولوجي مع الوحدات المحلية، هو إغفال للديناميكيات الأوسع للظاهرة. علاوة على ذلك، يشير الجعفري إلى السوابق التي أرستها هيئة تحرير الشام بنجاحها في احتواء الجهاديين الأجانب وإعادة توظيفهم منذ عام 2017 كأساس ترتكز عليه سياستها الحالية، ويرى أن القلق الأعمق ليس في الخطر الأيديولوجي بحد ذاته، بل في كيفية استغلال النظام لهؤلاء المقاتلين – سواء كأدوات قمع في الداخل أو كأوراق مساومة على الساحة الدولية.
أساس زائف للانتماء إلى الدولة
في حين أن نقد الجعفري سياسي وسياقي، يلقي مالك الحافظ بظلال أكثر قتامة على تداعيات الإدماج، محذراً من اضطراب وجودي في صميم بناء الدولة. يرى الحافظ أن قرار إدماج المقاتلين الأجانب ليس مجرد إجراء أمني، بل هو فعل تأسيسي يهدد بتفكيك فكرة الدولة السورية كمؤسسة وطنية ومدنية.
يحذر الحافظ من أن هذه الخطوة تطمس الخط الفاصل بين الدولة القومية والمشروع الجهادي العابر للحدود الوطنية، مستبدلة مفهوم الجيش الوطني الموحد بما يسميه “تعايشاً قسرياً بين سرديات متناقضة”. من جهة، هناك المواطن الجندي السوري الساعي لاستعادة دولة ذات سيادة؛ ومن جهة أخرى، هناك مسلح أجنبي ولاؤه لأمة مجردة لا تقيدها الجغرافيا. ويخشى أن النتيجة لن تكون تماسكاً مؤسسياً، بل “أمننة متفجرة” – ترتيب هش يرسخ الصراع المستقبلي في قلب بنية الدولة.
مستشهداً بأعمال منظرين أمنيين مثل باري بوزان وأولي ويفر، يحذر الحافظ من أن الدول الخارجة من حروب أهلية غالباً ما تتبنى سياسات أمنية استثنائية تبرر دمج الأعداء السابقين على المدى القصير كضرورة واقعية. لكن هذه الترتيبات، كما يجادل، نادراً ما تفضي إلى الاستقرار، بل إنها تُحدث شروخاً مؤسسية تؤدي إلى انهيار داخلي أو حالة شرذم أو تمرد.
السياسة الواقعية للاحتواء
يقدم أوغيد حجازي سرداً أكثر تفصيلاً، مستنداً في تحليله إلى التطورات الأخيرة والحسابات الدولية. يؤكد حجازي، مستشهداً بتقرير لوكالة رويترز، أن الولايات المتحدة، بعد تردد طويل، وافقت على دمج المقاتلين الأجانب في الجيش السوري، شريطة أن تظل العملية شفافة ومحدودة. ويقال إن توماس باراك، المبعوث الخاص لإدارة ترامب إلى سوريا، أيد الخطة انطلاقاً من منطق مفاده أن وجود هؤلاء المقاتلين المتمرسين في القتال داخل جهاز الدولة أفضل من بقائهم خارجه، حيث قد ينضمون مجدداً إلى جماعات مثل داعش أو القاعدة.
يطرح حجازي الخطة كشكل من أشكال الاحتواء الواقعي، لا تشكله الأيديولوجية بقدر ما تمليه الضرورة الجيوسياسية. ويشير إلى أن العديد من هؤلاء المقاتلين هم في الواقع عديمو الجنسية، ترفض بلدانهم الأصلية، وخاصة الصين، إعادتهم إلى أوطانهم، ويشكل استمرار وجودهم في وضع غير مستقر خطراً أمنيًّا طويل الأمد. ويرى الرئيس الشرع أن دمجهم ليس فقط وسيلة لإدارة هذا الخطر، بل أيضاً لاستغلال قدراتهم العسكرية في خدمة الجيش السوري المعاد تشكيله.
مع ذلك، لا يستبعد حجازي المخاطر المحتملة. ويستشهد بالخبير العسكري العميد حسن جوني، الذي يعرب عن قلقه العميق إزاء ضم مقاتلين تصنفهم الصين إرهابيين، محذراً من أن مثل هذه الخطوة قد تزعزع شرعية القوات المسلحة وتوتر العلاقات الدولية، لا سيما مع بكين. كما يخشى جوني من أن دمج الجهاديين الملتزمين أيديولوجياً في جيش مكلف بالحفاظ على الوحدة الوطنية قد يتسبب في مشاكل أكثر مما يحلها، خاصة إذا ظل ولاؤهم للدولة السورية ضعيفاً أو مشروطاً.
بين الضرورة والتراجع
تقدم هذه التحليلات مجتمعة صورة قاتمة لتناقضات سوريا ما بعد الحرب. يرى الجعفري أن دمج المقاتلين الأجانب لا يشكل قطيعة مع الماضي، بل هو استمرار لمنطق القوة الذي أرسته هيئة تحرير الشام، والذي أعادت الحكومة الانتقالية توظيفه. ويرى حافظ أنه خطأ أساسي قد يقوض بناء نظام مدني حقيقي. ويقدم حجازي هذه السياسة كضرورة ملحة، وحل وسط ناتج عن استحالة العودة إلى الوطن والخوف من تجدد التمرد.
ما يجمع هذه الرؤى هو إدراك مشترك بأن العملية الانتقالية في سوريا ما بعد الصراع لا تحدث في فراغ، بل تتكشف تحت وطأة التوقعات الدولية، والتنافسات الإقليمية، والانقسامات الأيديولوجية، والنسيج الاجتماعي الممزق. إن دمج المقاتلين الأجانب ليس مجرد مسألة إصلاح عسكري، بل هو اختبار حاسم لنوع الدولة التي تتجه إليها سوريا: جمهورية مدنية، أم هجين ثيوقراطي، أم مشروع استبدادي هش في ثوب جديد.
الخطر الحقيقي، كما يشير الكتّاب الثلاثة، كلٌّ بطريقته الخاصة، لا يكمن ببساطة في تمرد هؤلاء المقاتلين، بل يكمن الخطر الأعمق في أن يرسخ إدماجهم منطق الاستثناء والإكراه والغموض الأيديولوجي في قلب المؤسسات السورية الناشئة. وفي محاولتها احتواء الماضي، قد تكون سوريا تحتضن بذور انهيارها القادم.
إن دمج المقاتلين الأجانب في نظام ما بعد الحرب في سوريا ليس مجرد تنازل تكتيكي، بل هو خيار حاسم ذو عواقب بعيدة المدى. وبينما قد تقتضي البراجماتية دمجهم لمنع المزيد من عدم الاستقرار، فإن المخاطر جسيمة: تآكل الهوية الوطنية، وترسيخ الانقسامات الأيديولوجية، واحتمال نشوب صراع مستقبلي داخل الدولة نفسها.
تقف سوريا عند مفترق طرق. هل ستبرز كدولة متماسكة، أم ستبقى مقيدة بمنطق الاستثناء العسكري، حيث يتغلب الأمن على السيادة؟ تعكس النقاشات الدائرة حول هؤلاء المقاتلين صراعاً أعمق – ليس فقط حول مصيرهم، بل حول شكل سوريا التي ستنهض من رماد الحرب.
يراقب العالم الأوضاع عن كثب، فالنتيجة سيتردد صداها أبعد من حدود سوريا. وإذا استرشدنا بالتاريخ، فإن مأسسة الفصائل المسلحة نادراً ما تؤدي إلى سلام دائم. بل إنها تخاطر بإدامة دورات العنف تحت ستار من النظام. لذا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في مجرد احتواء هؤلاء المقاتلين، بل في مواجهة التصدعات العميقة التي قد يُحدثها وجودهم. فمن دون مصالحة ومساءلة ورؤية واضحة للانتماء المدني، قد لا تكون إعادة إعمار سوريا سوى وهم هش – وهم قابل للانهيار عند اختباره.
المصدر:
https://syrianobserver.com/security/the-view-from-damascus-foreign-fighters-in-post-war-syria-between-integration-instrumentalization-and-institutional-collapse.html
