تقارير ودراسات

إيران تسعى إلى إحداث فوضى في أوروبا

في ظلّ وضع جيوسياسي محفوف بالمخاطر

في وقت سابق من هذا الأسبوع، نفذت قيادة مكافحة الإرهاب في المملكة المتحدة عمليتين رئيستين منفصلتين أسفرتا عن اعتقال ثمانية أفراد معظمهم إيرانيون يشتبه في تورطهم في أنشطة غير مشروعة مدعومة من طهران. شهدت العملية الأولى اعتقال خمسة رجال للاشتباه في تحضيرهم لهجوم إرهابي. تشير التقارير الأولية إلى أن المؤامرة ربما استهدفت موقعاً يهوديًّا بالتزامن مع أنشطة إيرانية أخرى حديثة على الأراضي الأوروبية. في غضون ذلك، أدى تحقيق منفصل أجرته شرطة مكافحة الإرهاب إلى اعتقال ثلاثة رجال إيرانيين في لندن، على صلة بأنشطة تخريبية يُرجح أنها بتوجيه من طهران. منذ بداية عام 2022، استجابت السلطات البريطانية لأكثر من 20 مؤامرة مدعومة من إيران تشكل تهديدات قاتلة محتملة للمواطنين. تسلط هذه الاعتقالات الضوء على حملة متواصلة من أنشطة التهديد الإيراني في أوروبا، في ظل غموض نتائج المحادثات النووية الأمريكية الإيرانية، وتصاعد جديد في التوترات بين إسرائيل وإيران بعد نجاح الحوثيين في تفجير محيط مطار بن غوريون في إسرائيل يوم الأحد 4 مايو / أيار، ورد الإسرائيليين بقصف اليمن مباشرة.

لسنوات، ركزت الاستخبارات الإيرانية، وعلى رأسها الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات والأمن، على إسكات منتقدي النظام في الخارج من خلال سلسلة من العمليات الخارجية. وكان المعارضون الإيرانيون، بالإضافة إلى أهداف يهودية وإسرائيلية، أهدافاً رئيسة في جميع أنحاء أوروبا، حيث تم كشف وإحباط عدد لا يحصى من حملات المراقبة والمؤامرات الإرهابية.

بالإضافة إلى عملائها، لجأت طهران بشكل متزايد إلى استخدام المجرمين المحليين لتجنب التورط المباشر في عملياتها الخارجية في أوروبا. تتيح هذه الطريقة الاستفادة من الإمكانات اللوجستية والبشرية المتاحة للشبكات الإجرامية المحلية، وفي الوقت نفسه، تخفف من حدة الخطر المباشر على العملاء الإيرانيين.

ردًّا على هذه العلاقة الإجرامية المتطورة، تحركت الولايات المتحدة لفرض عقوبات على منظمة “فوكستروت” الإجرامية العابرة للحدود الوطنية، ومقرها السويد، في مارس/ آذار. اشتهرت شبكة “فوكستروت” وزعيمها راوة ماجد بعنفها المسلح ونشاطها في تجارة المخدرات في أوروبا، وقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليهما لتورطهما في مؤامرات ضد أهداف يهودية وإسرائيلية في أوروبا نيابة عن طهران. وعلى وجه التحديد، شاركت المنظمة في الهجوم الذي أُحبط على السفارة الإسرائيلية في ستوكهولم في يناير / كانون الثاني 2024. ووفقاً لجهاز المخابرات الإسرائيلي “الموساد”، فقد جُند زعيم المجموعة، ماجد، من قبل إيران للتخطيط لهجمات على الأراضي الأوروبية بعد فراره من تركيا في سبتمبر/ أيلول 2023. كما جُنّدت عصابات إجرامية متعددة من قبل طهران. ووفقاً لجهاز الأمن السويدي، خططت منظمة “رومبا” الإجرامية المنافسة لـ “فوكستروت” لعدة هجمات أخرى على السفارة الإسرائيلية في ستوكهولم خلال العام الماضي، غالباً ما شارك فيها مراهقون صغار يجهلون الجهة التي توجههم. كما شملت مؤامرات أخرى حديثة موجهة من قبل طهران في أوروبا أنواعاً مختلفة من المجرمين والعصابات الإجرامية، بما في ذلك مجرمين من أصل بلقاني، ومهرب بشر، ومهرب مخدرات تركي، وعصابة “موكرو مافيا”سيئة السمعة، وهي كارتل لتهريب المخدرات مقرّه هولندا.

إلى جانب عملياتها المادية، طورت طهران ترسانة هائلة من القدرات السيبرانية للتدخل في أوروبا وخارجها، وغالباً ما يكون الهدف الرئيس منها هو القمع العابر للحدود الوطنية. في ألمانيا، على سبيل المثال، استهدفت مجموعات إيرانية ترعاها الدولة، مثل “اي بي تي42” و “مودي واتر”، صحفيين وسياسيين ومؤسسات أكاديمية ما بين عامي 2022 و2024، مستخدمة تقنيات الهندسة الاجتماعية للتسلل إلى أهدافها. في وقت سابق من هذا العام، تم الكشف عن تعرض هانا نيومان، عضو البرلمان الأوروبي ورئيسة الوفد المعني بالعلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإيران، لمحاولة هجوم من قِبل مجموعة “اي بي تي42”. استخدم قراصنة مدعومون من إيران أسلوب تصيد احتيالي شائعاً، منتحلين شخصية الخبير الإيراني ماثيو ليفيت، لإرسال وثيقة زعموا أنها حساسة إلى نيومان، تقوم بتثبيت برامج ضارة على جهازها فور فتحها، ومن المرجح أن الهدف كان استخراج بيانات.

قد يؤدي الوضع الجيوسياسي الحالي لإيران إلى مزيد من التصعيد لعملياتها الخارجية على الأراضي الأوربية. تواجه القيادة الإيرانية استياءً داخليًّا، وأزمة اقتصادية طاحنة ناجمة عن العقوبات، وتصاعداً متجدداً للتوترات مع إسرائيل بعد الضربة التي شنها الحوثيون يوم الأحد بصاروخ دمر محيط مطار بن غوريون وأدى إلى ضربات مضادة من جانب إسرائيل. وفي حين لا يزال الحوثيون نشطين كعادتهم، تعرضت المكونات الرئيسة لعقيدة الدفاع الأمامي؛ أي محور المقاومة، لضربات قوية خلال العام الماضي من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، وخاصة بسقوط نظام الأسد في سوريا. في غضون ذلك، ما زالت نتيجة المحادثات النووية الأمريكية الإيرانية غير مؤكدة في ضوء مطالبة واشنطن بـ “التفكيك الكامل” لبرنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني. وقد أوضحت طهران مراراً أن إنهاء برنامجها للتخصيب غير قابل للتفاوض. وهكذا، قد تظل أوروبا منصة جذابة لطهران لشن عمليات انتقامية رمزية يمكن إنكارها، سعياً منها لتعويض انتكاساتها في الشرق الأوسط. علاوة على ذلك، قد يتعزز تحالف طهران مع الشبكات الإجرامية في أوروبا، في ظل سعيها للضغط على أوروبا لعدم تفعيل آلية الأمم المتحدة لإعادة فرض العقوبات، بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2231، الذي يؤيد خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015. تسمح هذه الآلية بإعادة فرض جميع عقوبات الأمم المتحدة على إيران إذا تبين أنها انتهكت بنود الاتفاق.

قد لا تؤثر تكاليف هذه الأنشطة على النظام الإيراني الخاضع للعقوبات: فالاستثمارات المتواضعة وغياب التدخل الإيراني المباشر يجبران الخصوم على إنفاق موارد غير متناسبة على الأمن والاستخبارات ومكافحة الإرهاب، كما يحدان من احتمال ردّ أوروبي قوي على إيران. ومع ذلك، قد تؤدي العمليات الخارجية المستمرة إلى نتائج عكسية تماماً على طهران، في ظل سعي الدولة المعزولة إلى ترسيخ مكانتها الإقليمية والحفاظ على نفوذها في المحادثات النووية.

المصدر: صوفان جروب

https://thesoufancenter.org/intelbrief-2025-may-7/

زر الذهاب إلى الأعلى