تقارير ودراسات

أفغانستان: هل تبحث إيران عن بديل لسوريا؟

ملخص تنفيذي

يتناول هذا التقرير تطور الوضع الاستراتيجي لإيران في أفغانستان بعد تآكل نفوذها في سوريا. فخسارة قادة رئيسيين بالوكالة، وحرب إسرائيل في غزة، وانهيار سوريا كحلقة وصل جغرافية موثوقة، أجبرت طهران على البحث عن ساحات بديلة.

إن المبادرات البراجماتية الحالية التي تقدمها طهران لنظام طالبان، على الرغم من الاختلافات الأيديولوجية العميقة بينهما، تشير إلى أن إيران تستغل عدم الاستقرار في أفغانستان لتعويض خسائرها الاستراتيجية في بلاد الشام.

يهدف هذا التقرير إلى تقييم ما إذا كانت أفغانستان قادرة على أن تصبح الحدود الاستراتيجية التالية لإيران بعد تراجع سوريا.

نقاط رئيسة

1 ـ أدى انهيار نظام الأسد وتكثيف العمليات الإسرائيلية في غزة إلى إضعاف محور النفوذ الإيراني التقليدي عبر بلاد الشام بشكل كبير.

2 ـ تتعامل إيران بشكل براجماتي مع نظام طالبان، على الرغم من الخلاف الأيديولوجي طويل الأمد بينهما، وهو ما يسلط الضوء على توجه مدروس نحو أفغانستان بوصفها منطقة نفوذ تعويضية.

3 ـ تحيي هذه المعايرة الجديدة سوابق تاريخية، حيث تستكشف طهران إمكانية إحياء نماذج مماثلة للتطور المؤسسي لحزب الله، هذه المرة من خلال الاستفادة من هشاشة الوضع الأمني ​​والفراغ المؤسسي في أفغانستان.

خلفية تاريخية

خلال فترة الاحتلال السوفيتي (1979-1989)، وبينما قدمت دول الخليج والولايات المتحدة دعماً مستمرًّا للمجاهدين في إطار استراتيجيتها الأوسع ضد السوفييت، دعمت طهران جماعات المقاومة الشيعية مثل سازمان نصر (منظمة النصر) وسيباه باسداران (جيش الحرس). وفي عام 1988، سهلت طهران أيضاً اندماج فصائل مختلفة من الهزارة في حزب الوحدة الإسلامي، واستمرت في دعمه طوال الحرب الأهلية الأفغانية اللاحقة.

في عام 1997، اعترفت المملكة العربية السعودية بحكومة طالبان، في حين دعمت إيران الجبهة الإسلامية المتحدة لإنقاذ أفغانستان (المعروفة أيضاً في الغرب باسم “تحالف الشمال”). وعززت طهران التزامها بدعم الجبهة بعد مذبحة عام 1998 التي راح ضحيتها آلاف المدنيين الهزارة، واغتيال قوات طالبان لتسعة دبلوماسيين إيرانيين في مزار الشريف.

في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر / أيلول عام 2001، تعاونت طهران مع الولايات المتحدة للإطاحة بنظام طالبان. قدمت طهران معلومات استخباراتية ودعماً بالغ الأهمية للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، ولعبت دوراً محوريًّا في مؤتمر بون الذي أسس حكومة أفغانستان ما بعد طالبان.

في الآونة الأخيرة، أدى انسحاب الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) من أفغانستان في سبتمبر/ أيلول 2021، وما تلاه من انهيار حكومة أشرف غني، إلى ترك البلاد في أزمة إنسانية واقتصادية واجتماعية وسياسية واسعة النطاق. وأثار استيلاء طالبان على السلطة مخاوف جدية لدى إيران، إذ شكل تهديداً بتزايد التطرف والإرهاب، وإثارة موجة هجرة جماعية، وتفاقم تجارة المخدرات.

لذلك، وبعد الاجتماع الافتراضي الأول الذي استضافته باكستان في 8 سبتمبر/ أيلول 2021، استضافت طهران الاجتماع الثاني لوزراء خارجية الدول المجاورة لأفغانستان في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، مما يدل على استعدادها للعب دور رئيسي في الملف الأفغاني.

لأغراض هذا التقرير، من المهم أن نلاحظ أنه منذ وقت مبكر من عام 2019، أعربت الإدارة الأفغانية بشكل غير رسمي عن مخاوفها من أن آلاف المسلحين الشيعة – الذين قاتلوا في سوريا إلى جانب الرئيس الأسد – قد يشكلون تهديداً محتملاً عند عودتهم إلى أفغانستان.

في يوليو/ تموز 2021، قبيل انهيار حكومة غني، نشرت الصحافة الإيرانية بيانات تفيد بأن تكثيف طالبان لعملياتها الهجومية أدى إلى تعبئة قوية للسكان الشيعة في أفغانستان. وعلى وجه الخصوص، بعد استسلام عشرات المقاطعات الأفغانية لطالبان، ظهرت جماعة الحشد الشيعية المسلحة.

السيناريو الجيوسياسي

شكل نظام بشار الأسد في دمشق ركيزة استراتيجية أساسية لإيران، لا سيما في دعم عمليات فيلق القدس وتسهيل انتشار ميليشياته بالوكالة في جميع أنحاء بلاد الشام. وشكلت سوريا حلقة وصل أساسية فيما يسمى “الهلال الشيعي”، وهو محور إقليمي يربط إيران بلبنان عبر العراق وسوريا. وقد استخدم فيلق القدس الإيراني الأراضي السورية كقاعدة لتدريب وتنسيق ونشر الميليشيات الحليفة.

علاوة على ذلك، من خلال حماية المواقع الدينية الشيعية الرئيس ة في سوريا، مثل مرقد السيدة زينب في دمشق، عززت إيران شرعيتها الدينية وجذبت مقاتلين شيعة من مختلف أنحاء العالم، ومن ثم دعمت نفوذها الثقافي والأيديولوجي في المنطقة.

مع أن أفغانستان لا يمكن أن تحل محل سوريا جغرافياً كحلقة وصل مع لبنان، إلا أنها تتيح فرصة للتغلغل الديني والثقافي نظراً للخلفية التاريخية المشتركة، والأهم من ذلك، أنها قد تهيئ أرضية لأنشطة الجماعات التابعة لإيران. وعلى وجه الخصوص، يعد وجود طهران حيويًّا، لا سيما في ظل التهديد الناشئ عن الجماعات المرتبطة بأفغانستان.

لطالما مثل الإرهاب الإقليمي السنّي تهديداً للأمن الداخلي الإيراني وللمجتمع الشيعي في المنطقة. ولطالما أعلن تنظيم داعش في خراسان، الذي تأسس عام 2014، أنه يستهدف الشيعة في أفغانستان.

كان الهجوم الإرهابي الذي وقع في 3 يناير/ كانون الثاني 2024، على مقبرة شهداء كرمان في إيران خلال مراسم إحياء ذكرى قاسم سليماني، حدثاً بالغ الأهمية بالنسبة لهذا البلد الشرق أوسطي. فمن جهة، سلط الضوء على خرق أمني في جمهورية إيران الإسلامية، والحاجة الماسة إلى معالجة أمن الحدود والأمن الداخلي. ومن جهة أخرى، كان له دلالة رمزية. كان قاسم سليماني، المعروف أيضاً في إيران باسم “جنرال مكافحة الإرهاب”، الشخصية العسكرية الإيرانية الرائدة في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومهندس شبكة الجماعات التابعة لإيران في الشرق الأوسط.

على خلفية حرب إسرائيل في غزة، فإن تصفية شخصيات قيادية رئيسة تابعة لإيران، وتآكل سوريا كحلقة وصل جغرافية وقاعدة، فرضا على طهران الحفاظ على مكانتها الإقليمية من خلال استكشاف خيارات استراتيجية جديدة. وقد دفع هذا السياق المتطور الجمهورية الإسلامية إلى السعي وراء مبادرات، وإن كانت مثيرة للجدل، فإنها قد تمنحها نفوذاً جديداً في أفغانستان.

في هذا الصدد، كشف تقرير للأمم المتحدة صدر عام 2024 عن وجود ملاذات آمنة لتنظيم القاعدة في ولايات هرات وفرح وهلمند يُزعم أنها تسهل تنقل أعضائه بين أفغانستان وإيران. بناء على ذلك، اعتقدت الأمم المتحدة ووزارة العدل الأمريكية أن سيف العدل، زعيم تنظيم القاعدة الحالي، موجود في إيران.

تتسم علاقة إيران بتنظيم القاعدة بتفاعل معقد بين البراجماتية الاستراتيجية والاختلاف الأيديولوجي. ويبدو أن قرار طهران استضافة شخصيات معينة من التنظيم نابع من رغبتها في ممارسة نفوذ على التنظيم، وجمع المعلومات الاستخبارية، وربما استخدام هؤلاء الأفراد كورقة ضغط في مفاوضات جيوسياسية أوسع. بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، اتبعت الجمهورية الإسلامية نهجاً مشابهاً تجاه الجماعات السنية من دول آسيا الوسطى الأخرى.

إلى جانب أنشطة إيران في التواصل مع المجموعات الإقليمية، نجحت أيضاً في المجال الدبلوماسي. فعلى الرغم من عدم اعترافها رسمياً بالحكومة التي تقودها طالبان في كابول، سلمت السفارة الأفغانية في طهران إلى الدبلوماسيين المعينين من قبل طالبان في 26 فبراير/ شباط 2023.

بالإضافة إلى ذلك، أنشأ البلدان أطراً تعاونية للتجارة (على سبيل المثال إنشاء غرفة تجارية مشتركة وإقامة مناطق اقتصادية خاصة)، والنقل (مثل مشروع عبور تشابهار وسكة حديد خاف-هرات)، واختارا حل نزاعاتهما المائية دبلوماسياً.

خاتمة

مثّل انهيار إدارة الأسد في سوريا انتكاسة مزدوجة لإيران؛ فمن جهة، فقدت طهران رابطاً جغرافياً بالغ الأهمية لبسط نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، ومن جهة أخرى، فتح ظهور حكومة سورية جديدة الباب أمام توسع النفوذ التركي، خصم إيران ومنافسها الإقليمي.

مع أن أفغانستان لا تتشارك مع سوريا في مزاياها الجغرافية، فإنها قد تشكل قاعدة بديلة للأنشطة الإيرانية، حتى وإن كانت تحت سيطرة نظام طالبان المعادي. منذ عام 1988، سعت إيران إلى ترسيخ وجودها في أفغانستان من خلال دعم إنشاء حزب الوحدة الإسلامي، محاولة تكرار النموذج الذي طبقته بنجاح مع حزب الله، محولة بذلك حركة عصابات إلى كيان سياسي متوافق مع مصالحها.

وفي حين أن جهود إيران لتحقيق اختراق مؤسسي في أفغانستان فشلت في ذلك الوقت، فإن طهران تمتلك اليوم مجموعة أوسع من الأدوات التي تمكّنها من استغلال حالة عدم الاستقرار الحالية في البلاد وعجز طالبان عن توفير الأمن بشكل فعال.

المصدر:

https://www.specialeurasia.com/2025/04/24/afghanistan-iran-strategy/

زر الذهاب إلى الأعلى