تقارير ودراسات

“عصابات داعش” في غزة؟

مع استمرار حرب إسرائيل في غزة، فإن أحد أحدث الجدالات التي ظهرت الادعاء بأن إسرائيل تدعم “عصابات تابعة لداعش” أو “عصابات مرتبطة بداعش” في غزة كقوة موازنة لحماس، مع انتشار هذا الادعاء بين الإسرائيليين والفلسطينيين والهيئة الأوسع من المراقبين الدوليين والمحللين للحرب. على سبيل المثال، غردت اليسارية الإسرائيلية ديمي رايدر مؤخراً، مستندة إلى تصريحات أدلى بها أفيغدور ليبرمان (الذي يعارض حزبه ائتلاف نتنياهو الحاكم): “عاجل … نتنياهو يؤكد أن إسرائيل كانت تدير” عصابات إجرامية تابعة لداعش في غزة”. وبالمثل، كتب المحلل السياسي الشهير مهدي حسن (ردًّا على جون سبنسر الذي يدافع عن الحملة العسكرية الإسرائيلية): “هذا هو الأمر: [سبنسر] المهووس بحماس لا يمانع تسليح العصابات المرتبطة بداعش”.

ولكن هل هناك أدلة قيمة تدعم هذا الادعاء؟

يركز الادعاء بشكل رئيس على ميليشيا مسلحة معادية لحماس في جنوب غزة تسمى “القوات الشعبية” بقيادة ياسر أبو شباب، يُشتبه بشكل معقول في أنها مدعومة من إسرائيل أو على الأقل متسامحة معها. ومع ذلك، فإن مجرد إلقاء نظرة سريعة على هوية المجموعة وإنتاجها الإعلامي يلقي بظلال من الشك على مزاعم انتمائها لتنظيم الدولة الإسلامية (الذي يعني إعلان الولاء لخليفة التنظيم) أو صلتها به. على سبيل المثال، يحيل شعار المجموعة بوضوح على رموز وطنية مرفوضة تماماً من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، لا سيما استخدام العلم الوطني الفلسطيني. وبالمثل، يمكن للمرء أن يلاحظ العلم الفلسطيني على ملابس أعضاء المجموعة كما هو معلن في دعايتها.

قد يجادل البعض بأن صور المجموعة وخطابها المعلن قد يكونان غطاءً لإخفاء انتمائها أو ارتباطها بتنظيم الدولة الإسلامية، تماماً كما قد يخفيان الدعم الذي تتلقاه من إسرائيل. لكن ليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأن هذا النهج “السري” مسموح به من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، الذي دأب على التأكيد أن القتال أو العمل تحت رايات قومية يشكل انحرافاً محرماً عن النهج الحقيقي للحرب ضد إسرائيل والمتجسد في التوحيد الإسلامي و تأطير الصراع في إطار ديني بحت.

علاوة على ذلك، وبافتراض أن المجموعة تتلقى دعماً من إسرائيل، فمثل هذا السلوك مرفوض أيضاً من قبل الدولة الإسلامية ويشكل “ناقضاً” للإسلام؛ لأنه بينما تعدّ الدولة الإسلامية حماس جماعة “مرتدة”، فإنها أيضاً تعدّ أفعال المجموعة تعاوناً مع إسرائيل على حساب مصالح السكان المسلمين في غزة (الذين تعتبرهم الدولة الإسلامية مسلمين لا”مرتدين” عن الإسلام). بعبارة أخرى، ستعتبر مجموعة ياسر أبو شباب أيضاً أنها “أبطلت” انتماءها إلى الإسلام وسقطت في “الردة” لدعمها غير المسلمين (يهود إسرائيل) ضد المسلمين (شعب غزة).

وفقاً لما يمكن فهمه من الادعاء المتعلق بتعاون إسرائيل مع “عصابات تابعة لداعش”، فإنه ينبع أساساً من منطق عام قائم على “الذنب بالتبعية” (على حد تعبير الصحفي ماثيو بيتي) استناداً إلى أنشطة بعض أفراد العشائر التي جُندت منها ميليشيا ياسر أبو شباب أو استمالت أفرادها، والتي كانت على خلاف تاريخي مع حماس. على سبيل المثال، يُقال إن ياسر أبو شباب نفسه ينتمي إلى عشيرة الترابين التي لها وجود في كل من غزة وسيناء. وفي حين قد يكون بعض أفراد هذه العشيرة قد شاركوا سابقاً في معارضة جهادية لحماس في غزة، فإنه من الصعب التعميم بشأن مواقف كل العشائر. على سبيل المثال، في منطقة سيناء، تعاون بعض أفراد الترابين على الأقل مع الجيش المصري ضد تمرد داعش هناك (الذي لا يزال موجوداً اسمياً باسم “ولاية سيناء”، ولكنه اندثر عملياً منذ بداية عام 2023).

بالإضافة إلى ذلك، في منشور حديث، بدا غسان عبد العزيز الدهيني (المرتبط بمجموعة ياسر) وكأنه يوجه نداءً لعشيرتي الديري ودغمش للتوحد، و”ألا يستمتع الأعداء بمصائبنا”. وقد انخرط بعض أفراد عشائر دغمش في جماعة جيش الإسلام الجهادية الغزية الصغيرة، والتي ظلت متوارية عن الأنظار منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، لكنها معروفة بدعمها لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ويُحتمل أيضاً أن يكون لبعض أفراد ميليشيا ياسر خلفية سلفية و/ أو على صلة بعمليات تهريب من وإلى منطقة سيناء.

لكن كل هذا بعيد كل البعد عن فكرة أن إسرائيل تدعم “عصابات تابعة لداعش” في غزة – وهي فكرة مدفوعة في المقام الأول بسردية داخل دوائر السياسة الإسرائيلية يتم تضخيمها وتكرارها على وسائل التواصل الاجتماعي دون تدقيق وافٍ. يمكن انتقاد ميليشيا ياسر أبو شباب بوصفها منظمة إجرامية، ويمكن النظر إلى الدعم الإسرائيلي لها وللجماعات المماثلة على أنه سياسة سيئة للغاية، لكن فكرة وجود نوع من التعاون بين الدولة الإسلامية وإسرائيل لمواجهة حماس لا تدعمها أدلة قوية. في الواقع، موقف الدولة الإسلامية نفسه تجاه إسرائيل واضح تماماً: إنها كيان غير شرعي يغتصب أراضي المسلمين ويجب تدميره. وفي حين تعطي الدولة الإسلامية الأولوية على نطاق واسع لتفكيك الكيانات “المرتدة” التي تحيط بإسرائيل، فقد دعت الجماعة مراراً وتكراراً إلى شن هجمات على اليهود والإسرائيليين في جميع أنحاء العالم في محاولة لإظهار الدعم لغزة وفلسطين.

الكاتب: أيمن جواد التميمي

https://www.aymennaltamimi.com/p/isis-affiliated-gangs-in-gaza

زر الذهاب إلى الأعلى