تقارير ودراسات

حزب الله باقٍ: تحليل نتائج الانتخابات البلدية في لبنان

انطلقت في 18 مايو/ أيار 2025 الانتخابات البلدية في العاصمة والمناطق الأساسية لحزب الله: بيروت والبقاع (بعلبك، الهرمل، زحلة، راشيا، والبقاع الغربي) وجنوب لبنان، واستمرت حتى 24 مايو/ أيار. تشكل نتائج هذه الانتخابات مؤشراً آخر (هذه المرة في المجال المدني) على أن حزب الله باقٍ، وأن القول بأنه أصبح ضعيفاً بعد الحرب ليس إلا ادعاء.

في الواقع، يمكن اعتبار هذه الانتخابات دليلاً على استمرار قوة حزب الله المدنية – التي تُمكّن قوته العسكرية. من المحتمل أن تصعّب نتائج الانتخابات على الحكومة اللبنانية التوفيق بين تصريحاتها عن إضعاف قوة حزب الله العسكرية – المنظمة التي تمثل “المقاومة المسلحة” جوهر أيديولوجيتها – وبين اتخاذ إجراءات جادة في هذا الاتجاه فعلياً.

منطقة البقاع: فوز واضح للقائمة المشتركة لحزب الله وحركة أمل

في منطقة البقاع، وتحديداً في البقاع الشرقي، في منطقتي بعلبك والهرمل، يتمتع حزب الله منذ سنوات طويلة بهيمنة سياسية وتنظيمية وعسكرية. وقد حققت لائحة “التنمية والوفاء”، التي تجمع الحزب وحركة أمل تحت مظلة واحدة في الانتخابات، انتصارات كاسحة في المجالس المحلية دون أي منافسة حقيقية، سواء بسبب عجز العناصر المستقلة عن التنظيم، أو بسبب الضغوط السياسية والتهديدات الضمنية.

تعزز هذه النجاحات مكانة حزب الله كمركز قوة إقليمي لا يعتمد فقط على قوته العسكرية أو البرلمانية، بل أيضاً على الحوكمة المحلية التي تشكل بنية تحتية للعمل الاجتماعي. بالنسبة إلى الحزب، لا تعدّ الانتخابات مجرد أداة تقنية، بل فرصة لتجديد تفويضه العام في نظر قاعدته الشيعية، مع الحفاظ على قبضته على المؤسسات المحلية التي تعدّ حيوية لاستمرار نفوذه السياسي.

في البقاع، تراوحت نسبة المشاركة في الاقتراع بين 30% و47% بحسب كل منطقة.

بيروت: إقبال ضعيف جدًّا على التصويت وانتصار لحزب الله خلف الكواليس

في بيروت، كان المشهد السياسي أكثر تشتتاً، إلا أن حزب الله حافظ في النهاية على تفوقه. فعلى الرغم من أن الحزب لم يشارك علناً بلائحته الخاصة، عمل سراً لدعم قوائم تابعة لتحالف 8 آذار. فازت قائمة “بيروت المتحدة”، التي حظيت بدعم حلفاء حزب الله، بأغلبية مقاعد المجلس البلدي. يكتسب هذا الإنجاز أهمية خاصة نظراً لانخفاض نسبة المشاركة في التصويت (حوالي 20%)، مما يشير إلى أن قدرة القائمة على حشد الناخبين كانت أكثر فعالية من قدرة منافسيها.

في المقابل، حققت قائمة “بيروت مدينتي” المستقلة، المؤلفة من مهنيين وناشطين وممثلين عن المجتمع المدني، مكاسب رمزية، لكنها فشلت في اختراق جدار اللامبالاة العامة والقوة الانتخابية للقوائم المدعومة من الكتل السياسية التقليدية.

نشرت الهيئة الانتخابية لحزب الله في منطقة بيروت ما يشبه إعلان النصر، معبرة عن التقدير والشكر لـ”الجمهور المقاوم الوفي” الذي شارك في الانتخابات، وساهم في تحقيق الأهداف المطلوبة في مواجهة التحديات السياسية والاجتماعية مع الحفاظ على التوازن والاستقرار والشراكة الوطنية.

جنوب لبنان: هيمنة حزب الله

في 24 مايو/ أيار 2025، أُجريت الجولة الأخيرة من الانتخابات البلدية في جنوب لبنان، في دوائر يتمتع فيها “الثنائي الشيعي” – حزب الله وحركة أمل – بنفوذ كبير وواسع. أُجريت الانتخابات على خلفية الحرب مع إسرائيل. وعلى الرغم من التحديات، حضر سكان الجنوب للتصويت حتى في البلدات المتضررة بشدة.

صوت سكان القرى الحدودية، التي دُمرت بشكل شبه كامل نتيجة الحرب، مثل قرية كلا في القطاع الشرقي، في مراكز الاقتراع المقامة في النبطية. كما صوت سكان قرى حدودية أخرى (القطاع الغربي) في مدينة صور.

يواصل حزب الله إظهار قوته السياسية والتنظيمية في جنوب لبنان. وقد أتاح له تعاونه الوثيق مع حركة أمل السيطرة على القوائم المحلية في معظم القرى والمدن، والفوز بأغلبية المقاعد البلدية، وأحياناً بجميعها. وبينما شهدت بعض البلدات منافسة انتخابية محدودة، لم تُجر أي انتخابات في بلدات أخرى، ولم تُقدم أي قوائم، وكان اختيار أعضاء المجلس البلدي يُحدد باتفاقات مسبقة.

على سبيل المثال، من بين 144 بلدة شملتها الجولة الانتخابية جنوب نهر الليطاني (محافظة جنوب لبنان التي تضم أربع مناطق رئيسية: صور، ومرجعيون، وبنت جبيل، وحاصبيا)، لم تُجر أي انتخابات في 72 بلدة بسبب اتفاقات داخلية سابقة. في 71 منها، سيطرت القائمة المشتركة لحزب الله وأمل. في بلدة واحدة فقط، سيطرت عشيرة محلية بموجب اتفاق.

في 72 بلدة جنوب الليطاني حيث جرت الانتخابات، هناك 35 بلدة ليست شيعية أو ذات أغلبية واضحة من طائفة أخرى (مسيحيين، دروز، سنة)، لذلك لم تترشح فيها قائمة حزب الله وأمل منذ البداية.

تعكس بيانات نسبة المشاركة في الانتخابات البلدية السابقة عام 2016 اتجاهاً واضحاً نحو الانخفاض. ويُرجح أن يكون هذا الانخفاض ناجماً عن الإرهاق السياسي، والوضع الاقتصادي المتردي، والتداعيات الأمنية المباشرة. ومع ذلك، حافظت بعض المناطق، وخاصة صيدا والنبطية، على نسبة مشاركة مرتفعة نسبياً، مما يشير إلى استمرار الانخراط المجتمعي وقوة الإرادة السياسية الداخلية، مدفوعة بشكل رئيسي بالآليات التنظيمية لحزب الله وحركة أمل.

خلاصة

وفقاً لتحليل نتائج الانتخابات، نجح حزب الله، من خلال تحالفاته المناطقية والتنظيمية، في ترسيخ سيطرته البلدية الكاملة في الدوائر الشيعية، مع الحفاظ على استقرار سياسي في معاقله – جنوب لبنان والبقاع. في بيروت، يهيمن حزب الله من خلال حلفائه، وحملاته الإقليمية، ودعمه الصامت للقوائم التعاونية.

تمكنت القوائم المدنية والمعارضة من اختراق المدن المركزية جزئياً، لكنها لا تزال تكافح من أجل كسر هيمنة القوى التقليدية، وخاصة في المناطق الطرفية.

في انتخابات جنوب لبنان – في محافظتي جنوب لبنان والنبطية – استُبعد حوالي نصف البلدات من المنافسة الانتخابية بسبب اتفاقات سابقة بين حزب الله وحركة أمل. هذه الاتفاقات، التي تعدّ آلية للسيطرة السياسية المنظمة، أدت إلى اختيار 109 مجالس محلية دون منافسة (بما في ذلك شمال الليطاني).

أكد ممثلون عن حزب الله وحركة أمل، بمن فيهم نواب، أن التصويت يعد رسالة صمود وثبات مدني في وجه “مخطط العدو الإسرائيلي لتحويل الجنوب إلى منطقة فارغة ومنهكة”. ورأوا أن إجراء الانتخابات، والمشاركة الواسعة، والاتفاقات السياسية التي تم التوصل إليها، كلها تعبر عن صمود الشعب الجنوبي واختياره المستمر للمقاومة أسلوب حياة.

وتشكل الانتخابات دليلاً إضافياً على أن الحكم المحلي في لبنان ليس مجرد مجال للخدمات البلدية، بل هو أيضاً ساحة معركة سياسية تعكس علاقات القوة الطائفية والأمنية والأيديولوجية الأوسع.

على الرغم من الضربة القاسية التي تلقاها، لا يزال حزب الله بعيداً عن السقوط، ويبدو أنه لا يزال مهيمناً على الصعيدين المحلي والانتخابي. حتى مع وجود مشاعر إحباط لدى القاعدة الشيعية في المناطق المتضررة من الحرب، وانخفاض نسبة المشاركة الشعبية، وخيبة الأمل تجاه المسؤولين، فإن هذه المشاعر لم تترجم بعد إلى تغيير حقيقي في ميزان القوى الانتخابي العام.

إن محرك النمو المدني لحزب الله – “مجتمع المقاومة”، وهو قاعدته الشيعية – يتم دعمه وتعزيزه من خلال البنية التحتية المدنية الشاملة للحزب. يدير المجلس التنفيذي هذه البنية التحتية، وتعمل بالتوازي مع البنية التحتية المنهارة والمعطلة للدولة اللبنانية.

على الرغم من أن حزب الله يواجه صعوبات مالية عديدة تتعلق بإعادة الإعمار عموماً، وإعادة الإعمار المدني خصوصاً، وهي صعوبات تؤثر مباشرة على قاعدته الشيعية، لا يزال يملك بنية تحتية فعالة تدير حالياً حملة إعادة إعمار مدنية واسعة النطاق. وهذا شرط بالغ الأهمية لبقاء الحزب واستمراره في تصدر المشهد اللبناني.

زر الذهاب إلى الأعلى