حقبة حزب الله الجديدة: خيارات محدودة

حزب الله الذي لم يعد لديه خيارات كثيرة بعد أن أضعفته الحرب الإسرائيلية المدمرة، بدأ حقبة جديدة يقدم فيها تنازلات ويظهر مرونة، لكنه ليس مستعدّاً للتخلي عن المقاومة ضد إسرائيل، ومن الصعب إجباره على نزع سلاحه، بحسب محللين سياسيين وعسكريين.
لقد تطورت الجماعة المسلحة المدعومة من إيران من خلايا مقاومة صغيرة تقاتل القوات الإسرائيلية التي احتلت جنوب لبنان في أوائل الثمانينيات، لتصبح واحدة من أقوى المنظمات غير الحكومية في الشرق الأوسط.
وبعد أن خسر الحزب قادته الكبار، بما في ذلك أمينه العام المخضرم حسن نصر الله، ومعظم بنيته التحتية العسكرية خلال الحرب، كاد يعود إلى أيامه الأولى.
والآن تعمل الجماعة على إعادة هيكلة نفسها وتأكيد حضورها كقوة سياسية، وهي في حاجة إلى الحفاظ على قاعدتها الشعبية ومقاومتها، فضلاً عن تخفيف التوترات مع المجتمعات الأخرى في لبنان.
واجتازت الجماعة الشيعية اختبارها الأول عندما حضرت أعداد كبيرة من المؤيدين المؤمنين مراسم تشييع نصر الله وخليفته هاشم صفي الدين التي نظمتها في بيروت بعد نحو خمسة أشهر من اغتيالهما على يد إسرائيل.
وقال الخبير العسكري اللبناني والعميد السابق في الجيش هشام جابر لوكالة يونايتد برس انترناشونال: “كانت هذه رسالة إلى أولئك الذين يقولون إن الشيعة هُزموا أو ضعفوا بأنهم ما زالوا أقوياء”.
ضربات مؤلمة
واعترف حزب الله بأنه تلقى “ضربات مؤلمة للغاية” من إسرائيل خلال حربه التي استمرت 14 شهراً، والتي بدأت في أكتوبر / تشرين الأول 2023 دعماً لغزة، وانتهت في 27 نوفمبر / تشرين الثاني بقبول الجماعة اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة وفرنسا.
وقال جابر: “لقد اعترفوا أيضاً بضرورة تغيير تكتيكاتهم واستراتيجياتهم سواء في أوقات الحرب أو السلم، كما اعترفوا بأن إيران لا تستطيع الاستمرار في إملاء ما يجب عليهم فعله”.
لقد اضطر حزب الله إلى التراجع الآن، بعد أن تأكد من أن ميزان القوى لم يعد في صالحه، فاتجه إلى الدولة اللبنانية، واثقاً من قدرتها ـ على الأقل في الوقت الراهن ـ على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان واعتداءاته المستمرة من خلال الجهود الدبلوماسية.
وقال جابر: “الكرة الآن في ملعب الدولة اللبنانية، وإذا فشلت جهودها في إجبار إسرائيل على استكمال انسحابها، فسوف يضطر حزب الله إلى التحرك… وقد تندلع مقاومة شعبية”.
وأعلنت إسرائيل أنها سوف تحتفظ بخمسة مواقع عسكرية على قمم التلال داخل جنوب لبنان عندما تسحب قواتها في 18 فبراير/ شباط، لكنها لم تحدد موعد إخلائها.
وبحسب جابر، فإن إسرائيل احتفظت فعلياً بسبع نقاط داخل منطقة الحدود الجنوبية للبنان.
ضوء أخضر من واشنطن
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، إن بلاده تلقت “الضوء الأخضر” من واشنطن “للبقاء دون حد زمني”.
وهناك أيضاً 13 نقطة حدودية يطالب بها لبنان، لكنه وافق على حل النزاع الحدودي خلال المفاوضات التي تيسّرها الولايات المتحدة.
وبالإضافة إلى تراجع قوته العسكرية وقدراته، تشير التقارير إلى أن حزب الله يواجه صعوبات مالية شديدة بعد أن فقد طريق إمداداته الرئيس من إيران عبر سوريا بعد الإطاحة بالرئيس بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول.
وأدت التهديدات الإسرائيلية بقصف المطار المدني الوحيد في بيروت إلى اتخاذ إجراءات أمنية مشددة ومنع الطائرات الإيرانية من الهبوط للاشتباه في تهريبها أموالاً إلى الحزب.
وتؤثر الضائقة المالية على قدرة حزب الله على دفع رواتب مقاتليه ومواصلة تقديم الخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية لأتباعه بحسب رياض قهوجي، رئيس معهد التحليل العسكري للشرق الأدنى والخليج ومقره دبي.
وقال قهوجي لوكالة يونايتد برس إنترناشونال: “لهذا السبب يحاول حزب الله الاعتماد بشكل أكبر على انتمائه الديني، وسيسعى للحصول على المزيد من التمويل من خلال التبرعات أو الزكاة أو طرائق أخرى”.
إعادة الإعمار هي التحدي الأكبر
ولكن الجهد الأكثر تحدّياً سيكون إعادة إعمار المناطق التي دمرها القصف الجوي والبري الإسرائيلي المتواصل للضاحية الجنوبية لبيروت وشرق وجنوب لبنان.
وتعرضت قرى بأكملها في منطقة الحدود الجنوبية لتدمير كامل، في حين تعرضت المنازل والمباني والمستشفيات والمدارس والبنية التحتية لتدمير كامل أو جزئي في المناطق المستهدفة الأخرى.
وقدر البنك الدولي في بادئ الأمر الأضرار المادية والخسائر الاقتصادية التي لحقت بلبنان نتيجة الحرب بين حزب الله وإسرائيل بنحو 8.5 مليار دولار.
وهنا أيضاً يجد حزب الله نفسه عاجزاً عن الإيفاء بوعوده بإعادة إعمار المناطق المتضررة. لذلك، فهو مضطر للجوء إلى الدولة اللبنانية لتأمين الأموال اللازمة.
ولكن لن يتم تقديم أيّ أموال من قبل المجتمع الدولي والمانحين العرب، إلا إذا قام الحزب بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بشكل كامل على أساس قرار مجلس الأمن رقم 1701، وما لم تُجرِ الحكومة اللبنانية الإصلاحات المطلوبة.
وبموجب القرار الدولي، يجب نزع سلاح حزب الله بشكل كامل، وهي الخطوة التي رفضها الحزب بدعوى استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية وضرورة الاحتفاظ بقوته العسكرية من أجل الأمن الوطني اللبناني.
وقال ديفيد وود، وهو محلل بارز في شؤون لبنان في مجموعة الأزمات الدولية: “أستطيع أن أرى من الناحية الاستراتيجية لماذا يريد حزب الله مزيداً من الوقت في مسألة نزع السلاح”.
خيارات محدودة
لكن في الأساس، ليس لدى حزب الله الكثير من الخيارات.
وقال وود لوكالة يونايتد برس إنترناشونال: “إنهم قادرون على مقاومة نزع السلاح، وأصبحوا أكثر عدوانية ويخاطرون ببقاء أنصارهم خارج [قراهم ومنازلهم] لأنهم لا يستطيعون الحصول على المال لإعادة الإعمار”.
وفي تقرير أصدرته مجموعة الأزمات الدولية، تم تحديد ثلاثة سيناريوهات لنزع سلاح حزب الله: أن يقاوم الحزب وحلفاؤه نزع سلاحه؛ وأن يسعى معارضو الحزب إلى نزع سلاحه بالقوة، وبشكل سريع وكامل، وأن يتم تبني عملية تدريجية وتفاوضية لتحويل ميزان القوى بعيداً عن الحزب دون الدخول في مواجهة مباشرة معه.
ووفقاً للتقرير، فإن السيناريو الرئيس سيكون إقناع حزب الله بأن “نزع سلاحه لا يعني بالضرورة زواله بالكامل”. “قد يكون هذا المسار طويلاً وبطيئاً، ولكن فرص نجاحه أفضل من البدائل الأخرى”.
وقال وود: “إن كل الخيارات صعبة بالنسبة إلى حزب الله. فبوسعهم أن يقدموا تنازلات وحتى أن يتعاونوا في مجال نزع السلاح، ولكن ماذا يعني هذا بالنسبة إلى مستقبل الجماعة؟”.
هل أصبح حزب الله اليوم أقرب إلى قبول فكرة التخلي عن سلاحه؟
بحسب الخبير العسكري اللبناني جابر، فإن ذلك قد يحدث، لكن الاتفاق مع حزب الله على استراتيجية دفاعية جديدة ينضم بموجبها مقاتلوه إلى قوة شبه عسكرية داخل الجيش اللبناني، سوف يستغرق بعض الوقت.
وأضاف وود أن الأمر سيعتمد أيضاً على ما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “سيتبع سياسة التسوية مع إيران … أو يدفعها إلى الزاوية بمزيد من العقوبات”.
وفي هذه الأثناء، لا تُظهر إسرائيل قدراً كافياً من الصبر، وتضرب أهدافاً تابعة للجماعة كل يوم تقريباً.
في حين تفقد إيران الكثير من نفوذها في لبنان، حيث رفض الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام “التدخلات الخارجية”، وأعلنا أن الدولة الصغيرة “محايدة”، ولن تكون جزءاً من أيّ تحالفات إقليمية.
ووسط كل هذا، يتبنى حزب الله سياسة الانتظار والترقب في ما يتعلق بالتطورات في المنطقة.
وقال قهوجي: “إن حزب الله ينتظر الفرص [للعودة]، وإذا لم تتح له هذه الفرص، فإن الأمر سينتهي به إلى أن يصبح مجرد حزب سياسي”.
المصدر: MSN
