تقارير ودراسات

بعد إهداء ترامب طائرة رئاسية: قطر تواصل شراء النفوذ السياسي

ثار جدل أخلاقي واسع منذ إعلان قطر إهداء الرئيس دونالد ترامب طائرة بوينغ 747. طُرحت الفكرة قبيل زيارة ترامب الأخيرة للشرق الأوسط، لكنها بالتأكيد ليست فكرة جديدة.

في عام 2018، وبعد أن علم أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتطلع إلى إضافة طائرة رئاسية جديدة إلى أسطوله، أهدى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أردوغان طائرته الشخصية من طراز بوينج 747-8 المصممة خصيصاً له.

اشترت قطر الطائرة عام 2015، وسجلت أقل من 500 ساعة طيران، وكان آل ثاني يخطط لطرحها للبيع مقابل 400 مليون دولار. وبعد علمه باهتمام أردوغان، قرر إهداءه إياها، مما سلط الضوء على أساليب قطر في التأثير على الأطراف السياسية الدولية وتطويعها لإرادتها. ويمثل إهداء طائرة لأردوغان أولاً، ثم لترامب الآن، ذروة نجاح قطر في التأثير على السياستين التركية والأمريكية.

لقد أشرف أردوغان وآل ثاني بعناية على الاستثمار السياسي والمالي القطري في تركيا على مدار عقد من الزمن. ومن الإنصاف القول إنه عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، تعد قطر الحليف الحقيقي الوحيد لتركيا. من السهل فهم السبب: فكلٌّ من أردوغان وآل ثاني يتبنى ويدعم رؤية الإخوان المسلمين للمنطقة، كما يتضح من دعم كلا البلدين لحماس. وفي حين تشكل قطر المقر الرئيس للكيان المصنف إرهابياً من قِبل الولايات المتحدة خارج غزة، تعد تركيا موطناً للمراكز المالية واللوجستية الرئيسة للحركة.

تؤمّن اللجنة الاستراتيجية العليا التركية القطرية التعاون الأيديولوجي بين أنقرة والدوحة. أُنشأت هذه اللجنة بناء على اتفاقية ثنائية رئيسة أُبرمت عام 2014 لتنظيم اتفاقيات التجارة والدفاع والنقل والإعلام بين البلدين. وتعزز هذا التعاون بالتنسيق العسكري. في عام 2017، أنشأت تركيا قاعدة عسكرية متقدمة في قطر لرفع مستويات الجاهزية العسكرية. وأخيراً، تعد الدوحة أيضاً مصدراً رئيسياً للدعم المالي لأنقرة. في نوفمبر / تشرين الثاني 2022، عندما كانت تركيا في أوج شح احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي، تدخلت قطر لإيداع مليارات الدولارات كتمويل طارئ.

باختصار، أنفقت الدوحة موارد كبيرة، ورسخت تدريجياً علاقة هادفة مع أنقرة. ونشهد وضعاً مماثلاً في الولايات المتحدة.

على مدار ربع القرن الماضي، استثمرت قطر مئات المليارات من الدولارات في الولايات المتحدة، موزعة على قطاعات الدفاع والطاقة والتعليم والعقارات والترفيه. وفي كلمة له في منتدى قطر الاقتصادي في 20 مايو / أيار، أعلن الرئيس التنفيذي لصندوق الثروة السيادية القطري أن الدوحة تخطط لاستثمار 500 مليار دولار إضافية في الولايات المتحدة خلال العقد المقبل، وهو مبلغ يعادل تقريباً أصول الصندوق البالغة 526 مليار دولار.

في غضون ذلك، دأبت قطر على التودد إلى السياسيين الأمريكيين، ديمقراطيين وجمهوريين، على جميع مستويات الحكومة، لسنوات. ولعل أشهر هذه الحالات هي قضية بوب مينينديز، الديمقراطي من نيوجيرسي، والرئيس السابق للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، الذي فقد منصبه بعد أن أدانته هيئة محلفين بقبول رشاوى بدعوى “استخدام نفوذه وسلطته لصالح حكومة قطر”.

ليس مينينديز أول مشرّع أمريكي يرتبط بقطر. فقد بدأت الدوحة في استعراض نفوذها في مجال الضغط السياسي بشكل جدي عام 2017، بعد أن قطع مجلس التعاون الخليجي علاقاته مع قطر بسبب “دعمها” للجماعات المتطرفة. منذ ذلك الحين، كرست قطر موارد كبيرة لبناء نفوذها في مجلسي الكونغرس، ونسج علاقات مع مشرّعين أفراد، وتوظيف جماعات ضغط للتأثير على العملية التشريعية.

في عام 2017، على سبيل المثال، كلفت قطر جماعات ضغط بحشد معارضة ضد مشروع القانون الأمريكي لمحاربة داعمي المقاومة الفلسطينية، الذي صنف قطر كراعٍ لحركة حماس. حذرت مواد وزعها عملاء قطريون من أن مشروع القانون يستهدف قطر “بشكل خاطئ وغير عادل”، وأنه قد يقوض العلاقات الاقتصادية القوية بين الولايات المتحدة وقطر. وسواءً كان ذلك بفضل جهود قطر أم لا، لم يُمرَّر مشروع القانون قط.

استمرت جهود قطر في خضم الحرب على غزة. تشير الإفصاحات المقدمة إلى وزارة العدل الأمريكية إلى أن جماعات الضغط المدعومة من الدوحة تواصلت مع مكاتب في مجلسي النواب والشيوخ أكثر من 285 مرة بين أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وأبريل/ نيسان 2024 بشأن دور قطر في مفاوضات الرهائن. ويبدو أن جهود الدوحة تؤتي ثمارها. فقد حافظت قطر على دورها كوسيط، واستمرت في تلقي إشادات من المسؤولين الأمريكيين، حتى مع تحميلها إسرائيل مسؤولية الحرب التي بدأتها حماس.

يعد قرار قطر إهداء ترامب طائرة بوينغ 747، على الرغم من التقارير التي تفيد بأن البنتاغون “عرض شراء الطائرة”، ذروة النفوذ السياسي. وكما أشار النائب ريتشي توريس (ديمقراطي من نيويورك): “في مفارقة قاسية، ستشترك طائرة الرئاسة الأمريكية مع حماس في شيء واحد: تمويلها من قطر”.

في مواجهة ردود الفعل الغاضبة بشأن التبعات الأخلاقية لقبول طائرة بقيمة 400 مليون دولار من حكومة أجنبية، قال ترامب إنه من “الغباء” أن نقول “لا، لا نريد طائرة مجانية باهظة الثمن”. وتدخل مسؤول كبير آخر في الإدارة الأمريكية قائلاً: “لا توجد أي شروط، لا تعاقدية ولا ضمنية”. وبغض النظر عن أن تحويل الطائرة القطرية إلى طائرة رئاسية قد يكلف دافعي الضرائب الأمريكيين ما يصل إلى مليار دولار، فإن فكرة أن الطائرة تأتي دون شروط هي فكرة واهية في أحسن الأحوال.

منذ استلامه طائرته الجامبو من قطر، تشبث أردوغان بالدوحة، معتمداً على الاستثمارات القطرية الحيوية لاستقرار الاقتصاد التركي. قد لا يحتاج الاقتصاد الأمريكي إلى المال القطري، لكن من الخطأ افتراض أن “اللفتة القطرية العظيمة” لن تقيد واشنطن بالمثل. قد يعني ذلك التخلي عن القيم الأمريكية للتعامل مع نظام مكّن حماس ورعى طالبان. أو قد يعني ترك سوريا فريسة للمصالح القطرية والتركية، دون ضمانات تمنع ظهور دولة جهادية تمولها قطر ويباركها رئيس الولايات المتحدة ضمنياً.

استلم البنتاغون للتو طائرة بوينغ 747 من قطر. ربما كان عليه قراءة الشروط والأحكام أولاً.

 

الكاتب: ناتالي إيكانو، سنان سيدي

https://www.fdd.org/analysis/op_eds/2025/06/03/qatar-keeps-purchasing-political-influence/

زر الذهاب إلى الأعلى