تقارير ودراسات

المسار المستقبلي للسلطة في إيران

مع تصاعد التوترات بين إيران وإسرائيل عبر حروب بالوكالة، وهجمات إلكترونية، واغتيالات استراتيجية، كان آخرها هجمات عسكرية مباشرة، ينصب التركيز بشكل كبير على توازن القوى الإقليمي. ينبغي النظر إلى الشؤون الداخلية الإيرانية، لا سيما التصعيدات الأخيرة التي تنذر بعواقب وخيمة. في ثمانينيات القرن الماضي، ساهمت الحرب في توحيد البيئة السياسية المتنافرة في إيران بعد ثورة 1979. أما اليوم، فتتكشف الأحداث في إيران مختلفة تماماً، إيران متأثرة بإرهاق سياسي، وتصدع أيديولوجي، وخيبة أمل متوارثة، ومجتمع عالق بين الولاء والصمت والمعارضة.

قد تسعى القيادة الإيرانية إلى إحياء أطر التعبئة السابقة، إلا أن الظروف الراهنة تشير إلى أن الصراع الخارجي قد يعمق التوترات الداخلية بدلاً من دعم التماسك على المدى الطويل، لا سيما بعد الحرب الإسرائيلية التي استمرت اثني عشر يوماً.

القيادة والشرعية

تواجه جمهورية إيران الإسلامية مجدداً تهديداً خارجيًّا ذا تداعيات داخلية. يحاكي رد فعل القيادة على الصراع الإسرائيلي الإيراني النهج السابق، لا سيما خلال ثمانينيات القرن الماضي، عندما عزز آية الله الخميني الحماسة الثورية من خلال الحرب والمقاومة. في ذلك الوقت، استغلت الدولة الجديدة الفكر الديني والتضحية والتعبئة الجماعية لترسيخ وجودها.

اليوم، لا تزال الاستراتيجية الخطابية للدولة مألوفة: تصوير الصراع كصراع حضاري، والاحتكام إلى الواجب الإسلامي والوطني، والدعوة إلى الوحدة. يبدو أن العديد من الإيرانيين، وخاصة الشباب وسكان المدن، يشعرون بخيبة أمل تجاه الأسس الأيديولوجية للدولة. فالدين، الذي كان في يوم من الأيام النسيج الموحد للمشروع الثوري، لم يعد يحظى بنفس الولاء. في الوقت نفسه، غالباً ما ينظر النقاد إلى القومية، عند استحضارها من قبل الدولة، على أنها مجرد رد فعل أو أداة، وليست قيمة متجذرة. لا تزال فكرة الدفاع عن الثورة قوية لدى البعض، وخاصة الأجيال الأكبر سناً التي شكلتها الحرب العراقية الإيرانية والمجتمعات المحافظة، لكنها لا تلهم عموم السكان.

لطالما شكلت القومية الرابط الأيديولوجي للقيادة، لا سيما في أوقات التوتر الخارجي. خلال ثمانينيات القرن الماضي، امتزجت القومية بالواجب الديني لخلق حالة من التضحية الجماعية. كانت الحرب مع العراق ساحة معركة وأداة سردية في آن واحد.

في ظل المشهد الجيوسياسي الراهن، وفي خضم الصراع الدائر مع إسرائيل، تواصل الدولة استخدام هذا الإطار سعياً لتحويل المواجهة إلى عامل للوحدة عبر دمج الدين والقومية. هذا الدمج بين الأغاني الوطنية التقليدية والأناشيد الدينية يسمح للدولة بنسج سردية هجينة تماهي بين الإيمان والهوية الوطنية.

على سبيل المثال، أُعيد تفسير أغنية “يا إيران”، التي ألفها محمد نوري في الأصل، في سياقات معاصرة لاستحضار المشاعر الوطنية والدينية. خلال الاحتفالات الأخيرة، بما فيها عاشوراء، أُديت الأغنية جنباً إلى جنب مع طقوس دينية، ما يرمز إلى مزج متعمد بين الفخر الوطني والإخلاص الروحي.

لا تزال الشعارات الرسمية والتجمعات والانتخابات العامة والاستعراضات العسكرية تُستخدم كأدوات لإيصال الرسائل السياسية، إلا أن استقبالها يبقى باهتاً. غالباً ما تُعدّ المشاركة التزاماً شكلياً بدلاً من أن تكون تعبيراً عن قناعة. تنتج هذه الفجوة بين خطاب الدولة والرأي العام شكلاً من أشكال الامتثال المشروط. ففي حين يلتزم المواطنون ظاهرياً بالطقوس المفروضة، فإن غياب المشاركة الحقيقية يعني أن الوحدة المترتبة على ذلك سطحية. وبدلاً من أن تعكس هذه المشاركة إجماعاً واسع النطاق، تخفي انفصالاً سياسياً كامناً ومعارضة غير معلنة.

تنظر غالبية المعارضة، إلى جانب شريحة كبيرة من الشعب، إلى القيادة على أنها عقبة لا مصدر للوحدة الوطنية. خلال حرب الاثني عشر يوماً، تباينت ردود الفعل. فعلى الرغم من أن بعض الأصوات أيد الضربات الإسرائيلية، التزمت الأغلبية الصمت، رافضة التدخل الخارجي بدافع وطني، حتى مع انتقادها القيادة الحالية.

طبيعة حرب الأيام الاثني عشر

لكي نفهم لماذا يفشل الصراع الخارجي في حشد الجمهور الإيراني كما كان يفعل في السابق، يتعين علينا أن ننظر إلى ما هو أبعد من السياسة ـ إلى الثقافة وعلم النفس.

لا تزال الجمهورية الإسلامية، كما كانت خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، تروج لثقافة الاستشهاد والمقاومة، لكنها تفعل ذلك الآن في بيئة يغلب فيها الشك على الروحانية. تتميز البيئة العامة المعاصرة بتحول في الأولويات من الالتزام الأيديولوجي إلى الاهتمامات العملية. علاوة على ذلك، أدى التدهور الاقتصادي والركود السياسي والفساد والعزلة العالمية إلى تحول الأولويات العامة من الأيديولوجية إلى البقاء.

تعقد الحروب الحديثة مساعي القيادة الإيرانية لتعبئة المشاعر الوطنية. فالمواجهة بين إيران وإسرائيل ليست حرباً شاملة، بل هي حرب غامضة وغير متكافئة، تتميز بالهجمات الإلكترونية، والضربات العسكرية الموجهة، والاغتيالات، والاشتباكات بالوكالة. هذه التكتيكات تكنوقراطية أكثر منها عاطفية. فهي لا تستدعي ذلك النوع من الولاء العميق الذي كانت تولده حرب الخنادق أو التعبئة الجماهيرية في السابق.

لم تُجد عمليات إسرائيل وتحريضها الخطابي على تغيير القيادة صدى لدى الشعب الإيراني. في حين قد تصور الدولة هذا الصمت علناً على أنه ولاء، من المرجح أنها تدرك السخط الكامن وراءه وتسيطر عليه من خلال مزيج من المراقبة والحوافز والقيود. أصبح الصمت أشد وطأة من أي وقت مضى؛ إذ لا إسرائيل ولا الجمهورية الإسلامية قادرتان على حشد غالبية الإيرانيين إلى صفهما.

في الواقع، كثير من الإيرانيين غير متأكدين مما تعنيه هذه الحرب بالنسبة لهم. وهذا يولد اللامبالاة، لا النشاط. نتيجة لذلك، يصبح الصراع حلقة أخرى في أزمة شرعية أوسع نطاقاً، حيث تحاول الحكومة استحضار ذاكرة جماعية لم تعد تلقى صدى لدى الجمهور.

خطط خامنئي للخلافة

لعل مسألة من سيخلف آية الله علي خامنئي هي القضية الأكثر أهمية، وإن كانت الأقل حسماً، في السياسة الإيرانية. إن الغموض المحيط بالخلافة ليس مجرد خيار شخصي، بل هو انعكاس لانقسامات هيكلية داخل النخبة الحاكمة في الجمهورية الإسلامية. صمم خامنئي، الذي يتولى السلطة منذ عام 1989، بيئة سياسية تزدهر بموازنة الفصائل المتنافسة بدلًا من إعداد وريث واحد مهيمن. وقد ترك هذا الساحة السياسية خالية من مرشح يحظى بقبول الجميع.

تتزايد التكهنات حول شخصيات مثل صادق لاريجاني، الرئيس السابق للسلطة القضائية، ومجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى، وحسن روحاني، الرئيس السابق. إلا أن ترشيح الأخير قد يقوض مكانة الجمهورية الثورية المناهضة للنظام الملكي. كان إبراهيم رئيسي، الذي شغل منصب رئيس إيران من عام 2021 حتى وفاته عام 2024، رجل دين محافظاً متشدداً، وثيق الصلة بآية الله خامنئي والحرس الثوري الإسلامي. عُرف بسجله القضائي المتشدد، وكان يعدّ من أبرز المرشحين لخلافة المرشد الأعلى. من دون رئيسي كشخصية محافظة تحظى بالقبول، قد تتحول المنافسة إلى صراع سلطة طويل مع الحرس الثوري الإسلامي.

في ظل هذا المناخ، يصبح الصراع الإسرائيلي الإيراني بمثابة إضافة طبقة أخرى إلى الحسابات السياسية المعقدة. لطالما استُغلت التهديدات الخارجية تاريخيًّا لرص الصفوف في الداخل، لكن النخبة اليوم أقل تماسكاً. بدلاً من الالتفاف حول خليفة في زمن الحرب، قد يرى أصحاب النفوذ في حقبة ما بعد خامنئي فرصة لتوسيع نفوذهم، ما قد يؤدي إلى نموذج قيادة متنازع عليه أو انتقالي. إن غياب خليفة يحظى بقبول واسع ليس مجرد علامة على عدم اليقين السياسي، بل هو تحذير من أن انتقال القيادة القادم في إيران قد يكون الأكثر هشاشة منذ عام 1989.

خاتمة

إن الصراع الإسرائيلي الإيراني بعيد كل البعد عن إحياء وحدة الجمهورية الإسلامية التي سادت خلال فترة الحرب في ثمانينيات القرن الماضي، فقد كشف عن محدودية خطابات التعبئة والحشد في مجتمع تشكل بفعل التغيرات الجيلية، والصعوبات الاقتصادية، والإرهاق السياسي. وفي حين تواصل القيادة الاعتماد على معجم المقاومة والتضحية والقومية الدينية المألوف، فإن هذه النداءات تلقى صدى متفاوتاً. قد تحتفظ ببعض التأثير لدى المجتمعات الأكبر سنًّا، أو الريفية، أو المحافظة، لكنها تلقى استجابة مكتومة أو تشككاً هادئاً من الفئات العمرية الحضرية والشبابية.

يفضل جيل الشباب الإيراني، الأكثر انفتاحاً، الوظائف والحريات والتفاعل مع العالم على الأيديولوجية الجامدة. ينتقد الكثيرون الحكومة، لكنهم لا يدعون إلى تدخل أجنبي. يشعر معظم الإيرانيين، على الرغم من توجههم السياسي، بفخر وطني قوي ويرفضون النفوذ الخارجي. تكشف الصراعات الأخيرة أنه بينما تتراجع الثقة في الحكومة، لا يزال الولاء للوطن قويًّا، حيث يختار الكثيرون كتم انتقاداتهم لتجنب الإضرار بالبلاد خلال الحرب. لكن هذا الصمت قد ينكسر بعد انجلاء العاصفة.

الكاتب: كاميار كايفانفار

https://www.orfonline.org/research/the-future-trajectory-of-power-in-iran

زر الذهاب إلى الأعلى