رهان الأردن الحذر على الشرع في سوريا

يراهن الأردن وحلفاؤه الغربيون على الرئيس السوري المؤقت، أحمد الشرع، لدعم جهود مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي يعيد هيكلة عناصره في منطقة البادية جنوب سوريا. ويستغل داعش انهيار المنظومة الأمنية للاستيلاء على الأسلحة المنتشرة بعد سقوط نظام بشار الأسد.
على الرغم من أن بناء الدولة السورية لم يكتمل بعد بعد ثلاثة أشهر من الإطاحة بالأسد، يسعى الأردن إلى التعامل الإيجابي مع جاره الشمالي لضمان أمن الحدود ومحاولة إبعاد دمشق عن النفوذ التركي في المشهد الجديد.
يرتكز موقف الأردن على مفهوم العدو المشترك للبلدين، وعلى خلفية الشرع وفرقه الجهادية السرية الملمّة تماماً بالتكتيكات الإقصائية للتنظيم الإرهابي الإسلامي وعملياته الداخلية والخارجية. كما أنهم على دراية بمواقع أتباعه وطرائق تمويله منذ توسعه في سوريا والعراق مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ثم تراجعه لاحقاً تحت وطأة تحالف عربي دولي.
إن الوضع الهش والمتقلب في سوريا، وخطر وقوع مخزونات الأسلحة المتطورة في أيدي الجماعات المتطرفة، وإعادة هيكلة داعش خلال العام الماضي، كلها عوامل تثير مخاوف الأردن والغرب. فهم يخشون أن يصبح النزاع السوري ملاذاً جديداً لداعش، وأن يفعّل التنظيم استراتيجيات انتقامية.
وقد أكدت الأمم المتحدة هذه المخاوف، حيث أفادت قبل أسبوعين بأن منطقة البادية لا تزال تُستخدم كمنطقة حيوية ومركز للتخطيط للعمليات الخارجية لداعش. ووفقاً للأمم المتحدة، لجأ عناصر التنظيم إلى البادية هرباً من الفصائل التابعة لجماعة أحمد الشرع، هيئة تحرير الشام، التي انتقلت من إدلب إلى حلب وحمص وحماة، ووصلت في نهاية المطاف إلى دمشق.
خلايا نشطة ونائمة
لا يزال حوالي 5000 عنصر من داعش في سوريا موزعين على “خلايا نشطة ونائمة” منذ طردهم من آخر معاقلهم قبل ست سنوات. مثلت تلك المرحلة لحظة تحول التنظيم من هيكليته العسكرية إلى مفارز أمنية وفقاً لخبير الحركات الإسلامية، حسن أبو هنية، الذي يجادل بأن التنظيم “أعاد هيكلة نفسه بشكل كبير حتى قبل سيطرة الشرع وحلفائه”، حيث كان يستهدف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة من الولايات المتحدة، وتشكيلات النظام السابق، والميليشيات المرتبطة بإيران. يتماشى هذا التقييم مع إعلان القيادة المركزية الأمريكية أنها ضربت 75 هدفاً لداعش في سوريا في 8 ديسمبر/ كانون الأول، وهو اليوم الذي فر فيه الرئيس السابق بشار الأسد إلى موسكو.
تضاعفت هجمات داعش في سوريا ثلاث مرات العام الماضي مقارنة بعام 2023 لتصل إلى 700 هجوماً وفقاً لمركز صوفان الأمريكي المتخصص في التحديات الأمنية وقضايا السياسة الخارجية. في ظل الفوضى الأمنية الحالية، تُثار مخاوف من إمكانية اقتحام داعش للسجون مجدداً، كما فعل في عام 2022، عندما حرر 500 من أعضائه. قد يشجع أي فعل من هذا القبيل على شن هجمات في تركيا المجاورة، أو حتى يسهل سفر عناصر داعش إلى أوروبا، حيث قد تتفاقم ظاهرة “الذئاب المنفردة” التي تتبنى أيديولوجية التنظيم.
إضافة إلى ذلك، يشكل ما يقدر بـ 45 ألف عائلة وطفل منتمين إلى داعش، محشورين في مخيمي الهول والباغوز، تهديداً آخر. لقد أصبح معظم الأطفال المحتجزين “أشبالاً” ويعملون كقوة احتياطية للتنظيم وفقاً لأبو هنية.
في حين تشهد السجون والمخيمات في شمال شرق سوريا فرار مقاتلي داعش، تواصل قوات الأمن الداخلي إحباط محاولات مماثلة لعائلاتهم. ويؤكد أبو هنية أن “داعش لا يزال شديد الخطورة وينتظر ما سيحدث”، مضيفاً أن التنظيم يراهن على “الفوضى وعدم الاستقرار نتيجة التنافسات الإقليمية والدولية”. يحاول كل من إيران وداعش حشد جماعات تسعى للانتقام من الشرع مما يشكل تهديداً للأردن وتركيا والعراق.
وبينما تتصدى القوات التركية المحاصرة لهجمات الميليشيات المدعومة من الولايات المتحدة في شمال سوريا، يشكك خبراء أمنيون في قدرتها على مواصلة تأمين المعسكرات التي يُحتجز فيها آلاف من أعضاء داعش وعائلاتهم.
رهان الأردن المثير للجدل
منذ تفكك قوات الأسد وانسحاب ميليشيات حزب الله، يتولى الجيش الأردني “حماية أمن الحدود” من الجانب الأردني للجبهة الشمالية، بعد رصده تنامي خلايا داعش في مقابل تراجع عصابات تهريب الأسلحة والمخدرات. وكانت عمان قد تدخلت لتنسيق مجموعات في محافظة السويداء للمساعدة على الحد من التهريب بعد رحيل الأسد.
تلعب قاعدة التنف دوراً محورياً كموقع عسكري أمريكي استراتيجي في جنوب شرق محافظة حمص، عند تقاطع الحدود السورية مع الأردن والعراق. تراقب هذه القاعدة عناصر داعش وتتصدى لهم. وهناك اتفاق ضمني مع الشرع لمنع أي ميليشيات مسلحة – بعضها متطرف وتكفيري – من محاولة التقدم نحو الحدود الأردنية، وهو خط أحمر لكل من عمان وإسرائيل.
في غضون ذلك، حذرت إسرائيل إدارة الشرع من “أي خطوات خاطئة” في المناطق المتاخمة لحدودها، مؤكدة أن جنوب سوريا يجب أن يبقى منزوع السلاح.
الإرث والتوقعات المستقبلية
يدرك المسؤولون الأردنيون صعوبة تغيير “الحمض النووي” للشرع والفصائل المسلحة المتطرفة المنضوية تحت هيئة تحرير الشام. ومع ذلك، لا خيار أمامهم سوى الانفتاح عليه بحذر وتدريجياً سعياً إلى علاقات أكثر توازناً مع العالم العربي السني الأوسع لمواجهة النفوذ التركي.
يعتقد الخبير الجيوسياسي والأمن القومي، الدكتور عامر السبايلة، أن الأردن لا يزال في مرحلة بناء الثقة مع نظام الشرع. صرح لـ “درج”: “يمكن للجميع التعويل على الشرع إذا أثبت جديته في الشراكة. إن طريقه لشرعنة العلاقات مع المجتمع الدولي يمر عبر محاربة داعش”.
أرسلت عمان إشارات إيجابية عديدة إلى الشرع. فخلال زيارته الأخيرة التي استمرت ساعتين – وهي ثالث محطة خارجية له بعد الرياض وأنقرة – استقبله العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني عند درج الطائرة، وسار معه على السجادة الحمراء. قدّمه عبد الله إلى كبار المسؤولين في الدولة قبل أن يرافقه شخصياً في سيارته المصفحة السوداء إلى قصر رغدان.
بحسب مصادر مطلعة، طغت المخاوف الأمنية المتعلقة بحماية الحدود، والتنظيمات المتطرفة، والتهريب، على المحادثات الأردنية السورية. وقال مسؤولون طلبوا عدم الكشف عن هويتهم إن عمان مستعدة لتدريب قوات خاصة للجيش الجديد قيد التشكيل وإرسال مدربين إلى سوريا.
النهج الأردني
في لقاءاته مع وفود عربية وغربية، اقترح الملك عبد الله عدة استراتيجيات للتعامل مع التغيرات في سوريا. تشمل هذه الاستراتيجيات دمج الشرع في جهود مكافحة داعش لمنع التنظيمات الإرهابية من استئناف هجماتها على حلفاء الولايات المتحدة ومصالحها. كما اقترح مواصلة الضغط عليه مع ضمان شمولية الدولة السورية الجديدة؛ وذلك من خلال إبقاء العقوبات سارية وتخفيفها تدريجياً وفق نهج تدريجي.
بالإضافة إلى ذلك، شدد على أهمية بقاء القوات الأمريكية في منطقة الإدارة الذاتية التي تحميها قوات سوريا الديمقراطية، والتي تضم نحو 100 ألف مقاتل، معظمهم من الأكراد. يساهم استمرار الوجود الأمريكي في شمال شرق سوريا في توازن القوى، ويمنع التهديدات الانتقامية من حلفاء الأسد بعد تراجع نفوذهم في سوريا ولبنان.
من المقترحات المطروحة أيضاً إبقاء السجون التي تضم معتقلي داعش مفتوحة، ونقلهم إلى العراق لمحاكمتهم، أو الضغط على دولهم الأصلية لاستعادتهم. كما أن هناك حاجة لمتابعة التطورات السياسية في سوريا، بما في ذلك معايير تشكيل الحكومة الجديدة والمجلس التشريعي المؤقت، اللذين سيحددان دستور وهوية الدولة، بما يضمن شموليتها وخلوها من الإقصاء واحتكار السلطة.
أشار مسؤول أردني إلى أن لدى المملكة تحفظات عديدة على أسلوب قيادة الشرع، وميله إلى احتكار السلطة، واختياره حكومة متجانسة، وتطبيقه غير المتسق للقرارات المدعومة غربياً، مثل التسرع في تنظيم مؤتمر للحوار الوطني. كما لا تزال هناك مخاوف بشأن الجدول الزمني الممتد الذي حدده الشرع للانتخابات البرلمانية.
وأضاف المسؤول: “نحن مضطرون للتغاضي عما لا يعجبنا، لأننا لا نريد فوضى حدودية أو قتالاً في دمشق، مما قد يطلق موجات لاجئين جديدة. لكننا لن ننتظر إلى الأبد إذا لم يغير نهجه”، محذراً من أن الأردن سيتبنى موقفاً منسقاً مع الغرب في التعامل معه.
المصدر. وورلد كرانش
https://worldcrunch.com/world-affairs/isis-syria-al-sharaa-jordan/
