تقارير ودراسات

نعم، داعش لا تزال تمثل مشكلة

في يناير/ كانون الثاني 2025، أطلق مسلح موالٍ لداعش النار على موكب ماردي غرا في نيو أورلينز، مما أثار عناوين رئيسة جديدة حول “عودة” التنظيم. وفي حين انهارت خلافة داعش الإقليمية قبل سنوات، لم ينهر التنظيم نفسه، بل تكيف مع الوضع، وانقسم إلى فروع لامركزية انتشر بعضها في مناطق مختلفة من الساحل إلى جنوب آسيا.

يتطلب هذا التهديد المتطور استجابات تكيفية من الحكومات حول العالم، وليس فقط من أجهزة مكافحة الإرهاب التقليدية. فالأدوات التي ساعدت على تفكيك الخلافة لم تعد كافية. الضربات بالطائرات المسيرة، والاغتيالات المستهدفة، والحملات العسكرية غير مناسبة لمواجهة شبكة لامركزية مدعومة بالأيديولوجيا. لا تُحدث هذه الأساليب فرقاً يُذكر في تعطيل النظم البيئية الرقمية، والروابط العابرة للحدود الوطنية، والمظالم المحلية التي لا تزال تغذي التطرف.

بدلاً من ذلك، من الضروري اتباع نهج طويل الأمد يركز على بناء المرونة المحلية. وهذا يستلزم دعم جهود مكافحة التمرد الإقليمية، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، والاستثمار في مبادرات تعزز الحوكمة والشرعية في المناطق المعرضة للخطر. يمثل التعاون الناشئ بين تركيا والأردن والعراق نموذجاً واعداً لما يمكن أن يكون عليه التنسيق العملي القائم على أسس إقليمية.

هذا النهج مطلوب بشدة في إفريقيا، حيث وجد تنظيم داعش مساحة لإعادة تنظيم صفوفه والتوسع. تترسخ فروع داعش في الدول الهشة ومناطق الصراع، مستغلة الحدود المسامية وضعف الحوكمة.

في نيجيريا، ازداد تنظيم داعش في غرب إفريقيا تطوراً، مستخدماً القنابل المزروعة على جوانب الطرق والكمائن لاستهداف القوافل العسكرية في ولايتي بورنو وأداماوا. وقد أسفرت هذه الهجمات عن مقتل العشرات منذ أوائل عام 2025. في الجنوب، في أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، صعّد مسلحون مرتبطون بداعش، مثل تحالف القوى الديمقراطية، من عنفهم: مجازر بحق القرويين، وحرق منازل، ومهاجمة مدارس.

هذه محاولات متعمدة لتفتيت المجتمعات وتقويض ما تبقى من سلطة الدولة. في موزمبيق، استهدفت الهجمات بشكل متزايد البنية التحتية للطاقة والمسؤولين المحليين، مما يشير إلى طموحات بعيدة المدى لتقويض الحوكمة والتعافي الاقتصادي. في هذه السياقات، من الواضح أن داعش لا تكتفي بالبقاء؛ بل تزداد تنسيقاً وطموحاً وتهديداً.

يتجلى هذا بشكل خاص في زحف التنظيم نحو المناطق الساحلية في غرب إفريقيا. فمن خلال الوصول إلى الموانئ، تتمكن الجماعات المرتبطة بداعش من تحويل تمرداتها غير الساحلية إلى شبكات إقليمية متجذرة ذات قدرات عابرة للحدود الوطنية. وكما حذر الجنرال مايكل لانغلي، قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا، فإن هذه المواطئ الساحلية الناشئة قد توفر شريان حياة تشغيلي واقتصادي حيوي للمسلحين المرتبطين بداعش، مما يعزز بشكل كبير نطاق انتشارهم وقدرتهم على الصمود.

أصبحت منطقة جنوب آسيا أيضاً جبهة حاسمة في حملة داعش المتنامية. وقد كثف فرعها الإقليمي، ولاية خراسان، المتمركز في أفغانستان وباكستان، عملياته من خلال سلسلة من الهجمات البارزة التي استهدفت سلطات طالبان والمجتمعات الشيعية والمصالح الأجنبية. تعكس الهجمات الأخيرة، بما في ذلك التفجيرات الانتحارية والهجمات المعقدة على المدن، براعة تكتيكية واستراتيجية ملحوظة لزعزعة استقرار المنطقة. تقدم داعش خراسان نفسها بشكل متزايد كزعيم للجهاد العابر للحدود. وبهذه الطريقة، تهدد بشكل روتيني المصالح الغربية وحلفائها، وتسعى لتجنيد عناصر من دول آسيا الوسطى المجاورة.

يعكس هذا المسارَ الملاحظ في أجزاء من إفريقيا، وهو التحول من العنف المتشظي إلى حملات منسقة تهدف إلى توسيع النفوذ وفرض القوة عبر الحدود. وإلى أن نبدأ بإدراك هذه الهجمات كجزء من نمط أوسع، سنظل نتجاهل حجم التهديد.

لا يقتصر التهديد الذي يشكله تنظيم داعش على ساحات القتال الخارجية، بل يتجلى تأثيره في الغرب، حيث يواصل إلهام التطرف المحلي وهجمات الأفراد. لا تزال أيديولوجية التنظيم راسخة في الفضاءات الرقمية والمجتمعات الضعيفة، وغالباً ما تكون متأصلة في منصات مشفرة وحملات دعائية إلكترونية وشبكات هامشية يصعب رصدها وتتبعها. يمثل هذا الشكل اللامركزي من العنف، الموجه أيديولوجياً، تحدياً خطيراً لأجهزة الأمن الغربية، التي يتعين عليها التعامل مع القيود القانونية وقلة الموارد أثناء الاستجابة لتهديد متقلب وسريع التطور ويصعب اكتشافه بشكل متزايد.

في أواخر عام 2024، قدم كين ماكالوم، المدير العام لجهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني، أول تحديث وطني للتهديدات في المملكة المتحدة منذ عام 2022، مشيراً إلى أن داعش هي التهديد الذي يقلقه أكثر من غيره. ومع ذلك، أقر بالضغط الهائل الذي تتعرض له أجهزة الاستخبارات، قائلاً إنها “مرهقة للغاية” ومضطرة بشكل متزايد إلى اتخاذ قرارات صعبة بشأن أولوياتها.

تنطبق تصريحات مكالوم على العالم الغربي بأكمله، وليس فقط على المملكة المتحدة. إنها تكشف عن حقيقة جوهرية: لا يمكننا الاكتفاء بمراقبة التهديدات؛ بل يجب علينا تعطيل الظروف التي تسمح بنموها. إن منع التطرف يعني تقليل عدد الأفراد الذين يتطورون إلى تهديدات خطيرة، مما يقلل من وتيرة الحالات عالية الخطورة، ويخفف العبء على الأجهزة الأمنية. وقد فشلت محاولات سابقة، في كثير من الأحيان، بسبب ضعف ثقة المجتمع والاعتماد المفرط على المراقبة. إن الوقاية الناجحة تتطلب أكثر من مجرد التدخل المبكر؛ تتطلب استراتيجية طويلة الأمد ترتكز على بناء الثقة، والمشاركة المحلية، ومعالجة الظروف التي تسمح للأيديولوجيات المتطرفة بالتجذر.

هذه الاستراتيجية ضرورية لحماية الشباب، الذين يتزايد تعرضهم للتلقين، لا سيما عبر الإنترنت، حيث ينتشر المحتوى المتطرف بسرعة، وغالباً ما يمر دون أي رادع. تتطلب الاستجابة لهذا الوضع استثماراً مستداماً في التعليم، والتواصل مع الشباب، ومحو الأمية الرقمية، وتزويد المجتمعات بالأدوات اللازمة لتحديد التأثير المتطرف ومواجهته. للمدارس والأسر والقيادات الدينية والسلطات المحلية أدوار حاسمة في بناء المرونة الشعبية التي تمنع التطرف قبل أن يتجذر.

إذا كنا جادين في التصدي لخطر التطرف الذي يهدد الشباب والمجتمع ككل، فعلينا إدراك التهديد المستمر الذي نواجهه. في ظل هذا المشهد الأمني المتقلب، حيث الموارد شحيحة والأزمات المتتالية تتصدر عناوين الأخبار، يجب أن تكون الاستجابة ملتزمة وقابلة للتكيف. لم يعد تجاهل التهديد حتى ينفجر على أعتابنا خياراً. سلامتنا لا تعتمد على رد الفعل تجاه الهجوم التالي، بل على منع الظروف التي تجعله حتمياً.

الكاتب: آفا جرينجر ويليامز

https://nationalinterest.org/blog/middle-east-watch/yes-isis-is-still-a-problem

زر الذهاب إلى الأعلى