السلفية الجديدة: سوريا تتبنى الطاعة بدلاً من الجهاد

أدى صعود هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا إلى تحول أيديولوجي مستتر، وإن كان ذا دلالة، داخل الجماعة وأنصارها. فبينما يستمر “التسليف” التدريجي للمجتمع [السوري] من خلال السيطرة على المساجد والجامعات والأكاديميات العسكرية، تبتعد الحكومة عن السلفية الجهادية التقليدية وتتجه نحو السلفية المدخلية بشكل أوثق. وقد لاقت هذه المدرسة الفكرية، التي تدعمها السعودية ويقبلها الغرب لقدرتها على مواجهة السلفية الجهادية، دعماً متزايداً داخل دوائر هيئة تحرير الشام. يُقدَّم هذا التحول للمتشددين داخل الجماعة كاستجابة ضرورية للتعب العام من الحرب المطولة والإرث السلبي لتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية (داعش). والهدف هو تقديم نهج سلفي أكثر اعتدالاً وتركيزاً على الشأن المحلي.
دخول المدخليين
ظهرت السلفية المدخلية، التي سُميت تيمناً بزعيمها السعودي البارز، ربيع هادي المدخلي (1933-2025)، كقوة مضادة للسلفية الجهادية في أوائل التسعينيات. وتماشياً مع تقاليد “الإسلام الهادئ”، رفض مؤسسوها المشاركة السياسية وأكدوا على الولاء المطلق للنظام الحاكم بغض النظر عن قمعه. وخلافاً للفصائل الجهادية العالمية الأكثر تشدداً، مثل القاعدة وداعش، يدعو الفكر المدخلي إلى الالتزام بالشريعة الإسلامية التقليدية، وطاعة السلطة، ورفض جماعة الإخوان المسلمين وأي تنظيم سياسي ذي مرجعية دينية. وقد اكتسبت هذه الأيديولوجية زخماً بين العناصر المحافظة داخل الحركة السلفية، لا سيما في المملكة العربية السعودية واليمن وأجزاء من شمال إفريقيا، حيث رُوّج لها كحصن منيع ضد الآثار المزعزعة للاستقرار للإسلام السياسي.
في اليمن، عندما سيطر الحوثيون على صنعاء عام 2015 وتقدموا نحو محافظات أخرى، حمل التيار المدخلي السلاح. برزت شخصيات مثل هاني بن بريك، أحد أبرز دعاة التيار المدخلي في عدن، والذي عُيّن وزيراً للدولة في الحكومة الانتقالية الأولى، حيث أشرف على إنشاء وتمويل قوات الحزام الأمني، التي يُزعم أنها استهدفت واغتالت أئمة خالفوه الرأي. في مصر، دعم التيار المدخلي انقلاب الرئيس السيسي، ولعبت شخصيات مثل محمد بن سعيد رسلان، المعروف بهجماته الشرسة على جماعة الإخوان المسلمين، دوراً محورياً في الساحة الأيديولوجية.
في ليبيا أيضاً، لعب التيار المدخلي دوراً هاماً. في البداية، انحاز إلى جانب القذافي ضد الاحتجاجات، معتبراً إياها فتنة. مع تطور الصراع، دعا المدخليون إلى دعم اللواء خليفة حفتر، حيث أشادت شخصيات مثل أشرف الميار، الضابط الكبير في جيش حفتر، بـ”الحرب على الخوارج”. أصدر الميار، الذي عُرف بـ”مفتي حفتر”، فتوى تدعو إلى قتل خصوم حفتر الأسرى، مدعياً أنهم “ارتدوا”.
المبادئ الخمسة
بالنسبة إلى حكام سوريا الجدد، تمثل أفكار السلفية المدخلية فرصة استراتيجية لإعادة تشكيل المسار الأيديولوجي للنخبة السنية المحافظة الناشئة. لم تعد القيادة السورية تركز على تصدير الجهاد أو تعزيز النزعة [الجهادية] الدولية، بل يبدو أنها تتجه نحو أيديولوجية ذات توجه محلي أكثر تهدف إلى ترسيخ السلطة مع التوافق بشكل أوثق مع القيم الدينية التي تروج لها دول الخليج. هذا التحول مستتر، ويحدث دون دعاية كبيرة أو تصريحات علنية؛ ولكنه واضح من خلال أفعال وخطابات الشخصيات الدينية الرئيسة. وقد تبنى رجال الدين الذين يتمتعون بشعبية كبيرة داخل هيئة تحرير الشام وخارجها، مثل الداعية السعودي المقيم في سوريا عبد الله المحيسني، والمستشار الرئاسي للشؤون الدينية عبد الرحيم عطون، ووزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري، أفكار السلفية المدخلية بشكل متزايد على المنابر وفي منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي. إن هذا التحول ينسجم بشكل واضح مع حكام سوريا الجدد، حيث إن الجهادية المتطرفة ـ بسبب طبيعتها العنيفة والثورية ـ تشكل عقبة أمام عملية بناء الدولة التي يسعون إلى القيام بها الآن.
تتشكل السلفية المدخلية من خمسة مبادئ رئيسة:
- الولاء المطلق للحاكم. أبرز سمات السلفية المدخلية هي طاعتها المطلقة للحاكم، حتى لو اعتُبر آثماً. وقد بدأت القيادة السورية بتبني هذا المبدأ، حيث نصبت الرئيس الشرع ولياً للأمر. ويروج أنصاره لفكرة أن أي انتقاد للحكومة ليس خيانة فحسب، بل كفراً أيضاً. ويعد هذا التحول جزءاً من محاولة أوسع نطاقاً لتركيز السلطة في يد الشرع، حتى أن البعض يقترح نظاماً ملكيًّا وراثيًّا في المستقبل – وهو مفهوم يلقى صدى لدى العناصر شديدة المحافظة داخل الحكومة.
- رفض التعددية السياسية. تبنت الحكومة السورية ضمنياً موقف السلفية المدخلية القائل إن السياسة والديمقراطية مفسدتان بطبيعتهما. عمدت الحكومة إلى تثبيط الأحزاب السياسية، وعارضت مفهوم الحرية السياسية، مصورة الثورة على أنها تمرد على نظام الأسد “الكافر” بدلاً من كونها نضالاً حقيقياً من أجل الحرية والديمقراطية. هذا التناقض الأيديولوجي – معارضة الحريات السياسية مع ادعاء دعمها – يُظهر صراع الحكومة لتحقيق التوازن بين استرضاء الغرب والحفاظ على شرعيتها الداخلية.
- العودة إلى الفقه التقليدي. من التطورات الرئيسة الأخرى التخلي عن التفسير الأكثر مرونة وإصلاحية للشريعة الإسلامية الذي روج له العالم السلفي السوري الراحل ناصر الدين الألباني. بدلاً من ذلك، تعود سوريا إلى أشكال فقهية أكثر تشدداً وطائفية، منسجمة مع المذاهب العريقة: الأشعرية والماتريدية وأهل الحديث. لهذه الخطوة تداعيات عميقة على المشهد الفقهي والديني في سوريا؛ إذ قد تُضعف التنوع الفكري الذي ميز العلوم الدينية في البلاد، وتجعل الاجتهاد شبه مستحيل.
- رفض الجهاد والدعوة إلى السلام مع إسرائيل. من أبرز التغييرات في التوجه الأيديولوجي لهيئة تحرير الشام تخليها عن الجهاد كمبدأ إرشادي. كان تحالفها السابق مع جماعات جهادية مثل القاعدة وداعش نابعاً إلى حد كبير من هدف مشترك يتمثل في مقاومة الحكام المدعومين من الغرب، إلا أن السلفية المدخلية ترفض مثل هذه الحملات. وقد بدأ قادة سوريا الجدد في الترويج لخطاب المصالحة، حتى مع إسرائيل، في إطار جهودهم لترسيخ مكانتهم كفاعلين براغماتيين. ووفقاً للمدخليين، فإن مجال السياسة ملك للحاكم الشرعي وحده، وأياً كان ما يقرره من معاهدات وتحالفات، فلا بد أن يكون ذلك في مصلحة الدولة.
- القومية على حساب العالمية. على عكس الرؤية السلفية الجهادية السابقة، التي اعتبرت سوريا جزءاً من حركة إسلامية جامعة، تركز السلفية المدخلية على المصالح الوطنية. ويبدو أن القيادة السورية عازمة على تعزيز الشعور بالقومية السورية، مهمشة بذلك خطاب العالمية الإسلامية الذي كان سائداً سابقاً، والذي تبناه جيل سابق من رجال الدين السلفيين. يتماشى هذا التحول مع التوجهات الإقليمية الأوسع. فقد تبنت المملكة العربية السعودية، على وجه الخصوص، رؤية أكثر قومية، حيث نأت بنفسها عن المُثل الإسلامية الجامعة التي ميزت سياستها الخارجية سابقاً.
القطيعة مع الماضي
قد يلقى التحول الأيديولوجي للحكومة صدى لدى بعض الفصائل المحافظة داخل المجتمع السوري، إلا أنه يواجه تحديات كبيرة. وقد تكون مقاومة المتشددين في هيئة تحرير الشام، الذين لا يزالون متمسكين بالسلفية الجهادية، شديدة. من غير المرجح أن تتبنى الأغلبية السنية في سوريا، التي تتبع تقليدياً المذاهب الصوفية أو الأشعرية، السلفية تلقائياً. كما أن التنوع الديني المتجذر في البلاد، إلى جانب النفوذ الراسخ لجماعات مثل الإخوان المسلمين، يزيدان من احتمالية معارضة جهود الحكومة. على الرغم من ضعف جماعة الإخوان المسلمين حاليًّا، لا تزال قادرة على موازنة الإصلاح الأيديولوجي للحكومة، لا سيما في المساجد والمجتمعات التي لا تزال خارج سيطرة الدولة.
تتخذ القوى الإقليمية الرئيسية مواقف متباينة من الحكومة. فبينما تدعمها السعودية، لا تزال الإمارات متشككة، غير مقتنعة بأنها قد قطعت علاقاتها تماماً مع حلفائها الجهاديين السابقين. تركيا متشككة أيضاً، ولكن لسبب مختلف: السلفية تعارض بشدة التصوف، وهو الشكل السائد للإسلام في تركيا. في الوقت نفسه، ترفض إسرائيل جميع الحركات الإسلاموية، لكنها ترى في هيئة تحرير الشام تهديداً خاصًّا، ويعود ذلك جزئياً إلى قدرتها على التكيف والتحول أيديولوجيًّا. لكن الواضح هو أن مزيجاً معقداً من الأفكار التجريبية يتغلغل في المجال العام. وبينما لا تزال النتيجة غير مؤكدة، فإن العملية نفسها مثيرة للاهتمام، وتؤكد على براغماتية التكيف لدى الجماعة التي تقود سوريا الآن.
المصدر
https://www.syriaintransition.com/newagesalafism
