المتطرفون المراهقون يشكلون تهديداً متنامياً في الغرب

أصبح المتطرفون في أوروبا أصغر سنًّا، وتواجه السلطات صعوبة في العثور عليهم.
في الأشهر الأخيرة، تم القبض على العشرات من المراهقين الذين لا تتجاوز أعمارهم 14 عاماً في جميع أنحاء أوروبا بتهمة التخطيط لهجمات ضد حفلات موسيقية ومراكز تسوق وأماكن عبادة.
أُلقي القبض على فتاة تبلغ من العمر 14 عاماً من الجبل الأسود في النمسا في مايو/ أيار من العام الماضي بتهمة التخطيط لهجوم على “الكفار”. وصادرت الشرطة فأساً وسكيناً ومواد دعائية لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من منزلها. وأفادت السلطات النمساوية بأن فتاة أخرى تبلغ من العمر 14 عاماً أُلقي القبض عليها في فبراير/ شباط بتهمة التخطيط لهجوم على محطة قطار.
تم إلغاء ثلاث حفلات لتايلور سويفت في فيينا العام الماضي بعد إلقاء القبض على ثلاثة مشتبه بهم تتراوح أعمارهم ما بين 17 و19 عاماً بتهمة التآمر على ما وصفته وكالة الاستخبارات المركزية بمؤامرة “متطورة” كان من الممكن أن تقتل المئات.
ينجذب الشباب بشكل متزايد إلى مجتمعات الإنترنت التي تنشر الآراء المتطرفة ونظريات المؤامرة والعنف. وفي حين أن الولايات المتحدة لطالما عانت من مشكلة إطلاق النار في المدارس، فإن التهديد المتزايد للمراهقين المتطرفين في أوروبا يأتي في المقام الأول من الإسلاميين.
وراء أزمة التطرف بين المراهقين تكمن مجموعة من العوامل: انتشار غير مسبوق للدعاية المتطرفة، والذي تسارع جزئياً بفضل الذكاء الاصطناعي؛ والسيطرة القوية على الشباب من خلال وسائل التواصل الاجتماعي مثل تيك توك، مع وسائل متطورة بشكل متزايد للاحتفاظ باهتمام المستخدم؛ وأحداث مثل حرب غزة، التي أصبحت لحظة سياسية حاسمة ومؤلمة لجيل يكتسب الوعي السياسي.
بحسب بيتر نيومان، أستاذ دراسات الأمن في كينجز كوليدج لندن، فإن المراهقين شكلوا ثلثي المتطرفين الإسلاميين الستين الذين تم اعتقالهم بتهم الإرهاب في مختلف أنحاء أوروبا في الأشهر الثمانية الأولى بعد بدء حرب غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
يشكل اليمين المتطرف الشاب في أوربا تهديداً متزايداً أيضاً. في يناير/ كانون الثاني، اعتقلت الشرطة البلجيكية فتى يبلغ من العمر 14 عاماً، مؤمن بأفكار النازية الجديدة، للاشتباه في تخطيطه لهجوم على مسجد.
ثلث قضايا الإرهاب البلجيكية ما بين عامي 2022 و2024 شملت قاصرين. في بريطانيا، ما يقرب من واحد من كل خمسة مشتبه بهم بالإرهاب هم أطفال. انخفضت الاعتقالات المتعلقة بالإرهاب في جميع الفئات العمرية في المملكة المتحدة خلال الجائحة باستثناء واحد: الأطفال.
وقال توماس رينارد، مدير المركز الدولي لمكافحة الإرهاب في لاهاي، إن “الجديد هو عدد الشباب المتورطين بشكل مباشر في التخطيط لهجمات عنيفة، وهذا يشمل أفراداً صغار السن للغاية”.
ويقول الخبراء إن جميع المتطرفين الشباب تقريباً تحولوا إلى التطرف عبر الإنترنت، مما يجعل من الصعب على السلطات اكتشافهم.
خلال السنوات الخمس الماضية، نفذت مجموعات منفردة 93% من الهجمات الإرهابية المميتة في الغرب وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام. وقد سرّع الإنترنت من وتيرة التطرف. فوفقاً لمؤشر الإرهاب العالمي الصادر عن المعهد، كان الشخص يستغرق 16 شهراً في المتوسط للتحول إلى التطرف في عام 2002. وفي عام 2015، انخفضت هذه المدة بنسبة 40%. أما اليوم، فقد لا يستغرق الأمر سوى بضعة أسابيع.
على الإنترنت، تتقلب الأيديولوجيا، وغالباً ما تختلط الآراء المتطرفة التي تشترك في مبادئ أساسية مثل كراهية النساء والاستبداد. يُعجب الشباب من أصحاب نظرية تفوق العرق الأبيض بعقيدة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ويستعير الجهاديون الشباب لغة اليمين المتطرف. ويقول الخبراء إنه بدلاً من إصدار الأوامر، تُغرق الجماعات المتطرفة وسائل التواصل الاجتماعي بحملات دعائية توفر للشباب إطاراً أيديولوجياً وإلهاماً لتنفيذ هجمات.
متطرف من الجيلZ
من بين الأمثلة على هذا النوع من المتطرفين المراهقين الذين يثيرون قلق السلطات الأوروبية، هناك شخص يخضع للمحاكمة حالياً في بلجيكا.
بالنسبة إلى عبد الكريم غاداييف، اللاجئ الشيشاني البالغ من العمر 19 عاماً، لا يزال ترحيل والده من فرنسا إلى روسيا قبل أربع سنوات مصدر غضب هادر. بعد الترحيل، أصبح غاداييف منبوذاً في المدرسة. عبّر عبر الإنترنت عن رغبته في تكرار هجوم باتاكلان في باريس عام 2015 الذي أودى بحياة 90 شخصاً: “باتاكلان 2.0″، كما صرح المدعي العام البلجيكي في المحكمة الشهر الماضي.
ألقت الشرطة البلجيكية القبض العام الماضي على غاداييف وثلاثة آخرين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و17 عاماً. وعثر المحققون أثناء فحص هاتف غاداييف على أدلة تُثبت أنه أجرى أبحاثاً حول هجوم باتاكلان، والهجوم على مكاتب شارلي إبدو في باريس عام 2015، وعبد الله أنزوروف، اللاجئ الشيشاني البالغ من العمر 18 عاماً، الذي قطع رأس معلم في مدرسة ثانوية فرنسية عام 2020. كما عثروا على صورة لرأس المعلم المقطوع.
أثناء استجوابه في المحكمة الشهر الماضي بشأن نشر محتوى متطرف على مواقع التواصل الاجتماعي، شعر غاداييف بالقلق. بلحية خفيفة بلا شارب، حكّ معصمه خلف ظهره بعصبية، وسحب أكمامه ليغطي يديه، وقال: “لم أظن أنني أرتكب خطأً”.
يُسهم تطرف القاصرين في تنامي التهديد الإرهابي الذي يواجه الغرب. فقد تضاعف عدد الهجمات الإرهابية المنفذة، والفاشلة، والمحبطة، في الاتحاد الأوربي أربع مرات ما بين عامي 2022 و2023، ليصل إلى 120 حادثة وفقاً لوكالة إنفاذ القانون التابعة للاتحاد، يوروبول.
وفي حين تم منع العديد من الهجمات، ارتفعت الوفيات المرتبطة بالإرهاب في الغرب بنسبة 61% من عام 2023 إلى عام 2024، وتضاعف عدد الهجمات الناجحة تقريباً إلى 67 خلال نفس الفترة وفقاً لمؤشر الإرهاب العالمي.
لا تقدم وكالات الحكومة الأمريكية بيانات عن أعمار الإرهابيين المشتبه بهم، لكن الخبراء يقولون إن اتجاهات التطرف اليميني في الولايات المتحدة متشابهة.
وقال رينارد، مدير المركز الدولي لمكافحة الإرهاب في لاهاي: “بينما كانت سوريا والعراق وأفغانستان المصدّرين الرئيسيين للأيديولوجية الجهادية، أصبحت الولايات المتحدة واحدة من المصدّرين الرئيسيين للأيديولوجية اليمينية المتطرفة”.
وقال متحدث باسم مكتب التحقيقات الفيدرالي: “توفر البيئة الإلكترونية فرصاً وافرة للإرهابيين… للتواصل مع الشباب عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي ومنصات الألعاب التي تبدو بريئة”.
متطرفون من دون قائد
يقول الخبراء إنه بفهم سطحي للأيديولوجيا، ينجذب معظم المراهقين المتطرفين في البداية إلى الخطابات العنيفة على الإنترنت، مدفوعين بمظالمهم ونقاط ضعفهم الفردية، كالضيق النفسي والوحدة والتهميش. وعلى الإنترنت، يجدون مجتمعاً نشطاً، وينخرطون في نقاشات صاخبة حول الأزمات الجماعية والأحداث المؤلمة، كالخوف من الهجرة أو حرب غزة، ويربطونها بنضالهم الشخصي.
وقال كيفن فولون، المتحدث باسم وحدة تنسيق تحليل التهديدات في بلجيكا، وهي مركز حكومي يحلل التهديدات المتطرفة: “يتأثر الناس بالمعاناة الجماعية، ويرغبون في اتخاذ إجراء حيالها”. عادة ما تنظم مجموعات الشباب المتطرفين أنشطتها عبر الإنترنت دون قائد رسمي أو مرجعية دينية محددة. وأضاف فولون: “المشهد المتطرف اليوم لامركزي للغاية”.
في شودفونتين، وهي بلدية بلجيكية صغيرة استقر فيها غاداييف مع زوجة أبيه بعد ترحيل والده، تأخر في دراسته وأصبح منطوياً، ثم وجد مجتمعاً إلكترونياً يهتم بالرياضة والدين، وخاصة على تيك توك، حيث اتسع نطاق اهتماماته السياسية.
“كنت على هاتفي 24 ساعة في اليوم، 7 أيام في الأسبوع”، كما قال.
في فبراير / شباط 2024 ، انضم إلى قناة “عملياتية” على تطبيق الرسائل المشفرة “سيجنال”، حيث بدأ أعضاؤها بالتخطيط لهجوم وفقاً للمدعي العام. ناقش بعضهم، الذين لم تتجاوز أعمارهم 13 عاماً، كيفية الحصول على أسلحة، وتبادلوا صوراً للهدف، قاعة “بوتانيك” للحفلات الموسيقية في وسط بروكسل. وقال غاداييف إنه مستعد للمشاركة في حال تم الإعداد جيداً للهجوم.
في مارس/ آذار، ألقت الشرطة الفيدرالية البلجيكية القبض على غاداييف وثلاثة آخرين، جميعهم قاصرون، في أنحاء مختلفة من بلجيكا. كما ألقت الشرطة الفرنسية القبض على ثلاثة قاصرين على خلفية القضية. ويُحاكم القاصرون الستة من قِبل نظامي الأحداث في البلدين، بعيداً عن أعين الجمهور. ويطالب المدعي العام البلجيكي بسجن غاداييف سبع سنوات.
قال محامو دفاع غاداييف إن خطابه على وسائل التواصل الاجتماعي كان “استعراضياً”. وتشير هذه الحجة إلى التحدي الذي تواجهه وكالات الاستخبارات الغربية: كيف تحدد اللحظة التي قد يتحول فيها خطاب الكراهية إلى فعل.
وقالت فيكي إيفانز، منسقة شرطة مكافحة الإرهاب في المملكة المتحدة: “نؤكد منذ فترة أن تعقيد القضايا التي نحقق فيها لم يسبق له مثيل، وأن نطاق وعمق ما نتعامل معه استثنائي”. ودعت شركات التكنولوجيا إلى المساعدة على معالجة هذه المشكلة.
تولّد خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي تأثيراً جاذباً على الشباب من خلال اقتراح محتوى عنيف بشكل متزايد وخلق فجوات رقمية معقدة. وقد فاقم الذكاء الاصطناعي المشكلة وفقاً لجوليا إبنر، الخبيرة في التطرف الإلكتروني بمعهد الحوار الاستراتيجي وجامعة أكسفورد.
وقالت جوليا: “إن مقاطع الفيديو والصور التي يتم إنشاؤها بالذكاء الاصطناعي تستغل المشاعر العميقة جدًّا ونقاط ضعف الطبيعة البشرية المعقدة. يقوم الذكاء الاصطناعي والخوارزميات جزئياً بمهمة مسؤول التجنيد [التقليدي] الجذاب، ولكن بشكل أفضل بمئات المرات”.
