تقارير ودراسات

كيف يمكن تغيير النظام في إيران؟

ليس سرّاً أن نجاح العملية العسكرية الإسرائيلية في إيران، إلى جانب أفعال الجمهورية الإسلامية المتهورة، قد أعاد إلى الواجهة قضية تغيير النظام في إيران. في الواقع، قبل يوم واحد فقط من وقف إطلاق النار، أثار الرئيس ترامب نفسه، لأول مرة، إمكانية تغيير النظام في طهران. طوال حرب الأيام الاثني عشر، وعلى الرغم من أنها صرحت بأن إسقاط الجمهورية الإسلامية لم يكن هدفها الرسمي، أقرت الحكومة الإسرائيلية في الوقت نفسه بأن حربها يمكن أن تهيئ الظروف لتغيير النظام. الآن، مع انقشاع غبار الصراع، فإن الهدف الرئيس طويل المدى لإسرائيل والولايات المتحدة والدول العربية في الخليج العربي هو ضمان التفكيك الكامل والدائم للركائز الثلاث للعقيدة العسكرية للنظام الإيراني، والتي كانت السبب الأساسي في زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط: الأسلحة النووية، والصواريخ الباليستية، والوكلاء الإسلاميون.

على مدى العقد الماضي، كان مصطلح “تغيير النظام” بحد ذاته من المحرمات ذات الدلالات السلبية، لا سيما بعد الإخفاقات في العراق وأفغانستان. حتى الرئيس ترامب أقر في تصريحه الأخير بأن هذا المصطلح “غير لائق سياسياً”. لكن في الأشهر القليلة الماضية، وتحديداً بعد سقوط بشار الأسد في سوريا في ديسمبر/ كانون الأول 2024، عاد مفهوم “تغيير النظام” ليبرز كخيار عملي في السياسة الخارجية. وينطبق هذا بشكل خاص على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث فشلت سياسات الاحتواء والحوار السابقة في تحقيق نتائج مستدامة وناجحة.

ومع ذلك، في حين يناقش صناع السياسات والمسؤولون العسكريون والخبراء الآن بحرية أكبر مفهوم “تغيير النظام” في إيران، فإنهم جميعاً لديهم تفسيرات مختلفة لما يعنيه هذا المفهوم في الممارسة العملية.

عند مناقشة “تغيير النظام”، من الضروري إدراك أن المصطلح قد يحمل تفسيرات متعددة. تنقسم هذه التفسيرات عموماً إلى ثلاث فئات: التغيير “الناعم”، والتغيير “شبه الجذري”، والتغيير “الجذري”.

يشير مفهوم التغيير “الناعم” للنظام إلى فكرة مفادها أنه بفرض تكاليف كافية على القيادة السياسية لنظام مارق، سيتخلى الفاعلون السياسيون في نهاية المطاف عن سياساتهم الإشكالية والتزاماتهم الأيديولوجية القائمة. لطالما زعم دعاة التغيير “الناعم” في إيران أن فرض تكاليف باهظة على النظام قد يشجع ما يسمى بالفصائل “المعتدلة” في قيادة الجمهورية الإسلامية على تولي السلطة.

في حالة إيران، ونظراً لبنية مؤسسات الدولة العميقة داخل النظام، مثل الحرس الثوري الإسلامي ومكتب المرشد الأعلى، والتي تم تعزيز نفوذها على مدى العقود الثلاثة الماضية، فإن إمكانية وصول ما يسمى بالفصائل “المعتدلة” إلى السلطة ليست سوى وهم. يشهد تاريخ الجمهورية الإسلامية خلال العقود الثلاثة الماضية على هذا الأمر بوضوح: في كل مرة تولى من يسمون بـ”المعتدلين” مناصب سياسية، فشلوا في تحدي سلطة مكتب المرشد الأعلى أو الحرس الثوري الإسلامي.

الأهم من ذلك أن مؤسسات الدولة العميقة ليست متجذرة في جميع مفاصل السلطة في النظام فحسب، بل إنها مسلحة بالكامل وقادرة على استخدام القوة للحفاظ على نفوذها. وكما أثبت الماضي، فإن أي تغيير سلوكي تشهده الجمهورية الإسلامية، مثل الاتفاق النووي لعام 2015، سيكون على الأرجح مؤقتاً، أو على حد تعبير خامنئي نفسه، “تنازلاً تكتيكياً”، وليس تغييراً جوهريًّا.

بمعنى آخر، في حين قد يقدم النظام تنازلاً مؤقتاً إذا تعرض بقاؤه للخطر، فإنه سيستأنف سياسته ببساطة من حيث توقف عند أي فرصة سانحة، كما كان الحال مع برنامجه النووي. في سياق الحرب مع إسرائيل، يعني هذا أنه على الرغم من تكبد القيادة السياسية للنظام الإيراني تكاليف باهظة، من المستبعد جداً أن تغير سياساتها أو هويتها الأيديولوجية بسبب هيكل الجمهورية الإسلامية. حتى بعد الحرب، يواصل خامنئي والحرس الثوري الترويج لنفس السردية الأيديولوجية، متعهدين بالحفاظ على الركائز الثلاث للعقيدة العسكرية. باختصار، وبالنظر إلى السجل التاريخي، فإن خيار التغيير “الناعم” للنظام في إيران مستبعد للغاية.

يتضمن التغيير “شبه الجذري” القضاء على القيادة السياسية والعسكرية لنظام مارق على أمل أن يؤدي ذلك إلى انقلاب نخبوي أو توفير المساحة للأجيال الشابة داخل النظام القائم للوصول إلى السلطة وتبني سياسات جديدة.

في السياق الإيراني، على سبيل المثال، دعا بعض المثقفين الحرس الثوري إلى القيام بانقلاب ضد رجال الدين كبديل عملي، مستشهدين بباكستان أو مصر كأمثلة. فيما يرى آخرون أن إقصاء القيادة العسكرية العليا الحالية، كما فعلت إسرائيل، قد يفتح الباب أمام أفراد أصغر سنًّا وأكثر براغماتية في الحرس الثوري لتولي مناصب قيادية.

فيما يتعلق بالحالة الأولى، وعلى عكس الجيشين المصري والباكستاني، فإن الحرس الثوري الإسلامي ليس مؤسسة ذات هوية مستقلة. منذ إنشائه عام 1979، برز الحرس الثوري كحارس شخصي لرجال الدين الحاكمين، وتطور منذ ذلك الحين ليصبح حرسهم البريتوري. تتجذر هوية الحرس الثوري في المفهوم الإسلامي الشيعي لولاية الفقيه – أو سيادة رجال الدين. وقد ضمن رجال الدين الحاكمون السيطرة على الحرس الثوري الإسلامي من خلال آليات عديدة، بما في ذلك عمليات تجنيد صارمة، وتلقين أيديولوجي، وعمليات تطهير. بعبارة أخرى، أعضاء الحرس الثوري الإسلامي هم مجرد رجال دين يرتدون الزي العسكري. في الواقع، كجزء من اختيارهم وتلقينهم، يخضعون لنفس الدراسات الحوزوية الشيعية التي يخضع لها رجال الدين الحاكمون.

كذلك، لا تنطبق فكرة صعود جيل شاب وأكثر براغماتية على الحرس الثوري الإسلامي. في الواقع، الصفوف الشابة في المنظمة أكثر أيديولوجية وتطرفاً من أسلافها.

هذا يتركنا أمام الخيار الأخير: تغيير النظام “جذريًّا”. لا يقتصر هذا التغيير على استبدال القادة السياسيين فحسب، بل يشمل أيضاً تفكيك النظام الحاكم، بما في ذلك أيديولوجيته ونخبته. في السياق الإيراني، هذا هو السبيل الوحيد لإحداث تغيير حقيقي ودائم في سياسات وهوية الوضع الراهن، وتحويل البلاد من دولة ثورية إلى دولة قومية عادية.

من الناحية العملية، يمكن تحقيق تغيير “جذري” للنظام من خلال ثلاث وسائل: تدخل أجنبي، أو دعم أجنبي، أو ثورة شعبية.

الخيار الأول – أي تغيير النظام بتدخل أجنبي – غالباً ما ينطوي على غزو شامل بقوات برية للإطاحة بالحكومة القائمة. وبينما أظهرت حرب الاثني عشر يوماً افتقار الجمهورية الإسلامية إلى قوة عسكرية مؤثرة (على غرار جيش صدام حسين البعثي الذي انهار في غضون 19 يوماً فقط عام 2003)، فإن فكرة تغيير النظام بتدخل أجنبي في إيران لا تزال غير شعبية على الإطلاق نظراً للتجارب السابقة في العراق وأفغانستان. وبالتالي، لا توجد رغبة سياسية أو قدرة اقتصادية كافية في الغرب لتطبيق هذا الخيار. ولعل الأهم من ذلك، في حالة إيران، أن طبيعة المشاعر المعادية للنظام المنتشرة بين السكان تجعل هذا الخيار غير ضروري.

لكن ما مدى واقعية الثورة الشعبية في إيران؟ هذا الخيار يؤيده معظم نشطاء المجتمع المدني الإيراني وجماعات المعارضة. ومع ذلك، وبينما يعتبره كثيرون الخيار الأمثل لتغيير النظام “جذرياً”، فإنه لا يأخذ في الاعتبار واقع آليات القمع الواسعة التي تستخدمها الجمهورية الإسلامية على الأرض.

خلال العقود القليلة الماضية، وفي كل مرة خرج الشعب الإيراني إلى الشوارع في احتجاجات مناهضة للنظام على مستوى البلاد، ويشمل ذلك عامي 2022 و2023، كان يتعرض لقمع وحشي من قبل أجهزة الأمن. وقد أثبتت تجربة نصف القرن الماضي بوضوح أن نجاح انتفاضة شعبية في إيران أمر بالغ الصعوبة دون دعم خارجي نظراً لقوة شبكات الأمن التابعة للنظام واتساع نطاقها. ولا يزال هذا الجهاز القمعي الواسع، الذي يطال جميع شرائح المجتمع الإيراني، قائماً إلى حد كبير حتى بعد حرب الأيام الاثني عشر، حيث استهدفت عمليات إسرائيل في المقام الأول البنية التحتية العسكرية والنووية للنظام.

يمكن مواجهة تحدي الجهاز القمعي من خلال سيناريو تغيير النظام بدعم خارجي، بأن تقوم الجهات الخارجية بإضعاف البنية التحتية القمعية للنظام. إلا أن معارضي هذا الخيار يستشهدون بليبيا كمثال تحذيري، حيث أدى التدخل الأجنبي، في المقام الأول على شكل غارات جوية، ليس فقط إلى انهيار نظام معمر القذافي، بل إلى حرب أهلية مطولة وتفتيت البلاد. تختلف إيران وليبيا اختلافاً كبيراً في تاريخهما السياسي، وبنيتهما الديموغرافية والثقافية، وتكوينهما الاجتماعي.

أولاً، ليبيا دولة حديثة العهد نسبيًّا، تأسست عام 1951 عقب الحرب العالمية الثانية. على النقيض من ذلك، تعد إيران من أقدم الحضارات المتواصلة في العالم، بتاريخها الوطني الذي يمتد لأكثر من 2500 عاماً. في عهد القذافي، كانت ليبيا مجتمعاً قبلياً بالأساس، وكان القذافي نفسه زعيماً قبلياً حافظ على تماسك مختلف العشائر والمناطق في البلاد. مع انهيار نظامه، انهار هذا التوازن الهش، ما أدى إلى التشرذم، لا سيما بين الشرق والغرب، حيث تهيمن جماعات عرقية وقبلية متميزة.

في المقابل، على الرغم من تنوعها العرقي، ظلت إيران حضارة موحدة لآلاف السنين. تبلورت الدولة الإيرانية الحديثة في عهد السلالة الصفوية عام 1501، حيث أسست حكومة مركزية جرى تحديثها لاحقاً من خلال إنشاء بيروقراطية حديثة متكاملة الأركان في عهد السلالة البهلوية بدءاً من عام 1921. وعلى عكس ليبيا، تتمتع إيران بهوية وطنية راسخة وتراث عريق في المجتمع المدني. لقد تعايش الإيرانيون كأمة متعددة الأعراق لقرون، ومنذ الثورة الدستورية عامي 1905 و1906، دأبوا على الدعوة إلى نظام سياسي أكثر تمثيلاً ومساءلة.

ومن ثم فإن تغيير النظام في إيران بدعم من الخارج من شأنه أن يسفر عن نتائج مختلفة جذرياً، وذلك بسبب استمرارية إيران التاريخية عميقة الجذور، والنسيج الاجتماعي المتماسك، والهوية الثقافية الغنية، والإرث المؤسسي الدائم.

في الأيام الأخيرة من حرب الاثني عشر يوماً، بدأت إسرائيل باستهداف الأجهزة الأمنية للنظام، لكن هذا لم يكن سوى خدشاً على السطح، إذ بقيت الشبكة الأمنية العميقة سليمة إلى حد كبير. يعد وجود هذه الآلية القمعية الشاملة العائق الأكبر أمام التغيير المثمر في إيران. ومن المؤكد أن إضعاف الجهاز القمعي للجمهورية الإسلامية قد يهيئ مساحةً للشعب الإيراني للتعبئة الفعالة. في مثل هذا السيناريو، يمكن لقوة أجنبية – كإسرائيل أو حتى الولايات المتحدة – تقديم الدعم الجوي لحماية المتظاهرين من خلال ضرب مقرات الأمن ومراكز القيادة والوحدات التابعة للنظام، والتي دأبت على سحق الانتفاضات بقوة وحشية.

بعد أن غيرت إسرائيل التوازن الاستراتيجي، قد تتاح للشعب الإيراني فرصة حقيقية لاستعادة مستقبله من قبضة النظام. وفي حين أظهر النظام القدرة على الحفاظ على سلطته من خلال القمع الداخلي ضد شعب إيراني أعزل، يمكن أن تتغير هذه المعادلة إذا أُضعفت آلية القمع بشكل كبير من خلال الدعم الخارجي.

يستمر البعض في القول بأن تغيير النظام في إيران لا يزال خياراً غير واقعي، ولكن إذا كانت حرب الاثني عشر يوماً قد كشفت عن شيء، فهو أن الجمهورية الإسلامية أضعف بكثير مما كان يُعتقد في السابق.

الكاتب: سعيد جولكار، كسرى اعرابي

https://www.meforum.org/mef-online/what-does-regime-change-in-iran-look-like

زر الذهاب إلى الأعلى