تقارير ودراسات

المعركة الحاسمة بين تركيا وإسرائيل حول سوريا

لدى أردوغان ونتنياهو دوافع دفاعية وهجومية للقتال في سوريا

كيف نفهم القتال الدائر في سوريا بين الحكومة المركزية في دمشق وخصومها الكثيرين، بما في ذلك العلويون والأكراد والدروز والجيش الإسرائيلي؟

خلال ربع القرن الأول من استقلالها، 1946-1970، كانت الدولة السورية الضعيفة بمثابة ساحة معركة للعديد من جيرانها الأقوياء لإبراز طموحاتهم، وهو مأزق لخصه عنوان كتاب شهير بعنوان “الصراع على سوريا”. اختفى هذا الصراع خلال أربعة عقود من حكم حافظ وابنه بشار الأسد، ليعود للظهور خلال الحرب الأهلية ما بين عامي 2011 و2004، ثم يبلغ ذروته بعد الإطاحة ببشار في ديسمبر / كانون الأول 2024.

كادت الإطاحة ببشار أن تقضي على دور إيران كفاعل في سوريا، تاركة تركيا وإسرائيل المتقاتلين الخارجيين الرئيسيين. وعلى الرغم من أن السوريين هم الأطراف الرئيسية في الصراع، فإنهم في الواقع بمثابة وكلاء لحكومتي هاتين الدولتين الجارتين الأقوى.

يواجه كل من تركيا وإسرائيل ثلاثة مخاطر رئيسية في سوريا.

لنبدأ بأنقرة ورجلها القوي، رجب طيب أردوغان، الذي يحكم البلاد منذ عام 2002. أدى اندلاع الحرب الأهلية السورية عام 2011 إلى تسجيل نحو 3.1 مليون سوري كلاجئين في تركيا، بالإضافة إلى ما يقدر بمليون لاجئ غير مسجلين. وقد أدى وجودهم إلى تزايد الاستياء والتوتر. وبناءً على ذلك، أشرف أردوغان على إغلاق الحدود الممتدة لنحو 566 ميلاً بحلول عام 2017 لثني المزيد من اللاجئين عن النزوح. ومن شبه المؤكد أن استمرار القتال في سوريا سيفضي إلى عبور المزيد من السوريين إلى تركيا، وسيسبب المزيد من المشاكل لأنقرة.

ثانياً، يخشى المسؤولون الأتراك من أن يشكل تفتيت سوريا إلى كيانات عرقية مستقلة نموذجًا أوليًّا لبلادهم. ويتعلق هذا الخوف أساساً بالأكراد، الذين يسيطرون بالفعل على مناطق حكم ذاتي في العراق وسوريا، ولكنه قد يمتد إلى آخرين، مثل العلويين والمتحدثين بالعربية.

ثالثاً، ولسوء حظ أردوغان، فإن وجود الجمهورية التركية الممتد لقرن، بما ورثته من مؤسسات ومعاهدات، يقيد حريته في التصرف. لذلك، يرى في وكيله، هيئة تحرير الشام، أداة لشن جهاد عدواني، وخاصة ضد إسرائيل. إلا أنه يحتاج إلى حكومة مركزية قوية في دمشق؛ فحكومة ضعيفة تقوض طموحاته الجهادية.

بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل المتقطع منذ عام 1996، لديه أيضاً ثلاث مصالح رئيسة في سوريا؛ أولها مواجهة الأهداف التركية وإقامة دولة جهادية سورية. ما دامت دمشق منشغلة بقتال شعبها، فلن تتمكن من إثارة المشاكل في الخارج.

ثانياً، على نتنياهو التزام أخلاقي وسياسي تجاه 140 ألف مواطن درزي في إسرائيل. عندما يتهم عميد متقاعد من جيش الدفاع الإسرائيلي، وهو درزي، الزعيم السوري بالسعي إلى “إبادة الدروز”، لا يمكن للقدس تجاهله، ناهيك عن تجاهل نحو ألف درزي إسرائيلي اخترقوا الحدود مع سوريا لحماية إخوانهم. إضافة إلى ذلك، لا يصوت الدروز في إسرائيل كمجموعة، بل كأفراد، لذا يسعى رئيس الوزراء غريزياً إلى كسب دعمهم في الانتخابات.

أخيراً، ألحق الهجوم الإسرائيلي الأمريكي المشترك في يونيو/ حزيران 2025 أضراراً بالغة بالبرنامج النووي الإيراني، لكنه لم يدمره، لذا قد ترغب إسرائيل مجدداً في إرسال طائراتها الحربية لتحلق في سماء سوريا. ستفضل إسرائيل حينها أن تبقى الحكومة السورية ضعيفة وغير قادرة على السيطرة على مجالها الجوي.

في غضون ذلك، يبدي كل من روسيا، راعي تركيا (نعم، على الرغم من عضويتها في حلف الناتو)، والولايات المتحدة، راعي إسرائيل، استياءه من تصرفات عميله. يعطي فلاديمير بوتين الأولوية للاحتفاظ بالقواعد الجوية والبحرية الروسية في سوريا، لذا فإن ضعف الحكومة المركزية في دمشق يخدم مصالحه. على الجانب الآخر، التقى دونالد ترامب بوكيل الرئيس التركي في دمشق [الشرع] وأيده؛ ووجه المبعوث الأمريكي إلى سوريا نداءات عاجلة لإنهاء القتال؛ ووصف مسؤول في البيت الأبيض نتنياهو بأنه يتصرف “كالمجنون”. مع ذلك، حتى الآن، يبدو تأثير هؤلاء الرعاة محدوداً.

استنتاجان: ما بدا قبل نصف عام فرصة تركية في سوريا يبدو الآن بمثابة فرصة إسرائيلية، وما سيأتي بعد ذلك بالنسبة لسوريا ستحدده إلى حد كبير القرارات المتخذة في أنقرة والقدس.

الكاتب: دانيال بايبس

https://www.meforum.org/mef-observer/the-momentous-turkish-vs-israeli-battle-over-syria

زر الذهاب إلى الأعلى