تقارير ودراسات

“سرايا أنصار السنة” وتفجير كنيسة دمشق

عندما استهدف تفجير انتحاري كنيسة مار إلياس في دمشق قبل يومين، راودتني شكوك فورية بأن الهجوم من عمل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)؛ لأن التنظيم يعتبر استهداف أي مسيحي لا يعتنق الإسلام أو يوافق على معاهدة ذمية (معاهدة يضطر فيها المسيحيون إلى دفع “الجزية” – ضريبة على الرأس- والالتزام بقيود مختلفة) أمرًا مشروعًا.

إلا أن جماعة أخرى تدعى سرايا أنصار السنة أصدرت بياناً أعلنت فيه مسؤوليتها عن الهجوم. للجماعة حضور قوي على مواقع التواصل الاجتماعي منذ فترة، وعُرفت أساساً بتهديداتها للأقلية العلوية. سأعرض هنا بعض المعلومات عن الجماعة ومواقفها الأيديولوجية، استناداً إلى اتصال مع أحد أعضائها، بالإضافة إلى بيانها الذي تبنت فيه الهجوم.

وفقاً لمصدر في سرايا أنصار السنة، تعود أصول الجماعة إلى مكتب تجنيد تابع لهيئة تحرير الشام، كان يعمل على تجنيد خلايا للعمل خلف خطوط العدو (نظام الأسد). نفذ المكتب عدداً من العمليات ضد النظام، واستمر على ذلك. في بداية “التحرير” (أي مع بدء انهيار نظام الأسد أواخر نوفمبر/ أوائل ديسمبر)، نشأ خلاف بين رئيس المكتب وقيادة الهيئة بسبب إطلاق الأخيرة سراح أسرى من جيش النظام.

ومع ذلك، استمر التعاون بينهما حتى سقوط النظام. عندها “بدأت تظهر بوادر تغيير المبادئ، وانكشفت نواياهم الخبيثة، وأظهروا كراهيتهم لحكم الشريعة الإسلامية التي زعموا في البداية أنهم يقاتلون من أجلها، وواصلوا تطبيق حكم الدساتير الوضعية التي لم يأذن الله بها”. عندها، دعا رئيس المكتب العاملين معه إلى الانشقاق عن “هذه الجماعة الضالة المضلة” (هيئة تحرير الشام). انضم إليه عدد من المقاتلين، مشكلين بذلك نواة سرايا أنصار السنة. نفذت الجماعة بعد ذلك عدداً من الاغتيالات ضد “النصيريين والموالين لهم”، بالإضافة إلى هجمات لأَسْرِهم. استمرت هذه العمليات سراً حتى 31 يناير/ كانون الثاني عندما أعدم مقاتلو الجماعة عشرة أشخاص كانوا يقاتلون في صفوف النظام في قرية أرزة العلوية بريف حماة (حيث وقعت مجزرة بحق العلويين). بعدها تم الإعلان عن تشكيل سرايا أنصار السنة وتعيين “أبو عائشة الشامي” أميراً لها (وهو نفس رئيس مكتب التجنيد القديم في هيئة تحرير الشام).

يوضح المصدر نفسه أن قيادة المجموعة تضم منشقين اثنين عن هيئة تحرير الشام، بالإضافة إلى عضو سابق في تنظيم حراس الدين، الفرع الموالي لتنظيم القاعدة. وتضم صفوف المجموعة أعضاء سابقين في هيئة تحرير الشام و”عدداً من الفصائل”، بالإضافة إلى “مدنيين بايعوا المجموعة بعد الإعلان عن نفسها”.

فيما يتعلق بمواقف سرايا أنصار السنة، يوضح المصدر أن الحكومة السورية الجديدة التي تم حل هيئة تحرير الشام من خلالها هي “حكومة مرتدة” ترتكب “عدداً من نواقض الإسلام” (النواقض مفهوم وهابي مفاده أن بعض الأفعال والأقوال والمعتقدات “تبطل” إسلام الشخص، وبالتالي يقع في الكفر/ الردة). وفي حين ترى الجماعة وجوب قتال الحكومة الجديدة، فإنها لا تفعل ذلك حالياً. في المقابل، تعتبر سرايا أنصار السنة تنظيم داعش “أهل الحق”، وترى وجوب دعمه والانضمام إلى صفوفه، ولكن لا يوجد حالياً أي تعاون بين داعش والجماعة.

باختصار، سرايا أنصار السنة هي إما جماعة منشقة مؤيدة لتنظيم الدولة الإسلامية، نشأت أساساً من منشقين عن هيئة تحرير الشام (وهي جماعة أساسها الإسلام السلفي) وفصائل أخرى، ولكنها تعمل حالياً بشكل مستقل عن التنظيم، أو أنها مجرد جماعة واجهة لداعش.

في ما يلي بيان سرايا أنصار السنة الذي يعلن المسؤولية عن تفجير كنيسة دمشق. يُصوَّر التفجير على أنه رد على “استفزاز” المسيحيين بسبب معارضتهم للدعوة السلفية في حي الدويلعة بدمشق، وهي حادثة أثارت جدلاً في مارس/ آذار، حيث تدخلت الحكومة لتقييد أنشطة الدعوة. في الواقع، تجدر الإشارة إلى أن الدعوة المذكورة كانت تُقام أساساً أمام كنيسة مار إلياس آنذاك.

أقدم هذا البيان وأعتبر أنه ذو مصداقية.

بسم الله الرحمن الرحيم

بعد استفزازٍ من نصارى دمشق في حق الدعوة وأهل الملَّة، استفزاز جاوز التلميح إلى التصريح، وتعدَّى الهزل إلى الجد، تطاولوا فيه على أصول الدعوة، وأهدروا حرمة الملَّة، فاستبدلوا شكر النعمة بجحودها، وبدَّلوا رشد العقل بطيش الهوى، أقدم (الأخ الاستشهاديُّ: محمد زين العابدين أبو عثمان -تقبله الله- ) على تفجير كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة بمدينة دمشق مخلِّفاً عشرات القتلى والجرحى.

ونؤكد أن ما نشر في إعلام حكومة الجولاني عار عن الصحة، ملفق لا يسنده دليل، ولا يستقيم في ميزان العقل، بل هو استخفاف هزيل بعقول أهل الشام، ومحاولة يائسة لبثِّ الوهم في زمن عز فيه مَن يُخدَع.

وإنَّا -بحمد الله- في عافية وتمكين، وطمأنينة لا تهزُّها إشاعات المرجفين، ولا تُنقِص منها ترَّهات المفترين؛ فمن كان يظن أن الباطل يعلو بكلمة كاذبة، فقد خانته فراسته، وغرَّه لسانه.

ونؤكد -والقول فصل- أن القادم لن يمهلكم، ولن يرحم غفلتكم، فجنودنا -من استشْهَاديين وانغِمَاسيين- على أتمِّ الجاهزية، عُدَّة وعدداً، ورباطاً لا يعتريه وهن، ولا تعرف صفوفه التراجع. ومن ابتغى النجاة، فباب التوبة لا يزال مفتوحاً، فليُبادر قبل أن يُغلق، فإنَّا إذا أقبلنا لا نلتفت، وإذا مضينا لا نُمهل.

(وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) [الشعراء: 227].

والحمد لله رب العالمين

 

الكاتب: أيمن جواد التميمي

https://www.aymennaltamimi.com/p/saraya-ansar-al-sunna-and-the-damascus

زر الذهاب إلى الأعلى