الشرع عند مفترق طرق: القتال أو الحوار؟

بعد تسعة أشهر، تواجه قيادة أحمد الشرع لسوريا أزمة حادة. في البداية، لاقى وعده بتوحيد البلاد تحت سلطته ترحيباً من الدوائر العربية السنية والجهات الراعية الإقليمية، وخاصة تركيا والسعودية. إلا أن الظروف تدخلت. دفع عجز الشرع عن تعزيز شمولية حقيقية، بالإضافة إلى نوبات العنف الطائفي، الدروز إلى الانفصال عن دمشق. وبذلك، ساروا على خطى الأكراد الذين نالوا على مدى العقد الماضي حكماً ذاتياً في شمال شرق سوريا.
يسعى الدروز الآن إلى إقامة إقليمهم المستقل في الجنوب. وقد تعززت جهودهم بدعم من إسرائيل، التي لطالما أبدت اهتماماً بتجزئة سوريا. في اجتماع عُقد في 24 يوليو/ تموز في باريس بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووفد إسرائيلي، استضافته فرنسا وتوسطت فيه الولايات المتحدة، ضغط الإسرائيليون على دمشق لتقديم تنازلات كبيرة. وكانت النتيجة انسحاب القوات الحكومية من السويداء، والتنازل فعليًّا عن الحكم المحلي لمجلس عيّنه قادة الدروز. حفزت هذه الخطوة حملة أوسع نطاقاً نحو اللامركزية، حيث استغلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقيادة الأكراد الفرصة لدفع أجندتها الخاصة بالحكم الذاتي. في 8 أغسطس/ آب، دعا اجتماع عُقد في الحسكة، حضره ممثلون عن مختلف الأقليات العرقية والدينية، إلى إنشاء دولة لامركزية وصياغة دستور جديد يضمن التعددية الدينية والثقافية والإثنية.
الشيطان الذي تعرفه
مع تنامي زخم اللامركزية، ازداد قلق تركيا – المعارضة أصلاً للحكم الذاتي الكردي. أكدت مصادر تركية لموقع “سوريا في مرحلة انتقالية” أن أنقرة قلقة من سوء تعامل دمشق مع الوضع في السويداء. وخوفاً من فرض مزيد من التنازلات، ضغطت على الشرع للانسحاب من جولة أخرى من محادثات السلام التي تستضيفها فرنسا بوساطة أمريكية، وهذه المرة مع الأكراد. تعارض تركيا التدخل الإسرائيلي والفرنسي في سوريا، ولا تزال حذرة من الولايات المتحدة بسبب دعمها العسكري المستمر لقوات سوريا الديمقراطية. في 6 يوليو/ تموز، أعلن البنتاغون عن تخصيص جديد قدره 130 مليون دولار لتمويل عمليات قوات سوريا الديمقراطية ضد داعش حتى عام 2026.
في غضون ذلك، ساهمت السعودية في إضفاء الشرعية على قيادة الشرع، ومنحته “غطاءً عربياً”، وحسّنت صورته على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها امتنعت عن تمويل حكومته مباشرة؛ ولم يحمِه النفوذ السعودي من غضب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. تتمتع الرياض بمرونة أكبر من أنقرة في تحالفاتها، وكانت، حتى ديسمبر/ كانون الأول 2024، مستعدة لدعم إعادة تأهيل بشار الأسد. من يتولى السلطة في دمشق يحتاج إلى دعم الرياض السياسي والاقتصادي، ولكن ليس بالضرورة دعم أنقرة. تجد تركيا نفسها في سوريا بدون حلفاء مهمين في مهمتها لاستعادة دولة مركزية قوية وذات مصداقية.
استراتيجية “صفر مشاكل” التي تبناها الشرع عند توليه السلطة تتفكك هي الأخرى. إسرائيل طرف معادٍ، والولايات المتحدة تتبنى موقفاً متناقضاً، والأوربيون، الذين كانوا متحمسين للحوار، التزموا الصمت. لم يتحقق التقاء المصالح الإقليمية والدولية الذي كان الشرع يأمل أن يدعم نظامه، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى الانقسامات الداخلية التي لم تُحل والتي استغلتها الجهات المعادية. في أعقاب أحداث السويداء، التي عمّقت هذه الانقسامات، أصدرت أنقرة بياناً شديد اللهجة، وهي تسعى الآن إلى الاضطلاع بدور أكثر حزماً في تشكيل السياسة السورية. وفقاً لمصادر مطلعة، فإن رسالة تركيا إلى الشرع واضحة: تعزيز العلاقات مع موسكو. فقط بعودة روسيا إلى صفها، تستطيع دمشق – وأنقرة – موازنة النفوذ الإسرائيلي والسعودي والغربي في سوريا، مع الحفاظ على وحدة أراضي البلاد وحكومة مركزية قوية.
هكذا، في 31 يوليو/ تموز، توجه وزير الخارجية السوري إلى موسكو، وصرح في مؤتمر صحفي، إلى جانب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: “الفترة الحالية مليئة بالتحديات والتهديدات المتنوعة، لكنها أيضاً فرصة لبناء سوريا موحدة وقوية. وبالطبع، نحن مهتمون بوجود روسيا إلى جانبنا في هذا المسار”. وبينما لم ينتهِ الوجود الروسي في سوريا تماماً – إذ تحتفظ بقواعد بحرية وجوية على طول الساحل، وقاعدة في الشمال الشرقي – فإن روسيا، حتى الآن، ظلت متخفية، تنتظر الفرصة المناسبة.
الآن، تسعى تركيا إلى عودة محتملة إلى صيغة سوتشي، وهي إطار عمل تنسق فيه أنقرة وموسكو بشكل وثيق، مما يخلق حقائق على الأرض لا يمكن لإسرائيل والغرب تجاهلها. بالنسبة إلى تركيا، فإن ما هو مطلوب الآن من موسكو واضح: الاستعداد للحد من الطموحات الإسرائيلية؛ وحل المشاكل مع الدروز والعلويين؛ وتزويد الجيش السوري الضعيف بالأسلحة وإعادة تأهيل المخزونات الحالية؛ ودعم إزالة تصنيفات الإرهاب من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على الشرع ووزير داخليته أنس خطاب. والأهم من ذلك، سيكون دعم روسيا محوريًّا إذا قررت تركيا حل القضية الكردية بالطريقة القديمة. قد يتضمن هذا هجوماً للجيش السوري بدعم من القوات الجوية التركية، في تكرار لعمليات 2016 و2018 و2019، والتي نُسّقت جميعها مع موسكو. وفقاً لمصادر مطلعة على المحادثات، طرحت روسيا مطالبها الخاصة. فهي تسعى إلى إعادة ضباط من عهد الأسد إلى الجيش السوري، وخاصة أولئك الذين تربطهم علاقات قوية بموسكو، بما في ذلك إعادة تعيين ضباط أمن دروز وعلويين لإدارة الأمن في المناطق ذات الأغلبية الدرزية والعلوية، وإعادة هيكلة ديون سوريا التي تقدر بنحو 50 مليار دولار، واتفاقيات تمنح روسيا الوضع القانوني الكامل لقواعدها العسكرية في سوريا.
الحل من أعلى
يجد الرئيس الشرع نفسه، كسابقه، عالقاً بين واقعين لا مفر منهما – إما الحفاظ على دولة مركزية موحدة أو مواجهة تقسيم سوريا – في الوقت الذي يواجه التوترات الكامنة بين التحالفات الإقليمية والتوقعات الدولية. إذا أخذ الشرع بنصيحة تركيا ووطّد علاقاته مع روسيا، فقد يضمن دعماً عسكرياً واستراتيجياً لحل قسري لـ”تحالف الأقليات”؛ لكنه يخاطر بتنفير قطاعات رئيسة من قاعدته السنية، التي ترى في الدعم الروسي صدىً لقمع الأسد.
في غضون ذلك، قد يؤدي تعزيز التقارب مع روسيا إلى خلاف بين الشرع والغرب، الذي أبدى عدم رغبته في العمل مع سوريا تحت النفوذ المباشر لموسكو. في حين يدعو الغرب إلى سوريا موحدة، يصر على حل سياسي يتضمن ترتيبات لتقاسم السلطة، لا سيما مع الأكراد والأقليات الأخرى. من وجهة نظر الشرع، سيؤدي هذا إلى إنشاء مراكز قوة متنافسة تتعارض مع هدفه في الحفاظ على السيطرة الكاملة على الجهازين السياسي والعسكري للبلاد. في الواقع، تمثل هذه معضلة واجهها الأسد أيضاً، الذي سعى للحفاظ على حكمه بالوسائل العسكرية، لكنه واجه ضغوطاً دولية مستمرة للتفاوض وتقاسم السلطة.
هناك اعتراف دولي متزايد بأن الصراع السوري (الذي لم ينته بعد) لا يمكن حله من خلال نهج دمشق التنازلي (من أعلى إلى أسفل). لكسر الجمود، يمكن لمؤتمر دولي أوسع نطاقاً – على غرار مؤتمر “أصدقاء سوريا” الذي عُقد في مرحلة مبكرة من الصراع – أن يوفر منتدى مناسباً. يمكن لمؤتمر يجمع اللاعبين الرئيسيين، بما في ذلك الولايات المتحدة وتركيا وروسيا وإسرائيل والعرب والأوروبيين، أن يكون خطوة حاسمة في صياغة خارطة طريق مستوحاة من قرار مجلس الأمن رقم 2254 بشأن ما يجب أن يحدث في السنوات الثلاث المقبلة. ستكون المكافأة هي أموال إعادة الإعمار التي ستتدفق بمجرد التوصل إلى اتفاق سياسي. يمكن لخارطة الطريق هذه أن تحدد معايير واضحة لعودة النازحين، وإعادة الإعمار، والإنعاش الاقتصادي، على أن يتم تحقيق ذلك من خلال عمليات شفافة – كل ذلك رهن بنجاح حوار وطني حقيقي.
يجب أن يشمل هذا الحوار جميع الأطراف السورية المعنية – حكومة الشرع، والطائفة السنية عموماً، والأكراد، والعلويين، والدروز، والأقليات الأخرى. ويمكن لاتفاق وطني، يتم التفاوض عليه وإقراره من قبل جميع الأطراف المحلية، أن يرسي أسس دستور دائم ونظام سياسي يوازن بين الحاجة إلى سلطة مركزية ودرجة من اللامركزية والتمثيل اللازمين لاستيعاب مختلف مكونات البلاد. في هذا السيناريو، قد تتعزز شرعية الشرع إذا اعترف به جميع المشاركين رئيساً.
قرار حاسم
تضرر الشرع بشدة من كارثة السويداء. حاول “فرض هيبة الدولة” على الدروز، وفي أثناء ذلك، قام بترهيب الأكراد، فكانت النتيجة أن تعرضت وزارة دفاعه للقصف، وانتهى به الأمر بالتنازل عن سيادة الدولة. كلما طال أمد عدم تسوية هذه المسألة، زاد احتمال أن تتحول الترتيبات المؤقتة إلى ترتيبات دائمة.
يواجه الشرع الآن قراراً حاسماً: إما مواصلة اتباع استراتيجية قسرية لتوحيد البلاد، ربما بدعم عسكري تركي وروسي؛ أو تبني الحوار ودرجة من اللامركزية والتعددية السياسية. إذا استرشدنا بغرائزه السياسية السابقة، من المرجح أن يُبقى على نهجه الحالي. فجاذبية المزايدة وسياسة حافة الهاوية تتماشى مع النزعات الشعبوية لإدارته. حتى في حال الهزيمة، يمكن للشرع أن يستغل سردية “لم أهرب من المواجهة” لتعزيز مصداقيته لدى أنصاره وتأمين طوق نجاة لمواصلة دوره كرجل السُّنة المتشدد. ومع ذلك، قد تكون هناك طريقة أخرى أكثر فعالية.
المصدر:
https://www.syriaintransition.com/doubleorquits
