تقارير ودراسات

بعد السويداء: كيف يشكل محيط سوريا مستقبلها

إن الدماء الطائفية التي أُريقت في السويداء ليست مجرد صراع محلي، بل هي إخلال بالمنطق الجيوسياسي لسوريا ما بعد نظام بشار الأسد.

تشير الاشتباكات بين الجماعات الدرزية والميليشيات الموالية للحكومة إلى تحول أعمق في ديناميكيات القوة الداخلية والتحالفات الإقليمية. في منتصف يوليو/ تموز، اندلعت أعمال عنف في أنحاء محافظة السويداء بعد أن شنت جماعات مسلحة مرتبطة بالحكومة السورية – يتألف العديد منها من مقاتلين بدو وعشائر – هجمات منسقة على المناطق الدرزية. أفادت التقارير بأن بعض المهاجمين صوروا أنفسهم وهم يطلقون النار على المدنيين، مما حول الهجوم إلى استعراض استفزازي للإفلات من العقاب. أعقب ذلك أعنف موجة عنف شهدتها المحافظة منذ سنوات، مخلفة عشرات القتلى وأحياء بأكملها تحمل ندوب الصراع – جدران مثقوبة بالرصاص، وقرى ومنازل محترقة، وعائلات تبكي خسائرها في صمت.

مع مقاومة المقاتلين الدروز، نزح آلاف المدنيين البدو إلى القرى المجاورة، وتم التوصل في النهاية إلى هدنة هشة. لكن تحت وطأة هذه الهدنة الهشة، بدأت الحسابات الاستراتيجية والعقد الاجتماعي الذي حافظ على السويداء بمعزل عن الصراع السوري الأوسع بالتفكك، مما أثار تساؤلات جديدة حول الدور المستقبلي للمحافظة في المشهد السوري الممزق.

مع ذلك، فإن تفكك السويداء ليس مجرد مؤشر على تفكك سوريا الداخلي، بل هو أيضاً انعكاس لتحولات في الاستراتيجيات الإقليمية. لم تكتف الجهات الفاعلة الإقليمية بالتفاعل مع أحداث السويداء، بل ساهمت في تشكيلها. يعكس توسع دور إسرائيل في الجنوب، والتوافق الاستراتيجي لتركيا مع دمشق، والدعم السعودي والأردني للسيطرة المركزية، حسابات جيوسياسية متطورة. لقد بلورت السويداء تجزئة البلاد إلى مناطق ذات استقلال سياسي وعسكري، مما دفع سوريا أكثر نحو نموذج مراكز حكم منفصلة تتشكل من التحالفات الأجنبية بقدر ما تتشكل من الشرعية المحلية أو غيابها.

داخلياً، تُبرز أزمة السويداء المتفاقمة كيف تعيد فراغات السلطة المحلية تشكيل الجغرافيا السياسية لسوريا. فعلى عكس الساحل، حيث حافظ الرئيس أحمد الشرع، على الأقل حتى الآن، على سلطته الرسمية ومنع المزيد من الاضطرابات بعد موجة من المجازر الطائفية التي استهدفت العلويين في مارس/ آذار، عقب كمين نُصب للقوات الحكومية من قِبل معارضين، خالفت السويداء هذا التوجه. في أعقاب الغارات الجوية الإسرائيلية على القوات السورية في السويداء ومحيطها دفاعاً عن الدروز، إلى جانب ضربة مباشرة على مقر الجيش السوري في وسط دمشق، توسطت الولايات المتحدة وتركيا وعدة دول عربية في هدنة بين الفصائل، وأعلنت الأسبوع الماضي وقفاً لمعظم أعمال القتال.

أدى وقف إطلاق النار، إلى جانب الانسحاب اللاحق لقوات الحكومة السورية والغضب الشعبي واسع النطاق إزاء عمليات القتل الأخيرة، إلى رفع مكانة الشيخ حكمت الهجري، الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في سوريا. وعلى الرغم من أنه كان في السابق شخصية مثيرة للجدل تنافس مع السلطات الدينية الدرزية الأخرى وقاد طائفة منقسمة سياسياً، برز الهجري الآن كأبرز أصواتها. يُنظر إلى الهجري بشكل متزايد على أنه الشخصية التي ضمنت الحماية الإسرائيلية وساعدت على منع استمرار ما خشي الكثيرون أن يصبح مذبحة على أيدي مقاتلي العشائر والموالين للحكومة، مما أكسبه مكانة البطل بين شرائح كبيرة من الدروز. ففي تراجع دراماتيكي عن حذرها السابق، تعلن شرائح واسعة من الطائفة الدرزية السورية الآن عن استعدادها لقبول ضمانات أمنية من جهات خارجية، بما في ذلك إسرائيل، مما يؤكد عمق التحول المحلي في الموقف من دمشق.

قلّلت هذه الديناميكية الجديدة من احتمالية التوصل إلى تفاهم سوري-إسرائيلي، والذي كان الكثيرون، حتى وقت قريب، يعتقدون أنه في المتناول. في الوقت نفسه، أثار تغير نظرة الدروز لإسرائيل احتمالية نشوء منطقة عازلة داخل سوريا بين إسرائيل ودمشق، مما زاد من تعقيد الحسابات الاستراتيجية للنظام. ومع ذلك، خارج السويداء، ترسخت أيضاً النظرة السورية لإسرائيل. ينظر العديد من السوريين الآن إلى إسرائيل كقوة تسعى إلى تفكيك البلاد وإخماد أيّ أمل في السلام أو المصالحة أو إيجاد مخرج من حرب سوريا الطويلة.

كشفت أزمة السويداء أيضاً عن تباين مصالح الأطراف الإقليمية الفاعلة، حيث أعاد كلٌّ منها ضبط نهجه تجاه مستقبل سوريا. وقد ساهمت إسرائيل، أكثر من أي طرف آخر، بشكل مباشر في تشكيل الديناميكيات على الأرض. فمن خلال استهدافها للأسلحة الثقيلة السورية في الجنوب، وتحذير دمشق من إدخال معدات جديدة، والانحياز إلى الجماعات المسلحة الدرزية، تحول إسرائيل فكرة المنطقة العازلة داخل الأراضي السورية إلى واقع استراتيجي. يعكس هذا النهج استراتيجية إسرائيلية أوسع نطاقاً: الإبقاء على صراع النفوذ في سوريا، وردع الجهات التي لا تستطيع السيطرة عليها، ومواجهة عودة النفوذ الإيراني.

في المقابل، ينظر الأردن إلى استقلال السويداء المحتمل على أنه تهديد أمني خطير. على الرغم من أن المحافظة تقع على حدود الأردن، لا يوجد معبر رسمي بينهما. لا تزال عمان تشعر بالقلق من ظهور جيب لا يمكنها الوثوق به أو التأثير عليه أو تنظيمه، وخاصة إذا تحالف مع إسرائيل. وقد زاد تهريب المخدرات والأسلحة، الذي يمثل مصدر توتر أصلاً، من تفاقم المخاوف، لا سيما مع تقاطع الشبكات القبلية داخل الأردن مع ديناميكيات الصراع في جنوب سوريا. لطالما فضل الأردن العمل مع الدول المركزية، وعارض باستمرار الجهات الفاعلة غير الحكومية وتطلعات الحكم الذاتي قرب حدوده.

في غضون ذلك، دعمت المملكة العربية السعودية جهود دمشق لاستعادة سيطرتها على السويداء، معتبرة الحفاظ على وحدة أراضي سوريا شرطاً أساسياً لاستقرار المنطقة من خلال منع عودة إيران إلى سوريا، ومنع المزيد من الفوضى في بلاد الشام. ومثل تركيا والأردن، تعارض الرياض التقسيم، وأعربت عن إحباطها من توسع دور إسرائيل في الجنوب، وهي لحظة تقارب نادرة بين المملكة العربية السعودية ومنافسها الإقليمي ـ تركيا.

مع ذلك، لا تزال السعودية متشككة في النفوذ التركي على دمشق، وهو قلق دفع الرياض إلى زيادة دعمها للشرع سعياً لإبقائه ثابتاً في الحضن العربي. تدرك الرياض بلا شك أن تكثيف الهجمات الإسرائيلية على دمشق قد يدفع الحكومة السورية إلى التقارب مع أنقرة، ما قد يؤدي إلى تنامي الوجود العسكري التركي في جميع أنحاء سوريا كقوة موازنة للضغط الإسرائيلي – وهي نتيجة تسعى الرياض جاهدة لتجنبها. ولا يقتصر قلق الرياض على تزايد خضوع سوريا للنفوذ التركي فحسب، بل يشمل أيضاً احتمال نشوب مواجهة تركية إسرائيلية قد تزيد من زعزعة استقرار المشهد الإقليمي الهش أصلاً.

لا يوجد مكان يتجلى فيه التباين الاستراتيجي بين إسرائيل وتركيا أكثر من سوريا. فبينما لا تزال الدولتان منشغلتين بشدة برسم النتائج على الأرض، تختلف رؤيتيهما لمستقبل سوريا بشكل متزايد.

تعمل إسرائيل على إبقاء السلطة مجزأة، معتبرة اللامركزية ضمانة ضد مركزية الجماعات الإسلاموية أو صعود تحالف [إسلاموي] غير متوقع قد يتراجع عن التزاماته مستقبلاً. يعكس نهج إسرائيل في السويداء استراتيجيتها الأوسع: تمكين الجهات الفاعلة المحلية واحتواء التهديدات القريبة من خلال التدخلات العسكرية.

على النقيض من ذلك، دعمت تركيا الحكومة المركزية في دمشق من خلال الجهود الدبلوماسية وتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي. ترى أنقرة في قيادة الشرع حصناً منيعاً ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة من الولايات المتحدة، والتي تعتبرها تركيا امتداداً لحزب العمال الكردستاني (بي كي كي) الذي تم تفكيكه مؤخراً – وهي جماعة تصنفها تركيا منظمة إرهابية. تعتقد أنقرة أن إعادة إحياء الدولة السورية – وخاصة تلك التي تستطيع التأثير عليها – هي السبيل الأكثر فعالية لقمع زخم الحكم الذاتي الكردي، وتقليص الدعم الأمريكي للقوات الكردية بالقرب من حدودها الجنوبية. كما تخشى تركيا من أن تستغل الفصائل الكردية في سوريا الاضطرابات في الجنوب للتعبئة السياسية والعسكرية لتعزيز تطلعاتها نحو الحكم الذاتي.

في حين أعادت إسرائيل وتركيا فتح القنوات الدبلوماسية بينهما بحذر، لا تزال سوريا نقطة خلاف رئيسية. يختلف الجانبان ليس فقط حول شرعية حكم الشرع، بل أيضاً حول طبيعة النظام السياسي المطلوب في سوريا للحفاظ على الاستقرار والأمن الإقليمي. في الواقع، تعزز إسرائيل التقسيم كشكل من أشكال الأمن، بينما تسعى تركيا إلى المركزية كمسار نحو سوريا مستقرة لا تُصدّر التحديات الأمنية الكردية. من المرجح أن يتعمق هذا التباين مع سعي كلا البلدين إلى تشكيل نظام ما بعد الصراع وفقاً لشروطهما الخاصة.

بالنسبة إلى الحكومة السورية بقيادة الشرع، كشفت أزمة السويداء عن محدوديتها وأوضحت تحالفاتها الإقليمية. لا تزال السيطرة على السويداء، في الوقت الراهن، احتمالاً بعيداً. يفتقر النظام إلى الشرعية والقدرة العسكرية لإعادة فرض سيطرته في الجنوب دون إثارة مقاومة أوسع. وبدلاً من ذلك، يعتمد الشرع دبلوماسيًّا على داعميه الإقليميين – وخاصة تركيا والأردن والسعودية وقطر – لتعزيز سلطته وتقديم الدولة على أنها الضامن الوحيد لوحدة أراضيها. وتتجنب استراتيجيته التفاوض المباشر مع القادة المحليين الناشئين، مثل الهجري، مما يشير إلى رفضه إضفاء الشرعية على أي جهة تعمل خارج المؤسسات الرسمية.

يبقى الاستثناء الوحيد قوات سوريا الديمقراطية، التي يفرض دعمها الأمريكي تفاعلاً خاصًّا. ولكن حتى في هذه الحالة، تقاوم الحكومة التعامل معها كندٍّ سياسي، مفضلة حصر الحوار في مسائل التنسيق الأمني بدلاً من الإصلاح الدستوري أو الإقليمي. وبشكل أعم، يعطي نهج الشرع الدبلوماسي الأولوية للعواصم الأجنبية على التوافق الداخلي – مشركاً واشنطن وأنقرة وتل أبيب، مع تجنب أي حوار داخلي حول مستقبل حكم سوريا. إنها استراتيجية مصممة للحفاظ على مظهر الدولة، حتى مع استمرار تآكل تماسكها الداخلي.

لن تحدد انتصارات المعارك أو بيانات القمم ما سيحدث في سوريا لاحقاً، بل ستحدده تطورات الواقع الميداني، واستعداد الأطراف الإقليمية والدولية للتكيف معه. مثلت أزمة السويداء النهاية الرسمية للصراع الثنائي الذي ميز سوريا وشكل الأحداث على الساحل: النظام في مواجهة المعارضة. وحل محله واقع متعدد الطبقات ولامركزي، تشكله تحالفات متغيرة، ومناطق نفوذ متداخلة، ومطالبات متنافسة بالشرعية. لم تخرج سوريا من حكم الأسد الذي دام عقوداً ككيان واحد قابل للحكم، بل كساحة مجزأة إلى مناطق شبه مستقلة، وترتيبات بوساطة خارجية، ومراكز حكم منفصلة.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة وغيرها، يكمن التحدي الآن في تجاوز الأطر البالية التي تعطي الأولوية لتماسك الدولة على حساب الاستقرار السياسي. إن الشرعية والتوافق المحلي والتنسيق الإقليمي – وليس القوة أو الاعتراف الرسمي وحدهما – هي ما سيحدد المرحلة التالية من التحول في سوريا. يتطلب استقرار سوريا فهماً إقليميًّا أوسع، فهماً يقر بدور دول الجوار في تشكيل النتائج ويمنع التصعيد بينها. مع ترسيخ إسرائيل لوجودها العسكري داخل سوريا، يتزايد خطر إعادة إحياء الصراع الإقليمي – وهو سيناريو يجب تجنبه. سواء كان الهدف هو الاستقرار أو إعادة الإعمار أو منع الصراع، فإن أي سياسة جادة يجب أن تبدأ بالاعتراف بأن مركز سوريا لن يصمد – وأن محيطها هو الذي سيحدد مستقبل البلاد.

 

الكاتب: إبراهيم الأصيل

https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/after-swaida-how-syrias-periphery-is-shaping-its-future/

زر الذهاب إلى الأعلى