تقارير ودراسات

الحكومة العراقية تصعّد ضغوطها لحل الميليشيات الموالية لإيران

كشف اشتباك مسلح وقع في مكتب زراعي حكومي في أواخر يوليو / تموز عن صراع متصاعد على السلطة بين المؤسسات الوطنية العراقية، بما في ذلك مكتب رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، وهيكل موازٍ من الجماعات المسلحة، بعضها غالباً ما يتصرف بشكل مستقل ويمكنه تحدي القيادة العراقية. يصف المسؤولون الأمريكيون والدبلوماسيون الدوليون الجهات المسلحة بأنها جماعات متحالفة مع إيران تعمل بناءً على أمر من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، لكن المراقبين عن كثب للسياسة العراقية يلاحظون أن الجهات المسلحة تتمتع بقاعدة اجتماعية راسخة ودعم كبير بين الأغلبية الشيعية في العراق. تخشى هذه الشريحة من السكان من أن يكون هيكل السلطة الرسمي ضعيفاً وفاسداً، وربما غير قادر على مواجهة المتطرفين الإسلاميين السنة المتحالفين مع أولئك الذين سيطروا على العراق في عام 2014 ووصلوا اليوم إلى السلطة في سوريا المجاورة.

على الرغم من التهديد المحتمل من المتطرفين السنة، تسعى حكومة السوداني، التي يهيمن عليها الشيعة المعتدلون، إلى بناء إجماع وطني لنزع سلاح الفصائل المسلحة الخارجة عن السلطة الحكومية المباشرة وحلها. يحافظ بعض الميليشيات على علاقات وثيقة مع فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، وقد رأى السوداني وقادة عراقيون آخرون أنه لا ينبغي جرّ البلاد إلى الصراع الإقليمي الأوسع بين إيران ومحورها من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. عانت إيران وشركاؤها من انتكاسات كبيرة على يد إسرائيل والولايات المتحدة، مما أضرّ بالاقتصادات والبنية التحتية في البلدان التي ينشط فيها حلفاؤها غير الحكوميين. وكما هو الحال في لبنان المجاور، تقيّم الحكومة العراقية تحركاتها لتجنب رد فعل عنيف من قادة الميليشيات وأنصارهم. قد تحدد نتيجة صراع السلطة مسار العراق الإقليمي، حيث يسعى السوداني إلى الاندماج بشكل أوثق في العالم العربي، وإبعاد العراق عن جهود إيران الرامية إلى تعزيز “محور المقاومة” على مستوى المنطقة.

يتصاعد الصراع على السلطة بين بغداد والميليشيات مع اقتراب موعد الانتخابات الوطنية في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني، والتي يأمل السوداني أن يفوز فيها بولاية ثانية. مع ذلك، يعارض بعض القادة الشيعة المنتمين إلى تحالف سياسي يُعرف باسم “الإطار التنسيقي”، والذي يضم السوداني أيضاً؛ أي قطيعة واضحة مع الميليشيات، معتبرين إياها خط دفاع ضد التيارات السنية في العراق وعلى نطاق أوسع. من المرجح أن تدفع الاعتبارات السياسية السوداني إلى التوصل إلى تسوية مع أنصار استقلال الميليشيات، مما يؤثر بشدة على مسار العراق نحو سيادة أكبر للدولة.

كأحد أعراض الصراع المتصاعد على السلطة بين الحكومة والميليشيات، اندلعت اشتباكات في أواخر يوليو / تموز في منطقة الدورة ببغداد بين قوات الأمن العراقية وأعضاء كتائب حزب الله. كتائب حزب الله هي إحدى الجماعات المسلحة ضمن قوات الحشد الشعبي، وهي وحدات تم تجنيدها في عام 2014 لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في ذلك العام وتم تشكيلها كجزء رسمي من القوات المسلحة العراقية في عام 2016. كما أن فصائل أخرى من قوات الحشد الشعبي، مثل عصائب أهل الحق وحركة حزب الله النجباء، لها علاقات مع الحرس الثوري الإيراني وقوة القدس وتقاوم الجهود المبذولة للحد من استقلاليتها. أفادت التقارير بأن الحادث نجم عن نزاع بين كتائب حزب الله وجماعة مسلحة أخرى غير محددة عقب تعيين مدير جديد لمكتب وزارة الزراعة في الدورة. أصيب ما لا يقل عن 15 ضابط شرطة في الاشتباكات، وفقاً لوزارة الداخلية، وتكبدت كتائب حزب الله بعض الخسائر. اتهمت كتائب حزب الله لاحقاً السوداني بتدبير ما وصفته بـ”فخ خبيث” بإرسال قوات أمنية إلى مكتب الزراعة. ونشر أبو علي العسكري، المسؤول الكبير في كتائب حزب الله، بياناً على تيليجرام يتهم فيه السوداني بإرسال “جيش ضخم” إلى المكتب “ليس لأسباب أمنية… ولكن بسبب الإحباط من إعلام كتائب حزب الله ومواقف الجماعة من القضايا الوطنية والسيادية الرئيسة” – في إشارة إلى سياسة رئيس الوزراء المعلنة بوضع جميع القوات المسلحة للبلاد تحت قيادة مركزية.

استغل السوداني اشتباك مكتب الزراعة كفرصة لتعزيز جهوده الرامية إلى كبح جماح كتائب حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى، معتقداً أن ذلك سيجد صدىً لدى الناخبين العراقيين الذين يريدون عراقاً أكثر سيادة واستقلالية، متحالفاً مع الدول العربية الأخرى، بدلاً من إيران. بعد أسبوعين من الاشتباك، أمر السوداني بإقالة قائدي اللواءين 45 و46 من قوات الحشد الشعبي، واللذين ينتمي إليهما مقاتلو كتائب حزب الله الذين اقتحموا مكتب الزراعة. استندت خطوته إلى نتائج تحقيق قضائي بشأن أوجه قصور هيكلية داخل قوات الحشد الشعبي، بما في ذلك “وجود تشكيلات تعمل خارج التسلسل القيادي”. بإصداره أمر العزل، اعتبر السوداني أنه يحظى بدعم من المرجعية الدينية الشيعية العليا لتقوية سيطرة الدولة. في 17 يوليو/ تموز، ألقى عبد المهدي الكربلائي، ممثل المرجع الديني الشيعي الأعلى في العراق، آية الله العظمى علي السيستاني، خطبة نادرة حث فيها على إنهاء نشاط الميليشيات وتعزيز المؤسسات الوطنية. اعتُبرت هذه الخطبة بمثابلة إقرار صريح من السيستاني بسيادة الدولة. إذا ما نُفذ قرار إقالة قائدي اللواءين 45 و46 من الحشد الشعبي ولم يُلغَ، فقد يُنظر إلى السوداني على أنه يحقق تقدماً في مساعيه لفرض سيادة الدولة.

سيكثف السوداني جهوده لكبح جماح ميليشيات الحشد الشعبي لتخفيف الضغط عن واشنطن، التي لا تزال الداعم الرئيسي للعراق، وتحتفظ بأكثر من 2000 جندي أمريكي في البلاد. منذ الغزو الأمريكي عام 2003 الذي أطاح بنظام صدام حسين، دأب المسؤولون الأمريكيون على صياغة سياساتهم تجاه العراق كجزء من استراتيجيتهم تجاه إيران. خلال الفترة 2021-2023، هاجمت كتائب حزب الله وميليشيات أخرى قواعد عراقية تضم قوات أمريكية 78 مرة، فيما اعتبره المسؤولون الأمريكيون جهداً مدعوماً من إيران لإجبار الولايات المتحدة على سحب قواتها من العراق. ردت الولايات المتحدة على بعض تلك الهجمات التي أوقعت خسائر في صفوفها. يضغط المسؤولون الأمريكيون على السوداني لنزع سلاح كتائب حزب الله والميليشيات المتحالفة معها وحلها – وليس فقط تقييدها أو تهميشها – كجزء من جهد لإعادة دمج العراق في العالم العربي وتوجيه بغداد بعيداً عن إيران ومحور المقاومة التابع لها. في اليوم التالي لاشتباك مكتب الزراعة، أصدرت السفارة الأمريكية في بغداد بياناً يلقي باللوم صراحة على كتائب حزب الله في الاشتباك، ويدعو الحكومة العراقية إلى تقديم المسؤولين إلى العدالة. كما ورد أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حذر السوداني من أن قانوناً عراقياً مقترحاً يضفي طابعًا رسميًّا على قوات الحشد الشعبي قد يرسخ النفوذ الإيراني ويمنح الشرعية لجماعات تعتبرها واشنطن مزعزعة للاستقرار. مع ذلك، من المتوقع إقرار هذا القانون بدعم من قادة سياسيين بارزين يدعمون الميليشيات، مثل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. بعد أن أدركت أن واشنطن تربطها بالحرس الثوري الإيراني، ظلت فصائل الحشد الشعبي إلى حد كبير على الحياد عندما ضربت إسرائيل والولايات المتحدة المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية في يونيو/ حزيران لعلمها أن الانتقام للضربات على إيران من شأنه أن يؤدي إلى رد قوي من جانب الولايات المتحدة و/ أو إسرائيل.

سعى المسؤولون الأمريكيون أيضاً إلى منع فصائل الحشد الشعبي الأكثر تطرفًا، وكذلك شركائها الإقليميين، من الحصول على منافع اقتصادية من العراق. لأن الحشد الشعبي يعتبر اسميياً جزءاً من الهيكل الأمني ​​العراقي، خصصت بغداد 3 مليارات دولار لعملياته في عام 2024. ومع ذلك، حث المسؤولون الأمريكيون نظراءهم العراقيين على تحويل هذه الأموال إلى وحدات الحشد الشعبي التي ترفع تقاريرها مباشرة إلى القيادة الوطنية، بدلًا من تحويلها إلى كتائب حزب الله والميليشيات الأخرى المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، والتي تعمل بشكل مستقل. في وقت سابق من هذا العام، حذرت وزارة الخزانة الأمريكية القادة العراقيين من أن بنك الرافدين العراقي، الذي تسيطر عليه الدولة، يجب أن يتوقف عن التعامل مع حركة الحوثيين المدعومة من إيران في اليمن. طلبت الولايات المتحدة نقل فرع الرافدين إلى مدينة عدن اليمنية، حيث تتمركز حكومة الجمهورية اليمنية المعترف بها دولياً. ومع ذلك، ليس من الواضح ما إذا كان التحذير قد حقق النتائج المرجوة. أبلغ وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين نظراءه الأمريكيين بأن الحكومة العراقية لا تجري معاملات مالية إلا مع حكومة الجمهورية اليمنية، التي لديها سفارة في العراق. وقال أيضاً لمسؤولين أميركيين، بحسب نص مذكرة عراقية، إنه “لا توجد أي إمكانية لوصول الحوثيين إلى النظام المالي العراقي، وتعهد بالتحقق من هذا الأمر شخصيًّا”.

يزعم بعض المصادر أن موقف واشنطن كان له تأثير ملموس في تقليل التنسيق بين فصائل الحشد الشعبي المتشددة والجماعات الأخرى المتحالفة مع إيران في المنطقة. ومع ذلك، في الوقت نفسه، يسعى القادة الإيرانيون جاهدين لمواجهة ضغوط واشنطن على بغداد للاحتفاظ بقدر من النفوذ في العراق. زار قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، العراق ثلاث مرات على الأقل في عام 2025، حيث التقى بالسوداني والقادة السياسيين الشيعة ورؤساء كتائب حزب الله والفصائل المسلحة الأخرى الموالية لإيران، معرباً عن معارضة طهران لأي نزع سلاح واسع النطاق لجماعات الحشد الشعبي. ومع ذلك، فإن ضعف الموقف الاستراتيجي الإقليمي لإيران خلال العام الماضي، إلى جانب الضغط الاقتصادي الذي مارسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إيران، يترك لطهران نفوذاً أقل بكثير على بغداد مما كان عليه في السنوات السابقة.

المصدر: صوفان جروب

https://thesoufancenter.org/intelbrief-2025-august-19/

زر الذهاب إلى الأعلى