خطوط الصدع في سوريا وتداعياتها الإقليمية

يمثل الوضع المتطور في سوريا فصلاً حاسماً في إعادة تشكيل الشرق الأوسط. فالبلاد، التي كانت في السابق معقلاً لروسيا وإيران، لم تبرز بعد كدولة مستقرة، بل كساحة لقوى متنافسة على النفوذ في مشهد متحول بفعل الصراعات العالقة والانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية.
بعد سقوط نظام الأسد، قدمت الولايات المتحدة دعمها للحكومة السورية المؤقتة حديثة التأسيس. التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، واصفاً إياه بـ”الرجل القوي”، مضيفاً أن الشرع “لديه فرصة حقيقية للحفاظ على تماسك سوريا”. رفع ترامب العقوبات المفروضة على سوريا فوراً، وشطب هيئة تحرير الشام من قائمة المنظمات الإرهابية. أثارت هذه التحولات السياسية السريعة قلقاً بالغاً بين الحلفاء الرئيسيين – لا سيما الأكراد – الذين لطالما خشوا استبعادهم من المفاوضات التي ترسم مستقبل البلاد. وتتفاقم مخاوفهم بسبب التهديد المستمر للجماعات المتطرفة والمقاتلين الأجانب في سوريا، والذي لم تتمكن الحكومة المؤقتة من احتوائه حتى الآن. بالإضافة إلى ذلك، وكما هو الحال مع كثيرين في سوريا والمنطقة، لا تزال قوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد تشعر بقلق عميق إزاء احتمال عودة ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لا سيما في ظل تقارير تفيد بأن الجماعة الإرهابية قد بدأت بالفعل في إعادة تأسيس وجود لها في المناطق الخاضعة للسيطرة الاسمية للحكومة السورية المؤقتة. علاوة على ذلك، تشكل مراكز الاحتجاز – التي تقدر أعداد مقاتلي داعش فيها بعشرة آلاف – تهديداً أمنياً خطيراً. إن مخاطر هروب هؤلاء السجناء وعودة الأنشطة الإرهابية تجعل هذا التهديد مستمرًّا، بل وربما متجدداً.
في الأسابيع الأخيرة، شهدت محافظة السويداء، جنوب سوريا، موطن الأقلية الدرزية، بعضاً من أعنف أعمال العنف منذ بدء الحرب الأهلية السورية عام 2011، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة بين ميليشيات درزية وفصائل بدوية مسلحة. وقد أسفر الاقتتال، الذي أشعلت شرارته نزاعات محلية وتفاقم بفعل سنوات من التوترات الكامنة، عن مقتل المئات ونزوح الآلاف. وفي خضم هذه الفوضى، نشرت الحكومة السورية المؤقتة قواتها في المنطقة بنجاح محدود.
تضمنت القوات التي نشرتها الحكومة السورية المؤقتة مسلحين يُزعم تورطهم في انتهاكات جسيمة ضد الأقلية الدرزية، بما في ذلك عمليات إعدام خارج نطاق القضاء، والترهيب، وأشكال أخرى من سوء المعاملة. ولا يزال الوضع الإنساني في المنطقة مزرياً. بالنسبة للدروز في سوريا، أدى العنف المميت إلى تعميق مخاوفهم من التهميش، وأثار هواجسهم بشأن التشرذم الطائفي طويل الأمد، وسلط الضوء على الصراع الجيوسياسي المعقد الذي لا يزال قائماً في المنطقة الجنوبية الممزقة من البلاد.
بعد وقت قصير من بدء النزاع، تدخلت إسرائيل عسكريًّا في الصراع، متذرعة بضرورة حماية الطائفة الدرزية. كثفت إسرائيل غاراتها الجوية في جنوب سوريا، مستهدفة البنية التحتية العسكرية السورية، بما في ذلك وزارة الدفاع ومواقع قريبة من القصر الرئاسي في دمشق. أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جنوب سوريا – وتحديداً القنيطرة ودرعا والسويداء – منطقة محظورة على القوات السورية، فارضاً بذلك منطقة عازلة منزوعة السلاح في المنطقة. وحذر نتنياهو الجيش السوري من أنه “إذا رأينا [القوات السورية] هناك، فسنضرب مجدداً”.
تأتي هذه التطورات في الوقت الذي تجدد الولايات المتحدة تأكيد دعمها للحكومة السورية المؤقتة، مع النأي بنفسها عن الضربات الإسرائيلية الأخيرة. أدانت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، تامي بروس، أعمال العنف، وأشارت إلى “استياء” واشنطن من الإجراءات العسكرية أحادية الجانب التي اتخذتها إسرائيل. أصدر كل من المملكة العربية السعودية، والأردن، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، وقطر، والكويت، وعُمان، والعراق، ولبنان، ومصر بياناً مشتركاً أكدوا فيه التزامهم بوحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها. ورفض البيان صراحة التدخلات العسكرية الأجنبية وأي محاولات أخرى للتأثير على الشؤون الداخلية السورية.
أعربت تركيا أيضاً عن قلقها البالغ إزاء تصرفات إسرائيل. وصف الرئيس رجب طيب أردوغان الموقف العسكري الإسرائيلي بأنه “استفزازي” و”مزعزع للاستقرار”. وأعرب وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن قلق أنقرة العميق إزاء تصرفات إسرائيل خلال اجتماع مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في 19 يوليو/ تموز، قائلاً إن “تدخلات إسرائيل المستمرة في الأراضي السورية تفاقم الأزمة”، وإن “أي هجوم يستهدف سلامة أراضي سوريا ووحدتها وسيادتها يقوض جهود السلام الإقليمية”.
مع تطور الأحداث المقلقة في السويداء، انسحب الجيش السوري وقوات الأمن – جزئيًّا لتجنب التصعيد مع إسرائيل – تاركين فراغاً سرعان ما ملأته جماعات بدوية مسلحة وفصائل مسلحة أخرى. وقد زادت هذه الجهات الفاعلة العنيفة، التي يحتفظ بعضها بعداء تاريخي تجاه الأقليات في المنطقة، من زعزعة استقرار بيئة هشة أصلاً.
بعد أيام من الاقتتال المكثف، أعلن توم باراك، السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص لسوريا، عن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وسوريا بوساطة أمريكية وبدعم من شركاء إقليميين، منهم تركيا والأردن. وحث جميع الفصائل – الدرزية والبدوية – على نزع سلاحها، ووقف الأعمال الانتقامية، والسعي إلى المصالحة. وشدد باراك على ضرورة حماية المدنيين، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية، ومنع المزيد من التصعيد.
يُبرز الوضع الأخير في جنوب سوريا هشاشة البلاد، والمخاطر الجسيمة التي تمثلها الانقسامات الطائفية والعرقية في دولة لا تزال تكافح للخروج من جحيم الحرب الأهلية. يثير التفكك المحتمل لسوريا تداعيات تتجاوز حدودها. بالنسبة للعراق، يشكل استمرار عدم الاستقرار على طول حدوده الغربية تهديداً مباشراً لأمنه القومي، ويقوض جهود الحفاظ على وحدة أراضيه. في تركيا، يرجَّح أن يدفع التآكل الملحوظ للنفوذ – لا سيما في ضوء توسع التدخل الإسرائيلي – أنقرة إلى إعادة تقييم موقفها الاستراتيجي.
لحد الآن، يتيح وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة – بقيادة الولايات المتحدة – فرصة هشة لكنها حاسمة لخفض التصعيد وإمكانية المصالحة، ومساراً محتملاً نحو التعايش السلمي. يجب على الحكومة السورية المؤقتة اغتنام هذه الفرصة السانحة لترسيخ حوكمة فعالة واستعادة النظام. وهذا يشمل حواراً وطنياً سياسياً جاداً وشاملاً، وكبح نفوذ الجهات الفاعلة الخبيثة والفصائل المتطرفة التي تفيد التقارير بأن بعضها يعمل ضمن صفوف قواتها، ويُزعم تورطه في انتهاكات جسيمة، لا سيما ضد الأقليات. إن القيادة الاستباقية في هذه المرحلة ضرورية لمنع المزيد من التفكك، ولتمهيد الطريق لمستقبل أكثر شمولاً واستقراراً.
حتى هذه اللحظة، لا يزال الوضع في سوريا هشاً. تكشف الأحداث الأخيرة عن أمة لم تنعم بالسلام بعد، بل لا تزال في حالة من الغموض – الفراغ تتنافس فيه الجماعات العرقية والمتطرفون المسلحون والجهات الفاعلة الأجنبية على السيطرة. وبينما تكافح سوريا جاهدة للوصول إلى الاستقرار، فإن العواقب تتداعى عبر الحدود، ما يجعلها بوتقة ومرآة للشرق الأوسط الناشئ.
المصدر: صوفان جروب
https://thesoufancenter.org/intelbrief-2025-july-21/
