بعد عقود من الصمت: فرنسا تعترف أخيراً بتهديد الإخوان المسلمين

لعقود، اتسمت الهجرة الجماعية من العالم الإسلامي في فرنسا بمزيج من الاستعلاء الأيديولوجي والسلبية المؤسسية. وتحت ذريعة التنوع والتسامح، تم تجاهل تنامي مؤشرات التطرف والتغلغل الإسلاموي – إن لم يكن تبريرها صراحة – مما أدى إلى ظهور أحياء معزولة في قلب المدن الكبرى.
اليوم، تدق أجهزة الاستخبارات الفرنسية ناقوس الخطر إزاء الزحف الخبيث لجماعة الإخوان المسلمين، وذلك من خلال تقرير ـ رُفعت عنه السرية ـ قُدم إلى وزارة الداخلية ونشرته صحيفة “لوفيغارو” حصرياً. يرسم التقرير صورة لبلد مقوض من الداخل بهيكل أيديولوجي وتنظيمي يعمل يمنأى عن العقاب منذ أكثر من نصف قرن.
الوثيقة، المكونة من 73 صفحة، هي ثمرة أشهر من العمل الميداني والاجتماعات مع خبراء ومسؤولين ودبلوماسيين وقادة دينيين. تفصّل الوثيقة في وجود شبكة منظمة للغاية: 139 دار عبادة مرتبطة مباشرة باتحاد مسلمي فرنسا [الفرع الفرنسي للإخوان المسلمين]، بالإضافة إلى 68 دار عبادة تعتبر تابعة له، موزعة على 55 مقاطعة. وفي حين لا يعترف الاتحاد رسميًّا إلا بـ 53 جمعية فقط، يقدر الباحثون العدد الحقيقي بـ 280 جمعية، تغطي قطاعات من التعليم إلى المساعدة الاجتماعية والتمويل الإسلامي. إنها منظومة مصمّمة، كما يصفها التقرير، “لتوجيه حياة المسلم من المهد إلى اللحد”.
يدرس حالياً أكثر من 4200 طالب في 21 مدرسة متصلة بهذه الشبكة، خمس منها متعاقدة مع الدولة. من أبرزها مدرسة ابن رشد الثانوية في ليل، التي خضعت في وقت سابق للتحقيق بتهمة تلقي تمويل غير مشروع من دول مثل قطر ومصر والكويت، ولوجود مواد تعليمية تتعارض مع قيم الجمهورية. كما حدد التقرير 815 مدرسة قرآنية نشطة تضم 66 ألف قاصر، ثلثها تابع لجماعات أصولية.
يحذر التقرير من “الدعوة 2.0” التي تنتشر كالنار في الهشيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فالشباب المتأثرون بالدعاة الهجينين – الذين يمزجون بين السلفية وأيديولوجية الإخوان المسلمين – يتلقون تلقيناً أيديولوجياً غير منضبط. ومع ذلك، لا تعمل الشبكة علانية. لطالما كان سر نجاحها التظاهر بالاعتدال: تقديم صورة محترمة ومعتدلة مع ترسيخ نفوذها في الأحياء والجمعيات، وحتى في المؤسسات العامة مثل المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية.
لقد صُممت استراتيجية إضفاء الشرعية هذه بعناية لاستغلال الأطر القانونية الأوربية. الهدف: ليس دمج “الهوية الإسلامية”، بل فرضها [بوصفها “هوية بديلة”] من خلال النمو الديموغرافي وضغط المعايير الاجتماعية القائمة على الشريعة الإسلامية.
سنوات من التحذيرات من المواطنين والأحزاب السياسية وأجهزة الأمن لم تجد آذاناً صاغية، بل اتُّهمت صراحة بأنها “معادية للإسلام”. لكن اتضح أن كل ذلك كان صحيحاً ومدبراً بإتقان.
يقرّ التقرير بأن خطر الإخوان المسلمين لم يحظ بالأولوية مقارنة بالخطر المباشر للإرهاب الجهادي. وقد سمح هذا التقصير – أو الإهمال – لأيديولوجية الإخوان المسلمين بمد جذورها، واستغلال الأموال الأوروبية، وإقامة تحالفات دولية، وبناء قاعدة اجتماعية شابة مخلصة ومتطرفة بشكل متزايد.
خلاصة التقرير واضحة تماماً: فرنسا لا تواجه مشكلة أمنية فحسب، بل تحدياً وجودياً أيضاً. الإسلام السياسي – بنسخته الإخوانية – لا يسعى إلى التعايش، بل إلى التغيير. إنه يعمل من خلال التقية، والمحسوبية المحلية، واستعمار الفضاء الاجتماعي، والاستخدام السلبي للحقوق الديمقراطية. ما بدأ كـ”خيار روحي” أصبح هجوماً أيديولوجياً صامتاً ولكنه مدمر.
فرنسا – العلمانية، والمستنيرة، والجمهورية الفخورة – تراقب الآن نمو مجتمع معادٍ من داخل أسسها، مجتمع لا يهدف إلى الاندماج، بل إلى الاستبدال… ومع ذلك، بالنسبة للنخب الحاكمة في أوربا، لا يزال الخطر الحقيقي يكمن فيما يسمى باليمين المتطرف.
الكاتب: خافيير فيلامور*
* صحفي ومحلل إسباني مختص بالسياسة الدولية والدفاع والأمن. يقيم في بروكسل، ويغطي شؤون حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي.
